رئيس التحرير: عادل صبري 02:01 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

توغل القوات المسلحة في السياسة: بداية القصة

توغل القوات المسلحة في السياسة: بداية القصة

مقالات مختارة

جمال عبدالناصر

توغل القوات المسلحة في السياسة: بداية القصة

إضاءات 04 أكتوبر 2016 10:36

صرح السيد «عبد الفتاح السيسي» مؤخرًا ببعض تفاصيل ترشحه للانتخابات الرئاسية ٢٠١٤م في إحدى خطاباته؛ بمناسبة افتتاح أحد المشاريع السكنية للقوات المسلحة. اندهش البعض من مضمون ما قاله والذي يمثل اعترافًا بأن ترشيحه لمنصب رئيس الجمهورية ما هو إلا قرار للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وعليه فإن السيد عبد الفتاح السيسي ما هو إلا ممثل رسمي للقوات المسلحة في قصر الاتحادية.

في الواقع إن الجيش المصري وعلى مدار عقود كثيرة كان دائمًا متواجدًا بشكل ما على الساحة السياسية لمصر، فيما عدا فترات انقطاع بسيطة عقب توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل ١٩٧٩م؛ حيث انغمست القوات المسلحة لبضع سنوات في تمكين وتعضيد إمبراطوريتها الاقتصادية. 

لكي نفهم أبعاد تدخل الجيش المصري في مسألة الحكم في مصر وتوغله في اقتصادها، يجب أن نفكك العلاقة التشابكية بين الدولة والجيش وتحليل نشأتها، وأن نضع الجيش في السياق التاريخي والجغرافي للمنطقة المناسبة له.
 

بداية توغل القوات المسلحة في السلطة
 

القوات المسلحة المصرية هيكل معقد ومتداخل وجزء من النسيج الاجتماعي المصري، فهي بصورتها وهيكلتها وعقيدتها الحالية تعود إلى سنة ١٩٥٢م، وحيث أن أغلب جيوش المنطقة قد تشكلت وتكونت في فترات مقاومة الاحتلال الأجنبي في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.

 

وفي الحقيقة لا جذور للقوات المسلحة المصرية أبعد من سنة ١٩٥٢م، حيث أن الجيش المصري في سنوات الاحتلال الإنجليزي وما قبلها لم يكن ضمن قادته وجنرالاته مصريون، وخصوصًا بعد ما يسمى بثورة عرابي، حيث تم إبعاد المصريين عن مراكز اتخاذ القرار في القوات المسلحة عمدًا.

و لكي نكون أكثر دقة فإن التدخل الحقيقي للجيش في مقاليد السلطة حدث عند الإطاحة بالنظام الملكي واستيلاء الجيش على السلطة في ١٩٥٢م، لكن أثر هذا التدخل لم يظهر إلا بعد تولي جمال عبد الناصر منصب رئيس الجمهورية في استفتاء شعبي سنه ١٩٥٦م، حيث  كانت أغلب المناصب الوزارية يشغلها أعضاء مجلس قيادة الثورة.

اعتبر الجيش المصري نفسه آنذاك هو المحرك الحقيقي للثورة والجماهير وهو الذي يستطيع التخلص من قبضة الحاكم الأجنبي واستبداله فيما يتعلق بإدارة الدولة وثرواتها، و نصّبوا أنفسهم حراسًا للدولة وحماة لثرواتها والمحافظ على دستورها، وهو ما يتماشى مع نظرية الحداثة حيث تُعتبر الحكومات السلطوية العسكرية قادرة على سد فجوة التطور والتنمية في الدول التي كانت تحت الاحتلال، أو ما قد يطلق عليه البعض «المستبد العادل» وهي في حقيقة الأمر فكرة خاوية أثبت التاريخ فشلها، فلا مستبد عادل. 

استطاع جمال عبد الناصر أن يخلق شعبية كبيرة لنفسه وذلك بفضل شخصيته وحضوره بالإضافة إلى انحيازه لطبقات العمال والفلاحين. 
 

عبد الناصر والثورة من فوق
 

عبد الناصر كان لديه إيمان ضمني بإحدى نظريات المفكر الإيطالي «أنطونيو جرامشي»؛ وهي فكرة إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية عن طريق الثورة من فوق «revolution from above». 

تعتمد تلك النظرية بشكل أساسي على أن الدولة –ممثلة في نظامها السياسي- هي التي تقوم بإحداث تغييرات اجتماعية والتأسيس لنهضة صناعية كبيرة قادرة على خلق طبقة وسطى عريضة؛ عن طريق نقل شرائح مجتمعية كبيرة من الطبقات العاملة (البروليتاريا) بحيث تصبح برجوازية صغيرة تمتلك أدوات إنتاجها، وذلك بتمكينها اقتصاديًا بنقل حيازة الإقطاعيين إليهم. 

اكتسب عبد الناصر محبة الجماهير له بفضل سياسات التأميم التي طالت القطاعات الصناعية والتجارية في الخمسينات ونزعت ملكيتها من إقطاعيين –ليسوا من أصول مصرية بأي حال وتحصلوا عليها كهبات من الحاكم التركي– بالإضافة إلى السياسات الاشتراكية التي تبناها نظام عبد الناصر في ١٩٦١م والتي شملت قوانين الإصلاح الزراعي. 

كل الشركات التي تم تأميمها في عصر عبد الناصر تم تولية إداراتها إلى ضباط من القوات المسلحة
 

كيف تبني الدول الحديثة نفسها؟
 

الكثير من الدول الحديثة تم بناؤها عن طريق الحروب وعن طريق الجيش، حيث أن الأزمات العسكرية تجعل الدول خاضعة لضغوط لها علاقة بتوفير كل الإمكانيات المتاحة للجيش من أجل تحقيق نصر عسكري من دون اللجوء إلى أي دول أخرى؛ مما جعلهم ينتهجون نهجًا صناعيًا وإداريًا يهدف إلى تصنيع كل احتياجات الجيش العسكرية والمدنية، وكذلك توفير اكتفاء ذاتي فيما له علاقة بالمخزونات الإستراتيجية من أغذية وأدوية و ما إلى ذلك.

وبالطبع كان يتم إدارة هذه الأعمال عن طريق الجيش وأفراده المدنيين من أجل الحفاظ على السرية العسكرية في وقت الحروب. هذه السياسات الإنتاجية التي تم تبنيها في وقت الحروب أدت إلى تراكم خبرات إدارية وصناعية واقتصادية لدى العاملين بأجهزة الدولة؛ مما ساعد فيما بعد على رخاء هذه الدول اقتصاديًا، ولكن الفاصل هنا هو أن هذه الدول بعد انتهاء الحروب أبعدت الجيش عن كل ما له علاقة بالحياة المدنية وذلك متضمنًا السياسة والاقتصاد، كما حدث في الصين في ١٩٨٨م وفي كوريا الجنوبية وبعض دول أمريكا اللاتينية.

جمال عبد الناصر تبنى هذا النموذج على أن تكون القوات المسلحة المصرية هي قاطرة التنمية والتحديث في مصر. 

قد يكون ليس من العدل أن نعترف بأن جمال عبد الناصر قد أقام نهضة إنتاجية وتعليمية و فنية في مصر في الستينات، ففي تقرير البنك الدولي الاقتصادي عن مصر رقم ٨٧٠ و الصادر في عام ١٩٧٦م تم ذكر أن معدلات النمو في مصر من الفترة ١٩٥٧م وحتى ١٩٦٧م وصلت تقريبا ٧٪،‏ وتلك تعتبر نسبة مرتفعة جدًا حيت أن معدلات النمو في الدول النامية والمتقدمة في تلك الفترة لا تتجاوز ٢.٥٪.‏

فمعظم المصانع والشركات المملوكة للدول الآن تم إنشاؤها في عهد عبد الناصر؛ مثل مصنع غزل المحلة، ومجمع مصانع نجع حمادي للألمونيوم، والكثير من شركات الأدوية و المواد البتروكيماوية والصناعات الثقيلة. لكن الطريقة والأسلوب الذي تم إدارة البلاد به فيما بعد تسبب في خلق الكثير من المشاكل الإدارية والسياسية التي تراكمت عبر السنين، وقد تكون أبرز النتائج السلبية لتلك الفترة هي ظهور فكرة الحكم الشخصي ونظام الإدارة الأبوية واللتان مهدتا لسيطرة الجيش على الاقتصاد والسياسة فيما بعد، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في المقالات القادمة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان