رئيس التحرير: عادل صبري 02:10 صباحاً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

الدرس التونسي: الزعامة عندما تخنق المؤسسات

الدرس التونسي: الزعامة عندما تخنق المؤسسات

مقالات مختارة

الباجي قائد السبسي

الدرس التونسي: الزعامة عندما تخنق المؤسسات

محمد الحدّاد 10 يوليو 2016 14:34

قام الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي بمجازفة خطرة عندما أعلن مع بداية شهر رمضان نيته استبدال الحكومة الحالية بحكومة وحدة وطنية. ومع أنّ دستور الجمهورية الثانية لا يمنع الرئيس من القيام بهكذا مبادرة، فإن روحه تتمثل في جعل الحكومة مسؤولة أمام البرلمان لا أمام الرئيس. لذلك كانت المبادرة تحمل في طياتها أخطار خرق هيبة الدولة ونظامها الدستوري.

وهي إذا طالت وفتحت مجالاً واسعاً للجــــدل، فإنها تزيد الوضع السياســـي إرباكاً بـدل المساعدة علـــى حسن تسيير الشـــأن العام وتزيد الحكومة إضـــعافاً وهي الضعيــفة أصـلاً، لا سيما وقد اختار الرئيــس الإعلان عن مبادرته عبر الإعلام وقبل مشاورة المعنيين بالمبادرة، وأولهم رئيس الحكومة الحالي.
 

كان المقترح في البداية إشراك المنظمة العمالية في الحكم، لذلك يمكن القول أن المبادرة فشلت منذ البداية بإعلان النقابة العمالية رفضها لهذا العرض. وإذا بها تتحوّل إلى مسابقة بين الأحزاب لدخول الحكومة، مع الوعد بحسم الموضوع في أيام معدودة، ثم الوعد بحسمه قبل نهاية رمضان. فتحولت المسألة إلى محاصصات حزبية معقدة وانتهى شهر رمضان من دون نتيجة حاسمة.
 

وإذا كانت الحكومة السابقة التي تؤلف بين أربعة أحزاب وتقودها شخصية مستقلة، قد فشلت في توفير الانسجام والرؤية المشتركة بين أعضائها، فكيف سيكون الوضع مع حكومة مؤلفة من تسعة أحزاب أو أكثر من اليمين إلى اليسار، ومتباينة الرؤى والأهداف؟ وما الفائدة أصلاً من تكثير عدد الأحزاب في الحكومة وهي كلها تقف على المسافة نفسها من العجز أمام واقع اقتصادي معقد ووضع اجتماعي ساخن؟
 

المسألة تتجاوز الحسابات السياسوية لهذا الطرف أو ذاك، وتتجاوز الواقع التونسي ذاته لتطرح سؤالاً أخطر: متى يقتنع العقل السياسي العربي بأنّ الحكم ليس غنيمة، وأنّ الدولة مؤسسات وليست زعامات، وأن المراهنة على المؤسسات أولى من المراهنة على عبقرية الحاكم التي تحضر مرة وتغيب مرات؟
 

تمثل الأحزاب عماد كل تجربة سياسية ديموقراطية، شرط أن نفهم الحزب بالمعنى الحديث، بما هو تجمع سياسي يقوم على رؤى وبرامج ويعمل داخلياً في إطار ديموقراطي كي يكون مستعدّاً للتسيير الديموقراطي عندما يصل إلى الحكم. لكنّ الأحزاب في العالم العربي إما تجمعات أيديولوجية، أو تجمعات قبلية وطائفية تستعمل تسمية حزب من دون مضمون، أو زعامات تجمع حولها أتباعاً طيعين وتتصرف تصرفاً مطلقاً، يضاف إلى ذلك صنف ظهر مؤخراً وهو «أحزاب السمسرة» التي تستفيد من صراعات الأطراف الكبرى للحصول على بعض المكاسب المادية.
 

والأحزاب بالمعنى الحديث تضمّ كفاءات قادرة على الفهم والتسيير ومناضلين قادرين على العراك والخصام. ولما كانت درجة العنف السياسي متضخمة في مجتمعاتنا، فإنّ السيطرة المطلقة في الأحزاب تؤول إلى الصنف الثاني. لذلك تفشل الأحزاب عندما تصل إلى السلطة لأنّ حسن تسيير مصالح الدولة لا يحصل بالعراك والخصام، ولا حتى بالشجاعة والجرأة. فالكفاءات تنأى بنفسها عن العمل الحزبي أو تمثّل في الأحزاب تمثيلاً باهتاً، فتصبح الحياة السياسية عبارة عن حملات انتخابية بلا نهاية ولا تفيد المواطن بشيء.
 

ولما كانت الأحزاب بهذا المعنى الحديث عماد الممارسة الديموقراطية، فغيابها أو ضعفها الهيكلي يحكم حتماً بالفشل على بقية المؤسسات السياسية، من برلمان وحكومة وهيئات متنوعة، فلا تعمل بطريقة مجدية، وتهوي في منطق المحاصصة والغنيمة، وتتحوّل بدورها إلى حلبات صراع وعراك لا نفع لها في تلبية حاجات المواطنين وتسيير الشأن العام.
 

وإذا ما غابت المؤسسات، تضخم دور الزعامات بديلاً لمواجهة الأخطار. ومن هذا المنطلق، وإذا غلّبنا حسن النية في مبادرة الرئيس التونسي قايد السبسي، قلنا إنها محاولة لمعالجة اختلال سياسي واضح نتج من أزمة الحزب الحاكم التي اندلعت منذ حصوله على الغالبية في الانتخابات الأخيرة سنة 2014، ولم تزد بعد ذلك إلا استفحالاً، وأصبحت أزمة الحكومة ذاتها.
 

ولقد كانت زعامة قايد السبسي، السياسي المخضرم، وهي زعامة تقتبس مشروعيتها من رفقته التاريخية للحبيب بورقيبة أثناء معركة الاستقلال ثم مراحل بناء الدولة الوطنية، قد اضطلعت بدور إيجابي مرتين بعد الثورة، أولاهما عندما رأس الحكومة الموقتة بعد الثورة لتنظيم انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011، وثانيتهما عندما تدخل لتعديل المشهد السياسي بعد تغوّل حزب «النهضة» وانتشار الإرهاب والاغتيالات السياسية سنة 2013.
 

وكان من المفترض أن تقف الزعامة في حدود المرحلة الانتقالية، وأن يدخل البلد عهد حكم المؤسسات بعد صياغة الدستور الجديد وإعلان الجمهورية الثانية. ولئن لم يتحقق الأمل بسبب ضعف الأحزاب، فإنّ الزعامة أثبتت أيضاً محدوديتها وعجزها عن أن تكون دائماً المخرج والمنقذ. هذا إذا أحسنّا النية في التحليل ولم نصدّق المؤشرات العديدة التي توحي بأن المبادرة ذاتها كانت امتداداً لأزمة الحزب الحاكم الذي أسسه الرئيس قبل أن يتخلى عن رئاسته، لأن الدستور يفرض عليه الحياد. فأزمة هذا الحزب الذي تصدّع منذ فوزه بالغالبية في الانتخابات، انتقلت لتصبح أزمة الحكومة ثم قد تكون انتقلت أخيراً لتصبح أزمة الدولة ممثلة برئيسها.
 

مهما يكن الأمر، فإنّ التجربة الديموقراطية الحقيقية هي التي تقوم على مؤسسات لا على زعامات، والأفضل المراهنة على المؤسسات إلى أن يستقيم عودها بدل المراهنة على الحلّ السهل، أي الزعامات التي تخنق المؤسسات وهي تظنّ أنها تحسن صنعاً.
 

إن الأزمة السياسية الحادة التي تعيشها تونس حالياً، تقدّم درساً جديداً بهذا الاتجاه، لكنه لن يكون بالتأكيد الدرس الأخير. فثنائية الغنيمة والزعامة ما زالت متأصلة في الوعي السياسي العربي مهما كانت القيمة النظرية للدساتير والتشريعات التي تصاغ هنا وهناك، وقد تحترم شكلاً لكن يضيع منها اللب والفلسفة التي ارتكزت عليها، فلسفة الحداثة السياسية.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان