رئيس التحرير: عادل صبري 03:30 صباحاً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

عواقب الانتقال من تلفزيون الواقع إلى عالم السياسة

عواقب الانتقال من تلفزيون الواقع إلى عالم السياسة

ألبيرتو بارّيرا تيسزكا 28 سبتمبر 2016 15:58

قبل بلوغه سدة الرئاسة في فنزويلا، يوم كان جندياً فحسب، درج هوغو تشافيز على تنظيم أنشطة ثقافية، وتحديداً مسابقات ملكات الجمال. وعلى خشبة المسرح والمذياع بيده، كان تشافيز مضيفاً يشعل حماسة الجمهور ويعلن الفائز أو الفائزة.

 

وسعى رجل الاستعراض الكامن فيه الى البروز من وراء البزة العسكرية. وقال تشافيز أنه حاكى طريقة تصرف المذيعين الذين رآهم على شاشة التلفزيون في المسابقات المرتجلة. فتعلم أصول استمالة الجماهير. وحين سعى الى بلوغ السلطة من طريق انقلاب عسكري في 1992، لم يفته موقف وسائل الإعلام منه وميلها اليه. فتحول إخفاقه العسكري الى نصر سياسي: وظهر تشافيز على كل القنوات التلفزيونية ودعا زملاءه الى رمي السلاح والاستسلام. ففاز بقلوب الجماهير. وكان ظهوره لدقيقة واحدة على الشاشات أكثر نجاعة من الدبابات والأسلحة الآلية والرصاص. فبدأ مسيرته السياسية. ولم يرتقِ الى سدة السلطة من طريق رفع لواء النضال الاجتماعي أو نزاع اجتماعي، بل صار رئيساً مباشرة من دون الارتقاء في سلم المهمات الرسمية أو المناصب التمثيلية التي تقتضي المساومة والمفاوضة. ومنذ انتخابه رئيساً للمرة الأولى، في 1998، الى فوزه بالرئاسة في 2012- قبيل وفاته في آذار (مارس) 2013- كان تشافيز خبيراً في توسل التلفزيون لغايات الحكم.

واليوم، في الولايات المتحدة يقدم دونالد ترامب (المرشح الجمهوري الى الرئاسة الأميركية) العَرض نفسه. وعلى رغم تباينات الرجلين الأيديولوجية، ترامب شعبوي يميني، وتشافيز كان رجل اليسار القوي، يجمع بينهما حضور تلفزيوني ملفت وجذاب يستميل الجماهير. وركن مسيرة الرجلين هو العروض المتلفزة. وكل نهار أحد، كان تشافيز يشارك في برنامج اسمه «ألو بريزيدانتي» فيغني ويتكلم عما يجرى من حوادث أو يعين وزيراً أو يقيل وزراء- وإقالة الوزراء على الهواء تعيد الى الأذهان أزمة ترامب التلفزيونية «يو آر فايرد» (أنت مطرود). وعلى خلاف البرامج التلفزيونية، لم يحدّ الوقت برنامج «ألو بريزيدانتي»، ودامت أطول حلقاته 8 ساعات و7 دقائق.

وكان في وسع تشافيز الظهور على الشاشة متى شاء وكان يلزم المحطات التلفزيونية في أنحاء البلاد بث كلمته. وفي 2012، مثل تشافيز أمام الشاشة 2377 مرة، وبلغ عدد ساعات «استعراضاته المرتجلة» 1642 ساعة. ويومياً، كان تشافيز الشخصية الرئيسية في بث تلفزيوني يدوم 54 دقيقة. ورمت اليوتوبيا الخاصة به الى تعزيز أسس الحوكمة التلفزيونية أو الحكومة التلفزيونية.

ولا تقوم قائمة لحملة ترامب من غير التلفزيون. فهو حاز تغطية تلفزيونية واسعة وجمع مئات الملايين من الدولارات. وساهم في «شعبيته» لعبه دور المضيف والحكم في برنامج تلفزيون الواقع «ذي أبرانتيس» (المتدرج أو المبتدئ)، وكان من يسلم الجائزة المالية للفائز. وارتبطت صورته بفكرة القدرة على حل المشكلات المالية حلاً يسيراً وسهلاً في ساعة من البث التلفزيوني. وحملته الانتخابية هي في مثابة برنامج تلفزيوني. فهو يرى أن الديموقراطية هي مسابقة تلفزيون الواقع.

وتشافيز وترامب هما وكلاء الإثارة التلفزيونية. فسردية كل منهما هي أقرب الى الخيال المرئي والمسموع منها الى النقاش السياسي. وخير دليل على ما أسوقه، زيارة ترامب الرئيس المكسيكي، انريكه بينيا نيتو. وأخرج ترامب صورته في مكسيكو على أنه ديبلوماسي ومهادن. ولكن بعد ساعات في فينيكس الأميركية، أعلن أن مكسيكو ستدفع كامل نفقات تشييد الجدار الحدودي، وشن حملة شعواء على المهاجرين. وتماسك صورته وثيق الصلة بمزاج الجمهور. فهو لا يقيم اعتباراً إلا للأثر العاطفي أو الانفعالي الذي تخلفه تصريحاته أو عروض في جمهور المستمعين ووسائل الإعلام. وحين يقدم بياناته الصحية يلجأ ترامب الى التلفزيون. وكأن لسان حاله هو القول: ما الداعي الى تقارير طبية إذا أعلن أمام الملأ في برنامج «دكتور أوز» أنه بدين؟ فالمشكلات على أنواعها تحل على التلفزيون.

وشأن ترامب، استخدم تشافيز الجدال على أنه طعم يستميل بواسطته الجماهير. فهو كان ينفخ في نزاع ويؤججه أو يبتكره لتشويق الجمهور. وأدرك قوة اللغة والخطابة. وفي 2011، قال:» أوباما، أنت مزيف... ولو كنت مرشحاً في الولايات المتحدة لمسحت بك الأرض». وهذه الكلمات هي من بنات عروض تلفزيون الواقع. وترامب يجيد التوسل بمثل هذه الألاعيب الكلامية. وقال عن الرئيس اوباما أنه «مؤسس داعش. هو المؤسس. هو أسس داعش». وهذه كلمات من غير سند، وهي نيران إعلامية فحسب. وسردية كل من ترامب وتشافيز متشابهة. فكلتاهما تندد بحاضر مجحف وتتكلم عن مجد سرقه الأعداء. ومثل هذا الكلام من بنات الخيال، ولكنه خطر. فهو يسبغ مشروعية على العنف. وفي خطابات تشافيز وترامب العنف هو أمثل الحلول وأنجعها. ودرج الأول على التلويح بتهديدات والقول أن ثورته «مسالمة ولكنها مسلحة». وجاذبية تشافيز أو ترامب هي عَرَض من أَعراض مجتمع كل منهما ومرآة الأحوال فيه. فالرئيس التشافيزي الراحل برز في بلد كان على يقين أنه ميسور وثري، على رغم أن الفقر يعمه. وترامب يتوجه الى أميركيين يعانون نتائج أزمة اقتصادية والعولمة، وهم يرون أن بلدهم يشوبه اللاتينيون الأميركيون والمسلمون. وأذاع كل من ترامب وتشافيز فكرة أن حل المشكلات الاجتماعية يسير. وشأن ما درج عليه الرئيس الفنزويلي الراحل، يشيع ترامب سراباً من الحلول السحرية، ويغلب كفة التلفزيون على كفة السياسة.

ونتائج الاقتراع لديماغوجي الميديا (غوغائي الوسائط الإعلامية) لا تخفى في إرث تشافيز: فاقت توقعات التضخم في 2016، 700 في المئة. واضطر حوالى مليوني فنزويلي الى الهجرة. والبلد على حافة أزمة إنسانية. والتصويت لتشافيز كان صنو التصويت لدمار فنزويلا. وشأن تشافيز، كان دونالد ترامب يقدم مسابقات الجمال. ومثله قد يفوز بفرصة تغيير وجه بلده. ولا شك في أن طابع السياسة الأميركية المعقد والمركب يعيق تغيير وجه الولايات المتحدة وتقويضه. ولكن حكاية تشافيز هي حكاية تحذيرية تدور على ضعف الناخبين أمام سحر حضور ترامب ووسائل الإعلام السائرة.

* كاتب سيناريو تلفزيوني، شارك في كتابة «هوغو تشافيز: سيرة الرئيس الفنزويلي المثير للجدل»، صاحب رواية «السقم»، عن

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان