رئيس التحرير: عادل صبري 01:03 مساءً | الخميس 15 نوفمبر 2018 م | 06 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

الصين تشتري أوروبا وتبتلع شركاتها

الصين تشتري أوروبا وتبتلع شركاتها

مقالات مختارة

الرئيس الصينيى شي جينبيغ

الصين تشتري أوروبا وتبتلع شركاتها

جون غابر 02 نوفمبر 2016 21:11

أربعة أطباق وحساء واحد من غير شراب، هذه وجبة رمزية استهلكها شي جينبيغ، الرئيس الصيني، لدى زيارته، في 2012، محافظة هيباي في حملة الانقضاض على الفساد. وحظر الإسراف في الضيافة والرشاوى. والشركات الأجنبية التي ترغب في العمل في الصين ملزمة بحمية غذائية متقشّفة. فلا يعرض عليها في لائحة الطعام غير أطباق قليلة عسيرة على البلع. والشبه قليل بين المأدبة الصينية المقترة و«الوليمة» التي تدعى إليها الصين في أوروبا، يقول يورغ فوتكي، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الصين.

واليوم، تجمد ألمانيا أطباق وليمتها أو تسحب بعضها عن المائدة. وهذا الأسبوع، تراجعت عن المصادقة على حيازة صندوق الاستثمارات الصيني، «فيوجيان غراند شيب»، شركة عتاد النقل «إيكسترون»، وهي صفقة قيمتها 680 مليون يورو. وتأخرت سويسرا في إبرام الإجراءات القانونية الخاصة بصفقة حيازة «كمشاينا» شركة «سينجانتا» السويسرية لقاء 44 بليون دولار. ويبدو أن أوروبا تعيد النظر في سياستها التجارية مع الصين. والحذر مسوغ وواجب. فبكين تزرع عثرات كثيرة في وجه الشركات الأجنبية التي تسعى الى الاستثمار في السوق الصينية، من تقييد الملكية الأجنبية الى شبكة من القوانين والحواجز غير الرسمية. وليست الشركات الألمانية الصغيرة والمتوسطة الحجم وحدها في مرمى الشركات الصينية. فشركة «داليان واندا» الصينية سعت الى شراء حصص في هوليوود، ومجموعة «أتش أن آي» اقترحت مناقصة مقدارها 6.5 بليون دولار لقاء 25 في المئة من سلسلة فنادق هيلتون. فالشركات الصينية لم تعد تكتفي بتصنيع الثياب والألعاب والإلكترونيات، وتسعى الى اللحاق بركب الشركات الكبرى.

ولا ريب في أن مآل بعض الصفقات سيعرف مصير حيازة اليابان شركات أجنبية في نهاية الثمانينات. وعمليات الشراء هذه حفزها ارتفاع أسعار الأصول والفوائد المتدنية على القروض في الداخل الياباني. فدفعت الشركات اليابانية أسعاراً باهظة لقاء أصول لا تعرف كيف تديرها ووقعت في مشكلات كثيرة. لكن ما بادرت إليه ألمانيا اليوم، يسلط الضوء على نتائج عدم احتساب أثر الاستثمارات الصينية المباشرة. وتندرج إعادة النظر في صفقة «إيكسترون» في سياق إبرام الصين سلسلة صفقات لشراء شركات ألمانية متطورة القدرات التكنولوجية الصناعية. و»كوكا»، هي شركة تصنع الروبوتات، اشترتها شركة «ميديا» الصينية لقاء 4.5 بليون يورو. والشركات الصينية اشترت شركات ألمانية تصنع مضخات الإسمنت والأدوات الصناعية. ولا تخفى دواعي الإقبال الصيني على الشركات الأوروبية. فخطة «صنع في الصين 2025» التي أعلن عنها العام المنصرم، تقضي بالانتقال الى تصنيع متطور في 10 قطاعات صناعية، منها صناعة الآلات والروبوت وتكنولوجيا الفضاء والطب وتكنولوجيا المعلومات. وإذا لم يسع الصين غلبة الشركات المتطورة في ألمانيا والولايات المتحدة، في مقدورها شراؤها. وثمة أوجه شبه بين هذه الخطة وسياسة «الابتكار المحلي» التي قضت بالشراكة بين الشركات الصينية وشركات أوروبية وأميركية ترغب في بلوغ الأسواق الصينية لقاء نقل التكنولوجيا المتقدمة إليها. واضطرت الشركات الصينية الى بذل مبالغ ضخمة لحيازة شركات ألمانية وأميركية للحصول على تكنولوجيا متقدمة وبالغة التعقيد. وهذا النهج أكثر جاذبية من النموذج السابق حين اضطرت شركات مثل «سيمنز» و«كاواساكي» و«آلستوم»، لمنح الصين أسرارها لتفوز بعقود في شبكة النقل السريع الصينية. ولا تستطيع بكين أن تقف موقف المتفرج وتقيد طموحها الاقتصادي والصناعي. فدول مثل بنغلادش، وفيها اليد العاملة أرخص، لحقت بركابها في الصناعات الخفيفة. ولا تقوض بكين أمن الغرب حين تشتري الخبرات في صناعة الروبوت وآلات متطورة.

لكن دفق الاستثمارات غير متبادل وهو في اتجاه واحد من الصين الى أوروبا وأميركا. وهذا الخلل يزعج الغرب. فالسوق الغربية مشرعة أمام الصين، في وقت أن السوق الصينية مغلقة أمام أوروبا وغيرها. فبروز الصين وانضمامها الى منظمة التجارة العالمية في 2001 فتحا ثغرة كبيرة في التبادل التجاري، وصارت بكين أكبر قوة لتصدير السلع في العالم. وكانت الغاية من العضوية في منظمة التجارة العالمية، تشريع السوق الصينية أمام العالم وشركات تصنيع السيارات (الغربية). لكن بكين لم ترفع قيوداً رسمية وغير رسمية على حق الملكية الأجنبية في قطاع الصحة واللوجيستيات والاتصالات وغيرها. واشترت «شاينا أوشنوايد» شركة «غينوورث فايننشل»، وهي شركة تأمين أميركية، مقابل 2.7 بليون يورو، لكن شركات التأمين الأجنبية لا يسعها حيازة غير حصة ضئيلة في السوق الصينية.

والقيود على الملكية ترمي الى الحؤول دون سحق الصناعات الصينية على وقع تدافع على الاستثمار الداخلي. لكن النمو الصيني الاقتصادي السريع في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، لم يؤد الى رفع القيود عن الاقتصاد: وحين تقر قوانين لينة، ترجح حكومات المحافظات والمسؤولون المحليون كفة الشركات الصينية. ووفاض الاتحاد الأوروبي خال من آلية لضبط تقدم الصين، فهو لم يرس نظير لجنة الاستثمارات الخارجية الأميركية التي تتولى التحقيق في عمليات الشراء الحساسة. ودعا الاتحاد الأوروبي الصين الى تيسير دخول الشركات الأوروبية سوقها، لكن بكين صعبة المراس والخلل في التوازن (التجاري) يصب في مصلحتها. وهذا الخلل لن تقيّض له الحياة. فإما تدعو الصين أميركا وأوروبا الى «ولائم» وإما تتقلص الأطباق على الموائد الغربية. فالقوانين الناظمة ستتغير والصفقات ستحظر وتمنع.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان