رئيس التحرير: عادل صبري 08:51 مساءً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

السعودية 2030 ليست إيران 1963

السعودية 2030 ليست إيران 1963

مقالات مختارة

الرئيس الأمريكي «جون كيندي» في اجتماع مع الشاه الإيراني «محمد رضا بهلوي»

السعودية 2030 ليست إيران 1963

متابعات 29 سبتمبر 2016 09:39

بوصول العالم لنيويورك لحضور افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، يقتنص الوفد السعودي الفرصة للترويج للعاصمة السعودية الرياض كمركز دولي متعدد الثقافات.

يأتي هذا الترويج للرياض في الوقت الذي تبذل فيه المملكة جهودًا إصلاحية، ويتابع الملك سلمان هذه القائمة للإصلاح الاقتصادي (بشكل أدق، يتابعها محمد بن الملك سلمان). فولي ولي العهد أعطى بعض الوعود الجريئة بشأن مستقبل الاقتصاد السعودي، بما في ذلك تقليص النفقات العامة، بالإضافة لتسهيلات كبرى لرجال الأعمال الذين يتطلعون للاستثمار وفتح أسواق في السعودية.

 

وبالنظر لسجل المشاريع الإصلاحية الطويل في الشرق الأوسط الحديث، يصعب لوم المشاهدين على عدم قدرتهم على أخذ كلمة محمد بن سلمان على محمل الجد. فبينالمحاولات الخجولة التي أقدمت عليها الحكومة في الإصلاح والتدخل المفرط المزعوم من الدولة في الخطة، يرى من ينتقدون الأمر أن الـعائلة المالكة إما أنها تدفع نحو تغيير كبير بسرعة كبيرة أو لا تدفع نحو التغيير الكافي بالسرعة الكافية.

ومن المثير للاهتمام، أن بعض الخبراء في المنطقة قد أشاروا إلى التشابه بين هذا، وبين موجة التحديث (التي تبدو الآن فاشلة) التي أجرتها إيران في السبعينات، ما يعرف بـ «الثورة البيضاء» التي شرع فيها شاه إيران، الملك «محمد رضا بهلوي» من خلال برنامج إصلاحي تدعمه الولايات المتحدة، وهو الذي خسر الشاه بسببه العرش في النهاية.

ظاهريًا، فإن موجة تحديث إيران التي جرت في السبعينات وموجة المملكة العربية السعودية الحديثة كلتاهما تشرح نفسها. فمثلها مثل السعودية اليوم، حكمت أسرة الشاه محمد بهلوي إيران حكمًا ملكيًا وكانت على علاقة وثيقة (ولكن معقدة) بالولايات المتحدة. وبصراحة، فإن طهران والرياض مضتا قدمًا لتصبحا «حجري أساس» إستراتيجية نيكسون للإبقاء على السوفييت خارج المنطقة. وبحكم عملها كحصن ضد السوفييت، أغدقت الأنظمة الأمريكية من آيزنهاور فصاعدًا، بالمساعداتوالسلاح على الشاه.

من جانبه، استغل ملك إيران موقع بلاده كلاعب في الخطوط الأمامية للحرب الباردة، وارتفاع أسعار النفط، لاستخراجه بشروط سخية من شركائه الأمريكيين. التشابه السعودي يظهر هنا بوضوح، فعلى الرغم من تنامي الانتقادات، لا تزال المملكة حتى اليوم أهم شريك عسكري للولايات المتحدة والمملكة المتحدة في الخليج الفارسي، فقد أنفقت المملكة أكثر من 9 مليار دولار العام الماضي على أسلحة حرب اليمن، بالتعاون مع شركات الدفاع الأمريكية و«نُظم بي إيه إي»[1] البريطانية، متصدرين قائمة الموردين الرئيسيين للرياض.

وعلى الرغم من البعد الجيو-إستراتيجي، فإن ديناميات كلا برنامجي الإصلاح مختلفة في العمق. فثورة إيران البيضاء كانت نتيجة مباشرة لعلاقة الشاة المتشابكة مع الولايات المتحدة، كما أن إدارة كينيدي أحدثت ضجة حول الحاجة لإصلاحات ليبرالية لإرضاء الجماهير الساخطة، فما كان من الشاه إلا التقدم ببرنامج إصلاح سياسي واقتصادي رنان كالموسيقى في آذان صانعي القرار في واشنطن.

وقد تضمن البرنامج تحرير النساء، تفتيت الملكيات الإقطاعية الكبيرة ونقل ملكية الأراضي إلى الفلاحين. وقد كان ذاك كافيًا لإرضاء واشنطن، إلا أن سوء تنفيذ البرنامج أدى إلى تفاقم الأزمة. الأسوأ، منح الشاه بموجب مرسوم ملكي حق التصويت للمرأة ما أدى لتعبئة المعارضة ضده في الأوساط الدينية (التي قادها روح الله الخميني)، بينما في الوقت نفسه، أدت قوانين الإصلاح الزراعي لتهشيم القواعد الإقطاعية التي يقوم عليها النظام الإمبراطوري الإيراني.

 

لقد استوردت الثورة البيضاء القواعد والأساليب الغربية جملةً وتفصيلًا وطبقتها على بلد محافظة ومتدينة. وبعد خمسة عشر عامًا، تدفع الشكاوى الناتجة عن هذا البرنامج بآية الله الخميني لرأس السلطة.

وخلافًا لإيران، تأتي خطة الإصلاح السعودية دون ضغط من واشنطن أو لندن، بل من تقييم داخلي دقيق للوضع في المملكة في مرحلة ما بعد النفط في القرن الحادي والعشرين. فانخفاض أسعار الخام عالميًا يجعل من رؤية 2030 مزيجًا من البراجماتية الاقتصادية وحاجة ملحة للاستفادة من الكثافة السكانية الشبابية. وبقطع دعم الوقود والإعانات الأخرى التي ترعرع السعوديون على اعتبارها نصيبهم من ثروة البلاد، فإن النظام الملكي يعترف لرعاياه بأن زمن الوظائف الحكومية مدفوعة الأجر وعطايا الدولة السخية قد ولى.

الأهم من ذلك، أن المخططين الاقتصاديين السعوديين يعملون بنشاط على استبدال دولة الرفاه بأخرى تُسهل القيام بأعمال تجارية وتجذب الاستثمار في الصناعات غير النفطية المتراجعة في المملكة. وإذ تهيمن القضايا العسكرية وعائدات النفط على العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسعودية، فإن محمد بن سلمان ينفذ حصارًا ضاغطًا a full-court press [تعبير يستخدم في كرة السلة للتعبير عن حالة الدفاع الضاغط على طول الملعب – إضاءات] على شركائه ليروا السعودية كمركز تجاري على المدى الطويل.

فسفر الأمير للولايات المتحدة في وقتٍ سابق هذا العام، والترويج للرياض في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، واستخدام مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية لورقة البريكست للضغط في قضية التجارة الحرة مع المملكة المتحدة؛ كل هذه العلامات تتحدث عن تلك الخطة طويلة الأمد.

وبطبيعة الحال، فقد استغل محمد بن سلمان قمة مجموعة العشرين G20 في وقت سابق من هذا الشهر لإقناع الصين واليابان أن السعودية وجهة استثمارية. وفي حين كان الشاه يتهم بأنه رهن أمريكا، يحاول الحكام السعوديون أن يبرهنوا على أنهم لا يعتمدون على واشنطن.

الاختلاف الجوهري الآخر بين سبعينات إيران والسعودية المعاصرة، هو أن الشاه حين اتخذ قرار التغيير الاجتماعي اتخذه وحيدًا، فيما أن العائلة المالكة السعودية اتخذته استجابة لقوى اجتماعية قوية تطالب بمجتمع أكثر انفتاحًا منذ سنوات. فسبعون بالمائة من السكان تحت سن الثلاثين، والعديد منهم تلقى تعليمه خارج البلاد. كذلك، فإن المملكة تسجل واحدة من أعلى نسب العالم في تغلغل وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أن تويتر أصبح مكانًا لتجمع السعوديات للمطالبة بالمزيد من الاستقلالية ووضع حد لقوانين الوصاية التي تمنعهم من العمل، السفر، الحصول على خدمات صحية وغير ذلك من الخدمات التي لا تتم إلا في وجود أحد أفراد الأسرة الذكور.

تُظْهِر التجربة الإيرانية مدى صعوبة التغلب على مقاومة القواعد الدينية القوية. ومع ذلك، فالقيود التي فُرضت على صلاحيات الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، والإصرار على توظيف الإناث سيُحدث بعض الانفتاح الاجتماعي (إن لم يكن السياسي أيضًا) في نهاية الأمر. وبالنظر لمدى عمق التحفظ الديني في المملكة، فقد يكون التغيير التدريجي أفضل خشية حدوث انهيار.

في نهاية المطاف، تغيير النموذج الاقتصادي في المملكة العربية السعودية هو الطريق الوحيد للتأكد من أن البلاد ممكن أن تعيش المناخ الحيوي العالمي الجديد. وبالرغم من أن السعودية كانت محرك الثورات المضادة التي تلت الربيع العربي، إلا أنها ليست بمنأى عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي أفضت لثورتي مصر وتونس.

وفي تلك الحالات (يقصد مصر وتونس)، فقط أسقط الركود الاقتصادي تلك الأنظمة السياسية المتصلبة التي حكمت جيلًا أصغر سنًا ومتطورًا نسبيًا. فعلى العائلة المالكة السعودية أن توفر وظائف وتتيح الفرص للشباب. وعلى الرغم من أن منهج السعودية في ذلك قد يتشابه مع منهج إيران إبان الحرب الباردة ظاهريًا، إلا أن الرهانات والسياقات مختلفة جذريًا.

 

نقلا عن إضاءات

 

اقرأ أيضًا:

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان