رئيس التحرير: عادل صبري 06:03 مساءً | الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م | 04 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

أمريكا.. الكاذبة!

بقلم: حسن منيمنة 03 نوفمبر 2013 12:50

لا يستحق تنصت أجهزة الاستخبارات الأمريكية على السياسيين والمواطنين في عموم العالم العربي المقدار ذاته من الاهتمام والاستهجان في الأوساط الإعلامية الدولية، فالعالم العربي موضع ريبة وحذر من الولايات المتحدة، بما يبرر لدى جمهور واسع في المجتمعات الغربية كل رصد له، وإن تجاوز المعايير المتوقعة.

 

أما كشف استهداف الحلفاء المقربين بعمليات التنصت الواسعة، فيأتي ليشكل تقويضاً آخر لصدقية أمريكية عانت في السنوات الأخيرة طعنات متتالية، وإذا كان لا بد لحكومة الرئيس باراك أوباما من أن توازن بين أولوياتها الأمنية وصورتها داخلياً وخارجياً، فإن سوء إدارة سياسات متعددة استنزف كثيراً من صدقيتها، ونقل التشكيك في دورها من الاتهام بالتخبط الخطابي إلى التخوف من ضياع الدفة، بما يفقد الولايات المتحدة الصفة المرجعية، كحليف يمكن الوثوق به أو كضامن لسلوك دولي منضبط في أطر الحقوق الإنسانية والقيم العالمية.

 

قد يصح القول في نهج أوباما في الأعوام الخمسة الماضية إنه أبعد الحلفاء من دون أن يقرّب الأعداء. طبعاً ربما هناك مَنْ يعترض، مشيراً إلى التقارب المفترض بين واشنطن وطهران، بما يفيد بأن سياسة أوباما حققت الإنجاز، وإن لم يكن يرق لبعض الحلفاء، لكن موضوع التواصل مع إيران ما يزال مبكراً، بل إن متابعة توجهات أوباما في الأعوام الماضية تفيد بأن الانخراط في التواصل المفترض قد لا يهدف إلى تحقيق تقارب فعلي بمقدار ما يسعى إلى تنفيس الاحتقان وإدارة الأزمة إلى موعد غير محدّد. على أي حال، هذا التقارب الاسمي يأتي بثمن باهظ هو تبديد ما تبقى من اقتناع لدى أكثر من طرف في الشرق الأوسط وخارجه بإمكانية الاعتماد على الاستمرارية في سياسات الولايات المتحدة.

 

ودول الخليج تجد نفسها أمام مفصل مهم في تصورها البعيد المدى لأمنها وديمومة رخائها، فكلام أوباما عن التركيز على ما هو خارج المنطقة، والتخلي عن الدور المعتاد لأمريكا بالمبادرة في معالجة ملفاتها، مقروناً باقتناع العديد من الأوساط الأمريكية بالاقتراب الوشيك من الاستقلالية في الطاقة، بل المقدرة في أمد ليس بعيداً على تصدير الطاقة للحلفاء في شرق آسيا، بما ينفي الحاجة إلى تولي مسؤولية رئيسية في ضمان أمن الخليج، يجعل من ضرورة تشكيل تصورات جديدة، وتحالفات جديدة، تحفظ التوازن الذي قد يتعرض للاختلال، أمراً مطروحاً.

 

والمسألة هنا ليست التخوف مما قد يتمناه بعضهم في محور الممانعة المفترض بين السر والعلن، من اصطفاف إيراني- أمريكي من المحال أن يحصل، بل من غياب للولايات المتحدة عن تحقيق التوازنات حتى ضمن صفوف الحلفاء، ما يتسبب به ذلك من استهلاك للطاقات، وما يؤدي إليه غياب القوة العظمى ذات الحجم غير القابل للمكافأة، من بروز محاور قريبة من التكافؤ في المنطقة وخارجها، وما قد يجرّه ذلك من أزمات ومواجهات استنزافية.

 

ودول الخليج تسعى بالفعل إلى النظر في التعويض عن التلكؤ الأمريكي بالسعي إلى تطوير علاقاتها على كل الصعد الاقتصادية والأمنية مع أوروبا، المتضرر الآخر من الانطوائية المتصاعدة للسياسة الأمريكية. لكن الوزن والحضور الأمريكيين في المنطقة يبقيان غير قابلين للاستبدال في المســـتــقبل المنــــظور، فلا بد للجهد أن يبقى منصباً إذن على الحد من الانكماش الأمريكي.

 

وإذا كانت محاولات استنهاض السياسة الأمريكية تصطدم بعقبة الانعطافات المتتالية لأوباما، لا سيما حول كل من سوريا وإيران، فمن الأجدى التمييز بين السياسة الحالية لواشنطن وبين الموقع الأمريكي في السياسة والاقتصاد والأمن في العقود المقبلة على مستوى العالم ككل. فلا شك في أن أوباما يبدو مثابراً على اختيار السبيل الأقل وطأة لحكومته، وإن كان في اختياره هذا، وفق معارضيه، تفريط بالمصالح الأمريكية. ولا شك كذلك في أن سياساته بمجموعها أنهكت صدقية الولايات المتحدة لدى العديد من الحلفاء، لكن مجموع هذه السياسات لا يبدل واقع أن القوة العظمى الأولى بل الوحيدة في العالم، اقتصادياً وعسكرياً، تبقى أمريكا، إذ ما تزال باقتصادها تتجاوز أقرب منافساتها، أي الصين، بثلاثة أضعاف، وبإنفاقها العسكري تفوق سائر العالم مجتمعاً. وإذا كانت التوقعات تفيد بأن الصين مع منتصف هذا القرن، والهند مع آخره، قد تتقدمان على الولايات المتحدة في حجم اقتصادها نتيجة التعداد السكاني، مع افتراض استمرار الظروف المواتية، فإن ذلك لا ينقض استمرار أمريكا في المقدمة من حيث التأثير.

 

في كل الأحوال، المسافة شاسعة بين هذا التصور الذي يبقي الولايات المتحدة في موضع طليعي في أسوأ تقدير، وبين تكرار الحديث عن أفولها، وبنائه على سياسة أمريكية قائمة كما يبدو على التخلي عن المواقع. فأوباما إذ يوطد هذا التخلي نمطاً في سياسته، يعتمد على النزعة الانعزالية التي غذّاها في المجتمع الأمريكي عدم اتضاح جدوى الحروب في العراق وأفغانستان، والنفور من خارجٍ يبدو معادياً وغير مفهوم، وسط أجواء اقتصادية ضبابية، وفي سياق خطاب مظلومية أمريكية. ولكن في مقابل الإفراط في رد الفعل بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١ والتي يتهم بها بعضهم الرئيس السابق جورج دبليو بوش، إذ أدت إلى حربين، يرى خصوم أوباما أنه يمارس التفريط بالمصلحة الأمريكية من خلال الانسحابات المتسرّعة، والتي بددت ما كان يمكن للعراق أن يكونه، وهي في صدد تبديد الرصيد الذي جمع في أفغانستان.

 

وبصرف النظر عن تقويم نتائجه، فإن تراجع أمريكا اليوم ليس انخفاضاً في مقدرتها بل تخفيض في الدور الأمريكي يقدم عليه أوباما، سواء كان ذلك وفق مؤيديه لاعتباراته المبدئية من حيث تفضيل عدم الانفراد في القرارات وميله إلى الأساليب السلمية في حل النزاعات، أو كما يؤكد خصومه، لتفريطه المتكرر بالحلفاء والوعود، وممارسته حروباً شتّى، إنما بعلنية أقل.

نقلاً عن صحيفة الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان