رئيس التحرير: عادل صبري 12:31 مساءً | الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م | 09 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

استفتاءات وهوية وإعلانات استقلال

استفتاءات وهوية وإعلانات استقلال

مقالات مختارة

استفتاء استقلال بريطانيا

استفتاءات وهوية وإعلانات استقلال

روجر أوين 10 يوليو 2016 14:20

عندما استمعت إلى بيان عمدة لندن السابق بوريس جونسون عن استعادة بريطانيا استقلالها إثر التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، تذكّرت نقاط التشابه الملفتة مع الإعلان الأميركي للاستقلال الذي حصل في الرابع من تموز (يوليو) في العام 1775، أي منذ 240 سنة. والحال أن كلاهما اتسم بشيء من التظاهر بالظلم المصطنع الذي من شأنه تبرير عمل لم يكن موافقاً عليه سوى من قلة قليلة من الشعب، وهو عمل تبيّن أن عدداً كبيراً ممن صوتوا للاستقلال عن أوروبا ندموا عليه على الفور. وكلاهما انطوى على مخاوف من حدوث أعمال عنف محلية، كما أنه كان من الممكن تفادي كليهما نتيجة تسوية لو أن المسؤولين أبدوا استعداداً لبذل الجهد المطلوب.  

وبالأهمية ذاتها، مثل هذا الفصل مع الماضي ينطوي على حس وجودي بالاستيقاظ المفاجئ في عالم مختلف تماماً. صحيح، ثمة أصوات كثيرة تدعي أن الواقع ليس مختلفاً فعلياً، وأنه إذا التزم الجميع الهدوء، سيجدون أن الأمور ستسير على النحو ذاته تقريباً. ولكن بالنسبة إلي، أنا اللندني الذي أعيش في أميركا، بعيداً من بلدي الأم بريطانيا، لا أرى أن الأمور ستسير على النحو، فالتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي يبدو لي تصويتاً للانعزال عن بقية العالم والروابط الدولية على غرار سهولة التنقل وسهولة التواصل، والأهم، الحس بالانتماء إلى ما هو أبعد من الوطن. والحال هو نفسه بالنسبة إلى العديد من أصدقائي وغالبية طلابي العرب.
 

وأيضاً، ثمة مسألة الهوية الشخصية، لا سيما إذا كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى انفصال المملكة المتحدة عن بعضها بعضاً. فبالنسبة إلى غالبية الأميركيين أنا أعرف بالـ «بريطاني»، ليس لأنه تعريف يسعدني بل لأنه يعكس كيف أتكلم وأشعر وأفكر. ولكن، في حال انقسمت المملكة المتحدة، أعتقد بأنني سأصبح «انكليزياً» وهي فئة لم أشعر يوماً بالانتماء إليها بسبب جذوري التي تعود الى مقاطعة ويلز، ولست متأكداً مما تحمله هذه الكلمة من معانٍ هنا في أميركا، إذ إن إعلان الاستقلال كان موجهاً ضدّ استبداد من أطلقوا عليه اسم «ملك بريطانيا العظمى».
 

وفي هذه الغضون، وكما هو الحال بالنسبة إلى كل المسائل الدولية المهمة، أصبحت مسائل الهوية والاستقلال مسائل يتم التداول بها مع الأصحاب والأقارب العالقين في الظروف ذاتها.  
 

ما الذي سنفعله بمقامنا الجديد في عالم الدول والأوطان؟ هل يكفي أن نلجأ إلى هويّة عالميّة أوسع نطاقاً، كهويّة «المواطن العالمي» مثلاً؟ وماذا عن كل المسائل الأخرى التي يثيرها خروج المملكة المتّحدة من الاتحاد الأوروبي، وهي مسائل على صلة بالسيادة، وبرضا المحكومين، وباللجوء إلى الاستفتاءات البسيطة، حيث تَتّخذ الأكثرية قرارات لحلّ المسائل المعقّدة. صحيح أنّ بريطانيا سبق أن شهدت استفتاء، صوّتتُ فيه لمصلحة استمرار عضوية البلاد في أوروبا في العام 1975. لكن هل كان يجدر بالتصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي أن يكون هو التالي بهذه البساطة؟ لا سيّما إن أخذنا بالحسبان مسائل كالتسجيل وانخفاض عدد المصوّتين في بعض المناطق.
 

ثمّة مسائل أخرى مثيرة للاهتمام، على صلة بافتقاد بريطانيا دستوراً، وبالمكان الذي توجد فيه السيادة كخيار أخير. فهل تكون في عهدة الملكة؟ في عهدة الملكة داخل البرلمان؟ أو ربّما بين أيدي الشعب رهناً بالتعريف المعطى لهذه السيادة؟ بالطبع، ليست المسألة كذلك في الولايات المتّحدة، حيث اعتُبر تعديل الدستور مسألة بالغة التعقيد، تتطلّب موافقة غالبيّة الثلثين في مجلسي الكونغرس، وهي عمليّة لم يباشَر بها سوى خمس مرّات منذ العام 1950.
 

على خلفيّة ما سبق، وحتّى أربعين عاماً من الآن، لم يكن البريطانيون عموماً يثقون بالاستفتاءات، باعتبارها أحداثاً غريبة نسبيّاً عن تقاليدهم، تتسبّب بانقسامات، وتشجّع من هم أعلى صوتاً على التصرّف في كل الأمور، محبطةً أيّ احتمال بالتوصّل إلى مساومة أو تنازل. بيد أنّ الفترة اللاحقة شهدت سلسلة من أحد عشر استفتاء، وكانت كلها، باستثناء استفتاء واحد، تتناول المقام المستقبلي لإرلندا الشماليّة، وإسكتلندا، وويلز، متحوّلةً بالتالي إلى جزءٍ من الحياة اليوميّة بنظر الجميع مؤخراً، شأنها شأن الرحلة إلى صندوق الاقتراع القريب، إمّا في الانتخابات العامّة، أو خلال الانتخابات الفرعيّة التي تُجرى محلّياً.
 

في القرن الحادي والعشرين، لعلّ أكثر الاستنتاجات حكمة في عالمنا هو أنّ علينا الاعتياد على وجود توتّر بين ثلاثة أطراف هي: دولتنا القوميّة، والدول المجاورة لنا على القارّة، والكرة الأرضيّة على نطاق أوسع، وتخضع كلّها لحكم هيئات ومجالس مدعومة من أنظمة بيروقراطيّة متخصّصة خاصّة بها. لكنّ الكلام طبعاً أسهل من الفعل، ما يجعل الفوضى والارتباك وتهديدات الخروج من الأمور المحتّمة مستقبلاً.
 

لا ريب إذا فكّرنا في مواطن الضعف المتجلّية في جامعة الدول العربيّة الراهنة، أو على نطاق أوسع، في مواطن ضعف الأمم المتّحدة المزدوجة التركيبة في نيويورك، والخاضعة لهيمنة الولايات المتّحدة، ولقرارات الفيتو الصادرة عن قلّة قليلة من القوى النافذة التي تتمتّع بمقاعد دائمة في مجلس الأمن. ولعلّ الأهم هو أن نفكّر في الدور غير الرسمي الموكَل إلى الولايات المتّحدة، كضامنة لحرّية البحار، ومؤدّية لدور الشرطي العالمي المتعدّد المهمات، ونتجاهل بالتالي مطالبات بالسيادة قد تصدر عن دول كالصين أو سورية.
 

من هنا صعوبة الخيارات المترتّبة على جميع الأفراد، ومجموعات الأشخاص، والسياسيّين، في شأن البقاء داخل الاتحاد، أو الخروج منه، أو الوقوف في الوسط بين الإثنين.
 

* أكاديمي بريطاني - جامعة هارفارد

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان