رئيس التحرير: عادل صبري 04:58 مساءً | السبت 22 سبتمبر 2018 م | 11 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

الثورة السورية بعيون نساء من الداخل

الثورة السورية بعيون نساء من الداخل

مقالات مختارة

كتاب جولان حاجي «إلى أن قامت الحرب - نساء في الثورة السورية»

الثورة السورية بعيون نساء من الداخل

نازك سابا يارد 29 أغسطس 2016 12:02

كتاب فريد هو كتاب جولان حاجي «إلى أن قامت الحرب - نساء في الثورة السورية» (دار رياض الريس)، ليس لأن موضوعه هو النساء في الثورة السورية، وإنما لأن الكاتب ينظر إلى الأحداث ويقيّمها بعيون النساء، من خلال تجاربهن، مآسيهن، مفاهيمهن، آمالهن، إحباطاتهن، وشجاعتهن التي كثيراً ما قادتهن إلى معتقلات النظام والسجن والموت.

 

يمهّد الكاتب بمقدمة ومدخل حملا توقيع منظمة «استيقظت» لينتقل بعدهما إلى المقابلات التي أجريت مع ستين امرأة لا يذكر أسماءهن الحقيقية، ولكنهن من مختلف المناطق السورية، كداريا والزواني ودوما وحرستا وغيرها. والمقابَلات تظهر الفرق بين المدينيات والقرويات: فالأوليات يعطين آراء قطعية متوهّمات أن آراءهن تغطي البلاد بكاملها، ويعلّل ذلك بأن القيود على تنقلاتهن الجغرافية أقل من تانك التي تواجه الريفيات. وهن نقيض الريفيات اللواتي لا تحيّز دينياً لديهن ولا أيديولوجيا ولا ثقافة، فهؤلاء أكدن أن النظام لن يتوقّف عن القتل، وأن لا مفرّ من عسكرة الثورة «وإلا فقد نذبح جميعاً»، على حد قول إحداهن (ص17). وفئة ثالثة من النساء المحاورات لم يكنّ من دمشق وريفها، بينهن علمانيات ومحافظات وناشطات سياسياً، أكدن ضرورة الالتحاق بالثورة للتخلص من القمع الوحشي والتعذيب. وتنتهي المقابلات بصوتين لامرأتين في المنفى واحدة برجوازية توضح دور طبقتها في سورية والمعارضة السياسية وأسباب فشلها؛ والمرأة الثانية كردية تظهر الوضع المزري اللاحق بأكراد سورية المحرومين من ممارسة لغتهم وحتى من استخدام أسمائهم، وتعتزّ بالنساء الكرديات اللواتي حملن السلاح وحاربن في سبيل حقوق شعبهن.

بيّنت المتحاورات أن ثورة تونس ثم مصر حمّستا السوريين على الثورة على الظلم والبطش والعنف اللاحق بهم. كما أوضحن أن أعداد النساء اللواتي انضممن إلى المتظاهرين كانت قليلة في أول الأمر، إلا أن أعداداً متزايدة منهن وحتى من الأطفال ما لبثت أن انضمت إلى الرجال مع أن بعضهم استنكر وجود النساء بينهم. وعلى الرغم من أن المسيحيات لم يشاركن في أول الأمر، إلا أنهنّ كنّ يطبخن للمتظاهرين ويطبّبنهم ويخبّئنهم في بيوتهن، والكنيسة في داريا أصبحت مستشفى ميدانياً. ثم انضمت المسيحيات بدورهن بأعداد كبيرة إلى الثورة. مزّق المتظاهرون صور الأسد وحطّموا تماثيله، أصدرت النساء صحفاً ثورية، صممن الشعارات والملصقات، ورسمن صوراً كاريكاتورية وزّعنها ليلاً مع الصحف على البيوت والمحلات المغلقة؛ وحين شحّ المصل والأدوية والدم وغيرها، عملت النساء على تأمينها. حتى النساء اللواتي فقدن أبناءهن أظهرن شجاعة نادرة. أما البنات المناضلات فكان أكثر ما خوّفهن هو الاعتقال والتعذيب واغتصابهن. وأبدين نقمتهن على العلويين الذين كانوا في الحكم والسبب في هذه المآسي كلها.

وطبيعي أن تصف النساء تغلغل المخبرين بينهن، وهجوم الشبيحة ورجال أمن النظام عليهن بالقنابل المسيلة للدموع، في أول الأمر، ثم بالرصاص الحي. حتى الذين كانوا يشيّعون جنازات الشهداء لم يوفّرهم رصاص النظام ليقتل أعداداً منهم. قطع النظام الماء والكهرباء وخطوط الهاتف والانــترنت، حـــوصـــرت المدن، واشتدّ قصفها، وخوف الجوع والموت دفع السكان إلى الرحيل. ولسوء الحظ، استغلّهم أصحاب البيوت والشقق في دمشق وغيرها فرفعوا أجور المنازل.

وليس هذا هو النقد الوحيد الذي توجهه هؤلاء النساء. فإحداهن تنتقد لؤم بعض المعارضين الذين احتكروا السياسة، وحمقهم، «فهذه التجمعات السياسية المعارضة أثبتت مراراً خيبة أملنا» (ص92). وعليه لا يخفين ألمهن لما نتج من ذلك من بطالة وفقر ونزوح. وإحداهن تبدي نقمتها على رجال المعارضة الذين غادروا سورية وعاشوا في فنادق فخمة، تذكر منهم ميشال كيلو، جورج صبرا وهيثم مناع (ص127). وترى إحداهن أن الثورة المسلّحة التي قامت ضد النظام أخفقت لأن النظام كان أقوى. وتوصّلت في النهاية إلى أن المحادثات السلمية بين الأطراف هي الطريق الوحيد إلى إنهاء المجازر في سورية.

ولكن على الرغم من ألمهن لإخفاق الثورة، بيّنّ أنها أحدثت تغييراً، ولو نسبياً، في المجتمع السوري: أدت الثورة إلى وعي النساء حقيقة أنفسهن، وبعد أن انخرطن في الثورة وأدركن أنهن تغيرن. فبدأن يتعطشن إلى التحرّر وأدركن أن الحرية هي حرية التفكير ومواجهة المعتقدات الراسخة، وأخذن يسائلن القيم والأعراف ويشككن فيها. وهنا لاحظ الكاتب أن الريفيات اللواتي حاورهن كنّ أكثر استقلالية في موقفهن من القيم والتقاليد، ويعلّل ذلك بأن اللواتي خرجن للتظاهر «تخطين الحدود التي كانت مرسومة للجندر... وخرجت بذلك عن سلّم القيم المهيمنة وسكون الأعراف الاجتماعية وسطوتها» (ص25). وبصرف النظر عن الفوارق بين مواقف النساء من المساواة بين الجنسين، لاحظ الكاتب أن معظم اللواتي حاورهن التفتن خلال الثورة كل إلى هويتها كامرأة ومعنى تلك الهوية» (ص29). كذلك تحررن من عزلتهن التي اتخذت مظاهر مختلفة: من عزلة تجاهل المجتمع لهن، ثم بعد الثورة عزلة النساء اللواتي اعتقلن وسجنّ، حتى أسرهن تنكرت لهن أحياناً، ونسيهن الآخرون وهن في عزلة زنزاناتهن، ثم عزلة اللواتي اضطررن إلى مغادرة الوطن.

بعد المقابلات، يصف الكاتب في عدد من الفصول ألوان التعذيب والإذلال التي تعرّضت لها النساء السجينات ضحيات النظام، وفيهن المحامية والأستاذة والمرأة الحامل والطالبة الجامعية. ويستمرّ خوفهن من النظام ومن ملاحقته وتعذيبه حتى بعد خروجهن من السجن. ولكن بينهن أيضاً السافلة التي كانت تشي بالناس ليسوقهم النظام إلى السجن والقتل.

في خضم هذه الأحداث المأسوية لا نستغرب أن نسمع النساء، ومعهن الكاتب، ينتقدون الرجال الذين كانوا سببها. نلمس موقف الكاتب النسوي حين يظهر الفرق في موقف المجتمع من البنات والصبيان، ويهاجم ظلم الرجال واحتقارهم النساء وإذلالهن، حتى اللواتي كنّ رفاقهم في التظاهرات. قاوموا اشتراك النساء في التظاهرات مدعين الحفاظ على شرفهن، رضخت كبيرات السن، أما الشابات فرفضن الطاعة المفروضة عليهن. فالكاتب يؤكد أن الرجال يسيطرون في غالب الأحيان، ويفرضون الضوابط والقيود على النساء. وإذا نجحت زوجة أحدهم في مهنتها تنتابه الغيرة منها. فهو يرى أن النساء معلقات بين ثالوث، أذرعته: العيب والممنوع والحرام (ص30). رجال النخبة خافوا أن تؤدي الثورة إلى انهيار النظام القمعي الذي يعرفونه، أما النساء البرجوازيات فأيدنها، لأنها قد تؤدي إلى تغيير يعود عليهن بمنفعة. إلا أن امرأة برجوازية في المنفى بينت بصدق أن طبقتها هادنت النظام، وإن لم تؤيده، لأن مصالحها المادية اقتضت ذلك.

ولكن، على الرغم من دفاع الكاتب عن المرأة، نجد موضوعيته حين يبين أن كثيراً من النساء متفقات مع السياسة البطريركية التي تبعد النساء، إذ يرين أن القضايا الهامة لا تناسب دور المرأة (ص31)، وأن النساء أنفسهن يسهمن في إبقائهن خاضعات وفي الانتقاص منهن حين يتمسكن «بطهارتهن» التي هي أشدّ الروادع الأخلاقية في المجتمع.

ومن المضحك المبكي بهذا الصدد، يورد قصة القبض على فتاة توزّع مناشير الثورة. وحين فتح رجال الأمن حقيبتها وجدوا فيها واقياً ذكرياً. فسجنت، لا بسبب المناشير، وإنما بسبب اكتشاف هذه «القنبلة» التي يعتبر القانون السوري نفسه أن حيازتها جنحة (ص153).

وفي الختام، يؤكد الكاتب أن الثورة لم تنجح بسبب عنف النظام، لا لأن الكثير من الرجال والعادات والتقاليد كانت ضد مشاركة النساء فيها. ولكن على الرغم من ذلك، فإن توثيق مشاركة المرأة في الثورة أضاء الحاجة الماسة إلى التفكير في الصمت واللامبالاة والشك تجاه النساء واستبعادهن وإسكاتهن (ص38).

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان