رئيس التحرير: عادل صبري 10:33 صباحاً | الخميس 16 أغسطس 2018 م | 04 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية
درس فى البديهيات

مقالات مختارة

فهمي هويدي

درس فى البديهيات

فهمي هويدي 09 يونيو 2016 14:23

صرنا بحاجة للتذكير ببعض البديهيات المنسية فى الجدل الحاصل حول الإعلام فى مصر. أقنعتنى بذلك الحوارات الجارية التى تحدثت عن انفلات حاصل فيه وعن حاجة الإعلام إلى قيادة أو «مايسترو» وتلك التى أثارت جدلاً حول قانون الإعلام الموحد وميثاق الشرف الصحفى وهيكلة المؤسسات الإعلامية.. إلخ.

وتلك عناوين قد تكون مهمة، لكننى أزعم أنها لن تحل شيئا من أزمة الإعلام وجذورها الحقيقية. فضلاً عن أنها تظل أمورا فرعية، تتقدمها «أصول» واجبة النظر والاعتبار.


القضية المفتاح فيما أدعيه تتمثل فى البيئة السياسية المحيطة ومناخ الحريات العامة المتاح فيها. ذلك أننى منذ سنوات أدعو إلى النظر فى حالة الديمقراطية فى المجتمع قبل محاكمة الإعلام واتهامه، رغم اقتناعى بأن فيه الكثير الذى يستحق المؤاخذة. إذ لم يعد سرا أن فنون الاستبداد تطورت بحيث لم يعد يمارس فقط من خلال مؤسسات القمع وهراوة الأمن وإنما صار الإعلام أحد أذرعه القوية.

وإذا كان لينين ــ الزعيم والمنظر السوفييتى ــ قد شدد على أهمية الجريدة فى تشكيل الإدراك وإذكاء الوعى فى عشرينيات القرن الماضى، وأبرز جورج أورويل فى روايته ١٩٨٤ الدور الخطير لوزارة «الحقيقة»، التى تغطى النظام وتتحكم فى وسائل الإعلام. فما بالك به فى زماننا الذى حققت فيه وسائل الاتصالات والإعلام قفزاتها الكبرى وتأثيراتها العظيمة.


لا وجود لإعلام قوى وحر فى مجتمع هش وناقص الحرية أو معدومها. إذ فى الدول الديمقراطية يصبح الإعلام صوت المجتمع وعينه، كما أنه منصة التعبير عن أشواق ناسه.

أما حين يتغير شمس الديمقراطية فإن الإعلام يصبح صوت السلطة وسوطها وأداتها للعبث بالوعى وتزييفه.


إن شئت الدقة فقل إن الإعلام مرآة للواقع. فإن وجدت فيه خللا أو قبحا فلا تلومن المرآة. وإنما عليك أن تتفرس فى سمات الواقع وخرائطه أولا كى تضع يدك على مواطن الخلل ومظان القبح وموارده.


البديهية الثانية أن العوج فى الإعلام لا يصلحه ميثاق الشرف الصحفى، الذى لا أرى فيه سوى وسيلة للتجمل وخداع للذات يوهم بأن الشرف قد تمت صيانته والمهنة قد تطهرت بعد الانتهاء من تدبيج الميثاق وحشوه بأقوى العبارات والصيغ البلاغية التى تحقق المراد.

حتى مفهوم الشرف نفسه بات بحاجة إلى تحرير، خصوصا بعدما صار بعضنا يشيرون إلى صحفيى الموالاة ونظرائهم من الأمنجية باعتبارهم الصحفيين الشرفاء ورموز الصحافة الإيجابية المعنية بالتصفيق والتهليل.


شرف المهنة يا سادة ليس اختراعا حديثا ولا هو نص يوضع فى إطار يتصدر واجهات النقابة. ولكنها مجموعة من القيم والتقاليد التى تحرسها النقابة وقد يكون إلى جوارها مجلس مستقل يمثل فيه شيوخ المهنة وبعض العقول الكبيرة.

وذلك كله ينبغى أن يتم فى إطار القانون وبعيدا عن سلطة الدولة ونفوذها. لكن تلك القيم والتقاليد لن تحفظ للمهنة شرفها إلا فى مناخ تحترم فيه الحريات العامة، الأمر الذى يحفظ للمجتمع حضوره وعافيته، بما يمكنه من صد تغول السلطة ورفض هيمنتها.


البديهية الثالثة تتعلق بدور الإعلام ورسالته. ولا أخفى أننى تصورت أن مفهوم ذلك الدور استقر، ولم يعد بحاجة إلى تحرير، إلا أننى تراجعت عن ذلك الظن حين قرأت قول المسئول الكبير الذى اعتبر أن رفع الروح المعنوية هو مهمة الإعلام.

وذكرت أمس أن ذلك ينطبق على إدارات التوجيه المعنوى التابعة لجهات الأمن والمؤسسة العسكرية. الأمر الذى يختلف تماما عن دور الإعلام، حتى أزعم أن تلك الإدارات تباشر الإعلان عن أنشطة الجهات التى أنشأتها.

وإزاء ذلك يصبح رفع الروح المعنوية هدفا مفهوما ومشروعا لها. أما الإعلام فدوره مختلف حيث يفترض أنه فى الدول الديمقراطية مستقل عن السلطة وليس تابعا لها.

وهو مرآة المجتمع الذى يعكس واقعه، ويعبر عن آراء مختلف توجهاته. ثم إنه عين المجتمع أيضا فى مراقبة السلطة.

وفى التعريفات الكلاسيكية أنه يقوم بمهام ثلاثة، هى: الإخبار والتثقيف والترويح. أما إذا أريد للإعلام أن يقوم بدور رافعة الروح المعنوية، فذلك يدل على خلط مسكون بالتغليط.

لكنه يصبح خطرا إذا خرج من دائرة القرار السياسى، إذ إنه فى هذه الحالة يعيد إلى الأذهان ذكريات مرحلة تأميم الصحف المصرية الذى وصف تأدبا بأنه «تنظيم» لها.

وهى ذات الحيلة التى تم بها الالتفات على الهزيمة فى يونيو عام ١٩٦٧، ووصفها مجرد نكسة.


إن أزمة الصحافة جزء من أزمة الوطن وفرع عنه. ولن ينصلح حال الفرع إلا إذا استعاد الوطن عافيته وخرج من أزمته. ليتنا ننشغل بالأصل قبل الفرع.

نقلا عن بوابة الشروق

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان