رئيس التحرير: عادل صبري 03:04 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

الإعلام الأميركي والعالم الموازي للرئيس الجديد

الإعلام الأميركي والعالم الموازي للرئيس الجديد

مقالات مختارة

دونالد ترامب

الإعلام الأميركي والعالم الموازي للرئيس الجديد

آدم سيرْوِر 16 نوفمبر 2016 17:59

«صدام حسين كان متحالفاً مع «القاعدة»، وساهم في تمويل هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).
نظام صدام سعى الى شراء يورانيوم من النيجر.
وحاز العراق أنابيب ألومينيوم تستخدم في تخصيب يورانيوم الأسلحة النووية»... كل ما تقدم ثبت أنه خطأ ومغاير للواقع. لكن تلك التأكيدات تداولتها الصحافة في الأشهر التي سبقت اجتياح العراق عام 2003، وبقيت في منأى من مساءلة الصحافة ومن الطعن في المعلومات إلى حين انزلاق الحرب في العراق الى كارثة. بعدها، سعى صحافيون كثر الى التهرب من اللوم، وإبعاد المسؤولية عنهم. وعلى سبيل المثل، قالت جوديت ميلر، مراسلة في «نيويورك تايمز» فائزة بجائزة «بوليتزر»، كانت كتبت مقالات في الصفحة الأولى للصحيفة عن أنابيب الألومينيوم وساهمت في تسويغ حرب العراق: «عملي لا يقضي بتقويم (صحة أو خطأ) معلومات الحكومة ولا بتحولي الى محلل استخباراتي مستقل، بل يقضي بإعلام قراء الصحيفة برأي الحكومة عن ترسانة العراق».

وفي حملة 2016 الانتخابية، فوجئ المراسلون بقدرة دونالد ترامب وفريقه على خلق عالم موازٍ يدحض تصريحات أدلى بها وينفي أنه أدلى بها- من اعتباره الاحتباس الحراري خدعة مفبركة، الى إعلانه أنه عارض الحرب على العراق (وهو لم يفعل)، مروراً بقوله أنه لن يعترف بنتيجة الانتخابات إذا خسر، وصولاً الى ما قاله عن علاقته برجل روسيا القوي، الرئيس فلاديمير بوتين. ترامب وفريقه هما من طينة ناس يسعهم إعلان أن السماء خضراء من دون أن يرف لهم جفن. واليوم، ستكون لهم السيطرة على أجهزة الحكومة الفيديرالية لنشر أكاذيبهم، في وقت لم تعد الصحافة العدة بَعد لأداء عملها والتعامل مع مثل هذه الأكاذيب ودحضها.

فالصحافة السياسية وثيقة الاعتماد على المصادر الرسمية. ويبدو اليوم دفاع ميلر عن نهجها الذي يختزل الصحافة بنقل ما يملى عليها، سخيفاً ومنافياً للعقل. وتُنسب الى المصادر الحكومية صدقية عالية، ومن العسير تفنيد أكاذيب رسمية. والتسريبات من مصادر رفيعة المستوى يسعها ضبط السردية الرسمية إذا كانت مخالفة لها، لكن اتساع صلاحيات أجهزة المراقبة والرقابة التي أُرسيت في عهد بوش وأوباما- وستؤول السيطرة عليها الى ترامب- سيحول دون مثل تلك التسريبات. واليوم، من العسير الطعن في ما تعلنه إدارة ترامب من أكاذيب. فإطباق الجمهوريين اليد على الحكومة يجعل اعتراضات الديموقراطيين غير وازنة، كما كانت حال اعتراضاتهم قبل الحرب على العراق. موضوعية وسائل الإعلام ليست ركناً راسخاً، بل هي، اليوم، تحدد وجهتها وفق أهواء الرأي العام. فالمؤسسات الإعلامية لا ترغب في انفضاض جمهورها عنها. وأداء الإعلامي كريس ماتيوز من «أم أس أن بي سي» هو مثل على تغيير الإعلامي موقفه وفق أهواء الجمهور، ولو ترتب على ذلك تملّق السلطة. فهو قال في أيار (مايو) 2003، أن بوش يبدو مثل «نجم يحلّق» وأنه «فاز بالحرب». ولكن، اليوم، يجوز القول أن حرب العراق لم تنتهِ بَعد.

والى التلاعب بنقل الخبر، يميل أشخاص في وسائل الإعلام الى إخراج مواقفهم على أنها صورة «أميركا الفعلية»، فيخولون أنفسهم، على سبيل المثل، استبعاد الانتقادات التي وجهت الى إدارة بوش، ونسبتها الى نخب ليبرالية مدللة. والآن، بعد أيام قليلة على انتخابات 2016 الرئاسية الأميركية، تسعى شخصيات بارزة في الإعلام الى الدفاع عن تحالف ترامب في وجه أقليات دينية وعرقية ضعيفة تخشى على مستقبلها في عهد رئيس رأى في حملته الانتخابية أنها كبش محرقة لمشكلات الأمة.

وتعاظمت معارضة التغطية الإعلامية لإدارة بوش مع هبوط شعبيتها في استفتاءات الرأي، وآنذاك شعرت الشخصيات الإعلامية بأنها وفية للرأي العام حين توجه سهام النقد الى بوش. لكن قدرة إدارة بوش على رسم سردية أزمة عامة طغت إثر إعصار كاترينا، تضاءلت. فعلى خلاف حرب العراق، اختبر المراسلون التباين بين ما يرونه بأم العين وبين التصريحات الرسمية.

الإدارات الأميركية كلها تميل الى الكذب. فإدارة ليندون جونسون ضلّلت وسائل الإعلام في حرب فيتنام. وإدارة أوباما أساءت تقدير قوة «داعش». ولكن مع ترامب تبدأ مرحلة جديدة: فترامب أظهر، قبل تسلمه الحكم، قدرته على التنصل من الوقائع من غير نتائج سياسية. وإغواء قبول عالم إدارة ترامب الموازي والضعيف الصلة بالواقع، كبير، في وقت يتعاظم الشك في وسائل الإعلام وتتعاظم قدرته (ترامب) على عزل قاعدته الشعبية عما يجرى. إن وسائل الإعلام غير مستعدة وغير مؤهلة اليوم للتعامل مع هذا الرئيس.

* محرر، عن «ذي اتلانتيك» الأميركية،

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان