رئيس التحرير: عادل صبري 07:57 صباحاً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

«الكومباونديون» و «العشوائيون»: حرب مصرية!

«الكومباونديون» و «العشوائيون»: حرب مصرية!

مقالات مختارة

ممدوح الشيخ

«الكومباونديون» و «العشوائيون»: حرب مصرية!

ممدوح الشيخ 28 سبتمبر 2016 15:43

في أي مجتمع، أياً كانت درجة تقدُّمه أو درجة بُعده عن التقدم، يكون هناك – غالباً – تفاوتٌ بين البشر، هو خليط من التنوع والتراتب. فالرموز التي تشكل المقومات الرئيسة للثقافة ومنظومة القيم تكون واحدة، ويشكل «التناغم المجتمعي» الأساس الأكثر رسوخاً للاجتماع السياسي. وبناءً على ما سبق، يكون بإمكان أي شخص (لديه قدر كافٍ من المعرفة والقدرة على التعبير) أن يكتب نصاً يعبّر بوضوح عن قيم مجتمعه، وطبعاً يكون بإمكان باحث أن يكتب ما يعبّر عن المعنى نفسه.

على سبيل المثل، يستخدم الأميركيون والأوروبيون تعابير مثل: «القيم الأميركية» أو «القيم الأوروبية»، بدرجة كافية من الوضوح عند القائل والسامع. وتحت سقف منظومة القيم، واسترشاداً بقواعد «التدافع السياسي» (الدستور – القانون – التقاليد) يكون هناك تنافس تسهم فيه اعتبارات متصلة بالهوية والمصالح والانحيازات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المختلفة. وعندما تغيب التنافسية السياسية وما ترتكز عليه من بنى سبقت الإشارة إليها، يحل الصراع محل التنافس، ومن الصعب الفصل هنا على وجه القطع، أيّ الظاهرتين سبب وأيهما نتيجة.

وتشهد مصر منذ عقود عدة مظاهر «علنية»، يمكن رصدها من دون عناء كبير، لحرب اجتماعية، أكبر حجماً وأكثر تأثيراً من جهات التصنيف المعتاد النظر من خلالها إلى مصر (بخاصة التباين الديني العلماني)، وأعني بذلك الصراع «شبه العلني» بين «الكومباونديين» و «العشوائيين»، وكلاهما ظاهرة بدت أكثر تبلوراً منذ السنوات الأخيرة من حكم مبارك.

وفي هذا السياق، يلاحظ أن جبهة الصراع المشار إليها صارت أكثر بروزاً، مع ما أصاب «الطبقة الوسطى» من شحوب وضمور. والصراع بدأ بفرزٍ صامت كانت ساحته «الكتلة العمرانية» للقاهرة التي بدأت تشهد تغيراً في نمط التوسع أخذ شكل المغايَرة لا المُماثَلة، إذ ظهرت تجمعات عمرانية جديدة حول القاهرة عُرفــَت بظاهرة «الكومباوندز»، مجتمعات الرفاهية والخصوصية، مقابل مجتمعات الزحام والفقر (المادي أو الأخلاقي أو كلاهما معاً). وشكَّلت سلسلة من الأدبيات (دراسات، أفلام، خطابات سياسية...)، موجة اكتراث إزاء «العشوائيين» تشابك فيها التعاطف والامتعاض والتحذير من المآلات، مقابل صورة نمطية لسكان التجمعات العمرانية الجديدة (الكومباوندز) بوصفهم، بالضرورة، مصاصي الدماء الجدد! وفي العمق، تمثل حرب الطرفين صراعاً صامتاً بين نمطي حياة لا تفاوتاً بين مستويات مادية تتيح للأعلى فيها (مجازاً) المزيد من الوسائل وممكنات الرفاهية أو الاستمتاع. وكما تتيح حياة «الكومباوند» وفرة، فإنها تتيح أفق فضاء تنضج فيه تقاليد حياة اجتماعية جديدة ستفضي، على الأرجح، إلى تمايز سياسي جديد. والتمايز بدأ يتكرس في أذواق الاستهلاك والفنون الأكثر جماهيرية، والميزان يميل إلى جانب «العشوائيين» لأسباب عدة، في مقدمها سلوكهم الإنجابي. وفي العشوائيات أيضاً هناك ثروات، لكنها ثروات تراكمت في محضن الزحام وأخلاقياته، وهي تتحرك في شكلٍ واعٍ تماماً لإعادة إنتاج القيم الريفية والعشائرية، وفيها تموت دولة القانون!

* كاتب مصري

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان