رئيس التحرير: عادل صبري 02:53 مساءً | الأحد 21 أكتوبر 2018 م | 10 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

إشكالية التراث - الحداثة في الفكر العربي المعاصر

إشكالية التراث - الحداثة في الفكر العربي المعاصر

مقالات مختارة

مصطفى ناصر

إشكالية التراث - الحداثة في الفكر العربي المعاصر

مصطفى ناصر 11 يونيو 2016 15:12

عن مؤسسة «مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث» - الرباط، صدر كتاب «إشكالية التراث والحداثة في الفكر العربي المعاصر - مقدمة نظرية في قراءة المعرفة السوسيولوجية الآتية إلينا من بلدان العلم في الغرب» للمفكر العراقي الشاب محمَّد حسين الرفاعي. وهو الكتاب الأول، لا في موضوعه(كونه مستهلكاً في شكل كبير)، بل في منهجه، ومنطق فهمه، وتوجُّهه، وحقل الفهم الذي يقدمه في شأن الإشكالية.

انطلق المؤلِّف، صاحب المشروع الفكري: استنهاض تساؤل العلم بالإنسان، والمجتمع في بلداننا العربية، من إشكالية نوقشت في الكثير من الأبحاث في اللغة العربية. ولكنه، يقدم وعياً بالإشكالية جديداً من نوعه، ولربما يكون هو الوعي الذي من بعده يبدأ الوعي العلمي بالموضوعات العلمية في بلداننا العربية.

يقع الكتاب كله في لحظة المقدمة، ولا يغادرها، وهو بحث قائم فوق البحث. وهذا يشير إلى أنه يقع فوق حقل الصراع الفكري في الإشكالية، من جهة أولى، وفوق النظرة الشائعة للأبحاث الأكاديمية، والعلمية، من جهة ثانية، وفوق كيفية قيام البحث العلمي، والأكاديمي، من جهة ثالثة. فهو لا يقع ضمن الإضافة المعرفية، بقدر ما يقع ضمن كيفية الإضافة المعرفية.

ماذا يعني ذلك؟ يجيب الباحث عن هذا التساؤل: «منذ البدء يعلن البحث عن [وقوع- البحث- في- الخارج]: خارج الحقل المعرفي الخاص بالمفكرين العرب والباحثين والعلماء والأساتذة والطلاب؛ ومن خلال وقوعه في ذاك الـ [هناك]، الذي لا ترسم حدوده المعرفية إلا تساؤلات علمية، من جهة، والحركة في حقل العلم، من جهة أخرى، التي لا تنفك عن تجديد المضامين النظرية للتساؤلات العلمية، يعلن وعيه للموقع الإبستيمولوجي الذي من شأنه؛ والوقوع في الخارج يتضمن معنى النظر من الخارج إلى الداخل؛ وليس البقاء في الخارج، بل الحركة والتنقل، ذهاباً وإياباً، من الفكر إلى وعي الفكر وتقديم فهم به».

وفي انطلاق تقديمه للإشكالية والتساؤل عنها؛ يجيب: «هذه الإشكالية المهمة- والمعقدة تخضع هنا، لأول مرة في الكتابة باللغة العربية، للفحص الإبستيمولوجي... التعقيد فيها يتطلب ألا نوحي بالبساطة، أو أن نسأل ونناقش بسطحية عنه، حينما يكون الأمر هو بذاته معقداً، وبالتالي يتطلب التعرف إليه بالتعقيد ذاته الذي من شأنه؛.. لأول مرة تخضع في الكتابة باللغة العربية للفحص الإبستيمولوجي، وذلك لأن كل التناولات للإشكالية في الفكر العربي المعاصر، تناولتها وتتناولها: 1- إما في حقل الفكر، 2- إما في حقل الآيديولوجيا، 3- إما في حقل العلم... وكل الدعوات المتعلقة بالدراسة الإبستيمولوجية عن الإشكالية، بقيت مجرَّد دعوات؛ نجدها عند زكي نجيب محمود، في مؤلفه «تجديد الفكر العربي»، وعند فؤاد زكريا، في مؤلفه «الصحوة الإسلامية في ميزان العقل»، وعند أدونيس، في مؤلفه «الثابت والمتحول»، وعند صادق جلال العظم، في مؤلفه «نقد الفكر الديني»، وعند محمد عابد الجابري، في مؤلفيه «نحن والتراث»، و «التراث والحداثة»، وعند محمد آركون، في مؤلفه «الفكر الإسلامي: قراءة علمية»، وعند جورج طرابيشي، في مؤلفه «هرطقات»... هذه هي الكتب التي وعت ضرورة الوعي الإبستيمولوجي للإشكالية؛ بيد أنها، كلها، من دون استثناء، بقيت دعوات إلى ممارسة إبستيمولوجية حول إشكالية التراث - والحداثة، ولم تبلغ، بعد، مستوى الممارسة الإبستيمولوجية بالفعل»: (الكتاب، مقدمة للمقدمة).

يقع الكتاب في حقل فهم يقع فوق الصراع المعرفي: «... فإن الممارسة الإبستيمولوجية، هنا، لا بد من أن تؤدي إلى إحداث أزمة علمية (Scientific Crisis) في الوعي العربي المتعلق بفهم العلم، وبتناول العلم، وبممارسة العلم... نقول: أزمة علميّة، لأن البحث يقع خارج العلم السائد والشائع في بلداننا؛ فإذاً كيف يُحْدِث أزمة؟ من خلال حقل الفهم المختلف الذي يقدمه؛ والمنحى المختلف في رؤية إشكالية التراث-والحداثة، واللغة المختلفة في التعبير عن الأشياء العلمية Scientific Things»: (الكتاب، مقدمة للمقدمة).

وينقسم إلى قسمين؛ كل قسم يتضمن محطة من المحطات التي يتوقف عندها البحث، أيُّ بحث، ضمن التفكير الذاهب، أولاً، وفوق كل شيء، إلى بناء فهم، وإعادة بناء الفهم، في شأن التساؤلات المطروحة في الفكر العربي. إنه والحال هذه، ينقسم إلى: القسم الأول: فكرة البحث، ومضمون الفكرة النظري، والقسم الثاني: معاينة فكرة البحث، والذهاب إلى المعايَن.

وكل قسم يتضمن فصلين؛ وفقاً لما يقوله موضوع البحث. ولكن، ماذا يقول موضوع البحث؟ «نطلق تسمية «إشكالية الإشكاليات» على إشكالية التراث - والحداثة. وذلك نابع من رؤية ومنطلق ومنحى في رؤية الحركة في عالم الفكر والعلم في بلداننا العربية، من خلال موقع إبستيمولوجي يقع فيه البحث هذا والباحث، من أجل تبيانِ حضور الإشكالية في الفكر العربي بمختلف اتجاهاته وتوجهاته وتفرعاته وتشعباته، من جهة، ومن جهة أخرى، وبعد وعي حضور إشكالية الإشكاليات: إشكالية التراث- والحداثة، تقديمِ وعي بالإشكالية، بوصفها العقبة الأساسية في وجه التعرف إلى العلم المنتقل إلينا من الغرب»: (الكتاب، القسم الأول، الفصل الأول).

إنها العقبة الأساسية في وجه الفكر، والمعرفة العلمية في بلداننا العربية، لأن مع حضور الإشكالية، تغيب مؤسسة العلم. «يقدم معنى غياب مؤسسة العلم في بلداننا، معنى حضور التعلُّم والتعليم اللذين ينتميان إلى لحظتيْن معرفيتيْن مختلفتيْن في طبيعتِهِما، في ذات الباحث الفرد... والانتقال المتكرر في ما بين مواقع معرفية مختلفة (موقع المعلم الفرد، موقع المتعلم الفرد، موقع الإبستيمولوجي الفرد، موقع الفرد المؤسسة). وحتى يحضران التعلم والتعليم، لا بدَّ من توافرِ شرطٍ أصيل في ذاتيتهما؛ ما هو هذا الشرط؟ إنه وقوع التعلم، وتحققه، بعد لحظة التعليم(من كتب العلم في بلدان العلم في الغرب)... فلا يمكن للتعلم والتعليم أن يكونا إلا في ذات باحث واحد». (الكتاب، القسم الأول، الفصل الأول).

وفي سبيل وعي العقبة المعرفية التي أدت إلى وقوع النتاج الفكري داخلها، والتي وضعت الفكر العربي السوسيولوجي المعاصر داخل الانحطاط المعرفي، منذ قرنين من الزمان، لا بُدَّ من أن «يسبق وعي الفكر العربي، وعيَ حضور الفكر العربي داخل إشكالية التراث – والحداثة؛ وعليه، فإن الوعي الذي يُبنى في تلك اللحظة التي يتعرف فيها العقل الى الفكر العربي، يسبق الوعي الذي يُبنى بـ[إشكالية التراث – والحداثة]، وبـ[تضمُّنِها] لمختلف النتاجات الفكرية العربية»: (الكتاب، القسم الأول، الفصل الثاني).

في الفصل الثاني، يضع الباحث كليَّةَ المفهوم، والموضوع، والإشكالية، أمام الفهم؛ يضعها أمام التساؤل، ووعي التساؤل من خارجها. «فإذا كان التساؤل العلمي، في العلوم المجتمعية والإنسانية، ومن ضمنها السوسيولوجيا، يضع نصب أعينه، وضمن مهماته الوصول إلى نظرية حول الإنسان في أنَّه وفي كيف أنَّه؛ وذلك من طريق التجريد العلمي الذي يتضمن مفاهيم علمية تفهم وتبني فهماً بـ[الإنسان- في- أنه- إنسان]، وبـ[الإنسان- في- أنه- كيف- إنسان]؛ فإن التساؤل الإبستيمولوجي الذي يتعلق بالتساؤل العلمي في العلوم المجتمعية والإنسانية (ونحن هنا نشير إلى مهمة إبستيمولوجيا السوسيولوجيا) يضع التساؤل عن الفهم [في أنه فهم]، وعن الفهم [في كيف أنه فهم]... عن [فهم- الإنسان- في- أنه- فهم- للـ - إنسان]، وعن [فهم- الإنسان- في- أنه- كيف- فهم- للـ - إنسان]؛ المتعلق (أي الفهم) أساساً بالإنسان في أنه، وبالإنسان في كيف أنه»: (الكتاب، القسم الأول، الفصل الثاني).

يحمل الباحث، في الفصل الثالث، الوعي الإبستيمولوجي، ويذهب به إلى حقل الفكر العربي السوسيولوجي المعاصر. فماذا يجد؟ وكيف يجد ما يجده؟ يجد ذهاباً إلى الماضي، لا يبرره الواقع، وذهاباً إلى الحاضر لا يبرره الواقع، وذهاباً إلى المستقبل لا يبرره الواقع، في المفهوم، وفهم المفهوم العلمي، وكيفية فهم المفهوم العلمي. «فمع التصور الآيديولوجيِّ لـ[الزمان- في- موضوع- العلم]، يَحِلُّ ظرفاً زمانياً ما، والذي من شأن الآيديولوجيا، والذي تضعه الآيديولوجيا وتريد أن يوضع محل ماهيَّة بنية موضوع العلم، محل ماهية بنية موضوع العلم؛ فيُشكِّل هذا الظرف [ماهية- بنية- موضوع- العلم- في- كليَّتها]... أي يصبح ما هو في ماهيته طارئاً- موقتاً- زمانياً- ظرفياً، يصبح، من خلال ما تريده الآيديولوجيا من [الزمان- في- موضوع- العلم]، دائماً- وأبدياً- وثابتاً في موضوع العلم، وموضوع الفكر. ويصبح ظرفاً ما، كان في الواقعيِّ، هو الظرف الدائم... فينتقل من حيث كونه ظرفاً، إلى كونه بنية»: (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الثالث).

«فمع استبدال الزمان والمكان- في- الواقعيِّ اللذين يُعتبران أساسيْن يقوم عليهما الواقعيُّ في تجليه في حقل موضوع العلم، يستبدل موضوع العلم بموضوع غيره... فيصبح موضوع العلم في بلدان العلم في الغرب، موضوعاً داخل حقل موضوع العلم الخاص ببلداننا؛ ومع هذا الاستبدال الذي يؤدي إلى حجب غياب العلم عندنا، يستبدل [العلمُ بالواقعيِّ] بـ [العلم بما موجود من أفكار علمية أساسية في الغرب] لم تُنتجْ ولم تَظهرْ إلا في تعالقها الصريح والواضح بـ[المكان- في- الواقعيِّ]، وبـ[الزمان- في- الواقعيِّ] الخاصّين بتلك البلدان في الغرب»: (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الثالث).

أما في الفصل الرابع، فيقدم الباحث تساؤلاً في وعي الإشكالية داخل المفاهيم العلمية. «بعد حضور الوعي بالفكر العربي، في اللحظة المعرفية الأولى، من البحث، وبعد حضور الوعي بإشكالية التراث – والحداثة، وحضور الفكر العربي داخلها، في اللحظة المعرفية الثانية، من البحث، وبعد وعي غياب التساؤل عن العلم، وممارسته، بواسطة إشكالية التراث – والحداثة، في اللحظة المعرفية الثالثة، من البحث، نطرح هنا وهم الفهم الذي يقدمه الفكر العربي في فهمه للمفاهيم العلمية الخاصة بعلم الاجتماع السياسي»: (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الرابع).

يتضمن التساؤل، ويقوم على أرضية: «إنَّ التَساؤلَ الذي يجري في النتاج المعرفي-العلمي العربي، في العلوم المجتمعية والإنسانية، وفي النتاج الفكري العربي، في إشكالية التراث- والحداثة، ليس تساؤلاً عن، ولا يتضمن البحث والتفتيش عن، الإشكاليَّة بوصفها موضوعاً عند الممارسات الفكرية والمعرفية- العلمية في العالم العربي، بل أنه، يبحث عن الكشف عن وقوع الممارسات العلمية والفكرية المختلفة في العالم العربي، في سبيل فهمها للمفاهيم العلمية الآتية إلينا من بلدان العلم في الغرب، داخل الإشكالية»: (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الرابع).

فإلى أين تؤدي عملية بناء التساؤل في شأن الإشكالية، وفي شأن المفاهيم العلمية داخل الإشكالية، وإعادة بنائه؟

«يخرج العلم إلى أن يكون في خدمة الفكر، أداةً له ووسيلةً بيده، وبالضبط في خدمة وجود الفكر، واستمراره في الوجود. فيجد الملاحظ: الباحث الإسلامي الذي يبذل قصارى جهده في إثبات أن المفاهيم العلمية التي تأتي إلينا من الغرب، تحتاج إلى الأسلمة؛ والباحث الليبرالي أو العلماني يبذل قصارى جهده في سبيل إثبات أنه يجب الأخذ بالمفاهيم العلمية الغربية؛ والباحث الشيوعي في سبيل إثبات أن المفاهيم الماركسية، والتفسير الماركسي والمعالجة الماركسية، والمنهج الديالكتيكي الماركسي، لا بُدَّ من أن يُطبق/ تُطبق على الواقعيِّ- المجتمعيِّ في بلداننا العربية؛ والباحث القومي في سبيل إثبات أنه يجب أن نأخذ بالمفاهيم العلمية الغربية في سبيل وحدة قطرية عربية، وحدة قومية عربية، وحدة عربية؛ والباحث الـ [بين- بين] يبذل قصارى جهده في الأخذ بالمفاهيم العلمية الغربية وضرورة تكييفها وتبيئتها لتناسب وتلائم الواقعيّ المجتمعيّ في بلداننا...إلخ»: (الكتاب، القسم الثاني، الفصل الرابع).

في شأن المهمة المعرفية الأساسية للكتاب، يوضح الرفاعي ذلك، في رسالة خاصة إلى المفكر العراقي عبدالجبّار الرفاعي، قائلاً: «حينما يكون تناول العلم هو المسألة، وحينما يكون العلم هو التساؤل القائم برأسه، ومتى ما جعلنا من العلم بالإنسان والمجتمع قضيّةَ جيل، أو أجيال بأكملها، لا يمكن أن نكون إلا أمام تلك العقبات التي حالت دون قيام تساؤل العلم في مجتمعاتنا.

كتاب يقع في موقع التأسيس، من أجل [استنهاض - تساؤل - العلم] بالإنسان والمجتمع في بلداننا العربية؛ هو حصيلة ست سنوات من الجدل والتجربة العلمية المُعاشة مع مفكرين وعلماء وأساتذة جامعيين، في بلداننا العربية.

وفي حال كهذه، يكون هذا الكتاب في موقع يتناول العقبة الأساسية في وجه قيام التساؤل.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان