رئيس التحرير: عادل صبري 02:18 صباحاً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

انتخابات «الدوما»: ديكتاتورية الغالبية... وإرهاب الدولة

انتخابات «الدوما»: ديكتاتورية الغالبية... وإرهاب الدولة

مقالات مختارة

البرلمان الروسي الدوما

انتخابات «الدوما»: ديكتاتورية الغالبية... وإرهاب الدولة

متابعات 09 أكتوبر 2016 18:11

عزَّز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هيمنته على السلطة بفوز حزبه الحاكم «روسيا الموحدة» بغالبية تجاوزت ثلاثة أرباع مقاعد المجلس النيابي (الدوما) في انتخابات 18 أيلول (سبتمبر) الماضي. وإذا كان بوتين تمكن من المحافظة على هذه الهيمنة اعتماداً على غالبية بسيطة قوامها 53 في المئة منذ انتخابات 2011، بعدما كان حزبه قد حاز أكثر من ثلثي المقاعد في انتخابات 2007، فلنا أن نتخيل كيف سيكون الوضع بعدما صار البرلمان في جيبه الصغير.

كان عالم الاجتماع الفرنسي الكسي دي توكفيل أول من تنبّه إلى خطر تحول ما رآه في أميركا عام 1835 ديموقراطية يضمنها تكافؤ الفرص إلى ديكتاتورية غالبية تفرض هيمنتها. ولاحظ أن الولايات المتحدة اجتازت بنجاح أول اختبار في هذا المجال حين فشلت محاولة رئيسها الثاني جون آدامز 1797–1881 صنع ديكتاتورية كهذه.

غير أن دي توكفيل لم يتوقع اقتران ديكتاتورية الغالبية في بعض حالاتها بممارسة صاحب السلطة فيها إرهاباً في بلده وخارجه. كان الوقت مبكراً حين كتب «الديموقراطية في أميركا»، ولم يكن مفهوم إرهاب الدولة عُرف آنذاك.

لكن نظام ديكتاتورية الغالبية انتشر في العالم بعد ذلك، إما بسبب عدم رسوخ ثقافة الحرية في نظام ديموقراطي، أو نتيجة نجاح رئيس أو نخبة حكم في تفريغ هذا النظام من محتواه. ومن الوسائل الأكثر شيوعاً في هذا المجال ادعاء القدرة على تحقيق أمجاد قومية كبرى، أو استغلال خطر داخلي أو خارجي والنفخ فيه، وصناعته أحياناً، لخلق حالة تعبئة يعلو فيها صوت واحد. وتفيد التجارب المقارنة أن أسوأ نماذج ديكتاتورية الغالبية وأخطرها هو الذي يقترن بممارسات تدخل في إطار إرهاب الدولة.

وتُمثّل روسيا أحد أبرز هذه النماذج راهناً، حيث يبلغ إرهاب الدولة المقترن بديكتاتورية الغالبية ذروته في سياستها تجاه سورية. فبوتين نجح في خلق تعبئة حول مشروع يقوم على نفخ التطرف القومي لاستعادة أمجاد روسيا وكرامتها ومواجهة أخطار محدقة بعضها خارجي (الغرب) وبعضها الآخر داخلي مرتبط بالخارج (الإرهاب).

ويحتفظ النظام الروسي في شكل ديموقراطي كما حال ديكتاتوريات الغالبية، اعتماداً على انتخابات دورية تُجرى من دون تزوير فج أو مفضوح، لأن «هندسة» العملية الانتخابية تُغني عنه. وتبدأ هذه «الهندسة» باختيار نظام الانتخاب الذي يضمن فوز الحزب الحاكم بالغالبية، ويتيح وجود تمثيل أحزاب قريبة إليه، ويحول دون وصول أية معارضة حقيقية للبرلمان. وكان سهلاً إقصاء هذه المعارضة في انتخابات «الدوما» الأخيرة بسبب انقسامها على نفسها، وعجزها عن توحيد صفوفها لتكوين ائتلاف انتخابي بدل القوائم الخمس التي خاضت هذه الانتخابات متنافسة.

كما أن أجواء التعبئة التي تحيط الانتخابات، ولا تخلو من هستيريا في وسائل الإعلام الحكومية وشبه الرسمية، تجعل فوز الحزب الحاكم مضموناً سلفاً. وقد وظَّف هذا الحزب سياسة القتل والتجويع في سورية في دعايته بوصفها دليلاً على قوة روسيا، لأن التعبئة المفرطة تُسهّل خداع الرأي العام.

لذلك أصبح الارتباط وثيقاً بين نظام ديكتاتورية الغالبية وإرهاب الدولة بخلاف نظم تماثله بدرجة أو بأخرى في بلاد شرق أوروبا ووسطها، خصوصاً ما بين بحر البلطيق والبحر الإدرياتيكي. ونجد في هذه البلاد وسائل متنوعة لبناء التعبئة الشعبوية التي لا توجد ديكتاتورية غالبية من دونها. لكن رؤساءها يتشابهون بدرجة كبيرة من حيث إحكام قبضتهم على السلطة، وإن تميز كل منهم بأسلوبه على النحو الذي تفضي إليه المقارنة بين فيكتور أوربان في هنغاريا، وباروسلاف كافينيسكي في بولندا، وروبرت فيكو في سلوفاكيا، وجورج افانوف في مقدونيا، وغيرهم.

لكن لديكتاتورية الغالبية في روسيا سمات خاصة ساهم بعضها في إنتاج بعض أكثر ممارسات إرهاب الدولة بشاعة، ومن أهمها وجود مكوّن أصولي ديني قوي فيها، إذ تُستخدم الكنيسة الأرثوذكسية أو تُوظَّف بطرق صريحة ومستترة لترويج مشروع «روسيا العظمى» وشعاراته.

ويثير ذلك سؤالاً منطقياً عن مغزى محاربة بوتين، الذي يبدو والحال هكذا نصف أصولي ونصف قومي متطرف، للأصولية الإسلامية العنيفة (الإرهاب). صحيح أن المزج بين الأصولية والعلمانية معروف في مواقف وممارسات القوى التي ترفع شعارات قوموية متطرفة، وتحتاج إلى تعبئة مختلف رموز الدولة والمجتمع بما فيها المؤسسات الدينية. وفي بودابست مثلاً لا حصراً، حيث يحمل الرئيس أوربان شعار استعادة الإمبراطورية الهنغارية، تُرفع أعلام حزبه بجوار العلم الوطني فوق كنائس وقلاع تاريخية.

لكن ديكتاتورية بوتين تقوم على خلطة خاصة بين العلمانية القومية المتطرفة والأصولية الدينية الأرثوذكسية يبرز فيها دور مميَّز جداً للكنيسة يُذكّر بعصر القياصرة.

فقد وُجهت منذ مطلع فترة رئاسته الأولى التي بدأت في 2000 تعليمات لكبار المسؤولين في الدولة لحضور المناسبات التي تقيمها الكنيسة. وتواترت البيانات والتصريحات الرسمية التي تؤكد التعاون بين السلطة السياسية والسلطة الروحية، في إطار سياسة ممنهجة لإعادة تعبئة الرموز الدينية خدمةً لمشروع نفخ الروح القومية، وتوظيف المذهبية الأرثوذكسية في خطاب الهجاء للغرب وقيمه الكاثوليكية والبروتستانتية.

وتنامى توظيف الدين في خضم الصراع على جورجيا، حيث دُفعت كنيستها الأرثوذكسية إلى اتخاذ موقف معارض للرئيس ساكاشفيلي عندما احتدم هذا الصراع. وحدث مثل ذلك في أوكرانيا حيث وقفت إحدى كنيستيها الأرثوذكسيتين (تتبع البطريرك الروسي) في صف موسكو، وضد الكنيسة الأرثوذكسية الأخرى التابعة لبطريرك كييف، والكنيسة الكاثوليكية.

وفي ظل هذه السياسة ذات المنحى القومي - الأصولي، ازداد التعاون بين السلطة والكنيسة في إقامة مدارس ومعاهد وجامعات ومؤسسات صحية واجتماعية شتى. وأصبحت للكنيسة قناة قضائية أرثوذكسية بدأت البث في 2005 هي «سويوز تي في»، وأخرى تبث عبر شبكة «الانترنت»، فضلاً عن مئات الصحف والمواقع الإلكترونية.

وعندما أُصدر قانون دعم الروابط بين جمهوريات الاتحاد الروسي في 2010، خُصصت للدين مكانة محورية إلى جانب اللغة والثقافة، ونُص على أن الأرثوذكسية حجر الزاوية في الهوية القومية للشعوب الناطقة بالروسية.

وهكذا امتزج شعار «روسيا العظمى» بشعار «روسيا المقدسة» بوضوح للمرة الأولى منذ أكثر من قرن، وعلى نحو قد يفيد في الإجابة عن السؤال عن كيفية بلوغ ديكتاتورية الغالبية هذا المستوى من إرهاب الدولة.

 

نقلا عن الحياة اللندنية

 

اقرأ أيضًا:

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان