رئيس التحرير: عادل صبري 05:45 مساءً | الخميس 18 أكتوبر 2018 م | 07 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

شبه دولة أم أعرق دولة؟

شبه دولة أم أعرق دولة؟

مقالات مختارة

الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر

شبه دولة أم أعرق دولة؟

صلاح سالم 08 يونيو 2016 11:14

في جولته الأوروبية باسم الأزهر الشريف، كشف د. أحمد الطيب بحضوره الرائق عن وجه إيجابي للإسلام كدين عظيم، ولمصر كدولة عريقة احتضنته ومنحته قبساً من روحها، ناهيك عن المؤسسة الأبرز فى الدفاع عن وسطيته عبر ألف عام ونيف، وهو أمر انعكس جلياً فى الحفاوة والتقدير البالغين اللذين وجدهما الرجل لدى جميع مستقبليه، خصوصاً بابا الفاتيكان فرنسيس الثاني، الذي أبدى حماسة كبيرة لعقد مؤتمر عالمي للحوار بين الأديان، أتمنى أن تستضيفه مصر.

لكن في الأسبوع نفسه، تواترت على البلاد وقائع تشي بوجه آخر لمصر، يقربها من وصف السيد الرئيس لها باعتبارها «شبه دولة»، وأعني بالتحديد واقعتين: أولاهما حادثة الكرم الطائفية، المقززة لكل نفس بشرية، والخارجة على كل الأعراف المرعية، والقوانين المتمدينة، حيث أُهينت امرأة مصرية، وأُحرقت سبعة منازل لمواطنين مصريين، على أيدى متعصبين اختطفوا القانون، ونصبوا نفسهم قضاة على الآخرين، وحاسبوا جماعة قبطية على خطأ شخص واحد لم تثبت إدانته بعد، فأحالوا الاعتقاد الديني إلى انتماء قبلي بغيض. وثانيتهما حادثة الوايلي، حيث وقع عدوان جديد، مما يكاد يصبح يومياً، على مواطن بسيط أودى بحياته ضابط شرطة وبعض الأمناء، ممن يفترض فيهم تطبيق القانون لا الخروج عليه، وحماية الناس وليس تعذيبهم حتى القتل.

وهنا يحار المرء في أمر بلدنا الجامع لكل هذه التناقضات، فهو تارة بلد الأزهر الشريف، قبلة التعليم الديني المعتدل، الذي ينتشر خريجوه في كل بلدان العالم الإسلامي تقريباً، لكنه أيضاً البلد الذي ولد فيه الإسلام الإخواني، وترعرع تحت إبطه الإسلام الجهادي، وصولاً إلى الإرهاب الداعشي.

وهو تارة أخرى بلد عريق فى تمدينه، يجمع بتسامح بين مواطنيه من كل دين ومذهب، حتى أن المحتل الأجنبي، الذي حمل ديانة فريق منهم، لم يستطع التمييز أو التفريق بينهم، حيث كان نداء الوطنية المصرية أعلى من أي نداء آخر. لكنه أيضاً البلد الذي سوف يترعرع فيه التعصب وتتكرر الفتن بين أبنائه، ليس فقط لاختلاف الديانة، أو حتى المذهب، بل أيضاً اختلاف التأويلات الفقهية داخل المذهب نفسه. ويكفينا هنا الشيخ ياسر برهامي الذي طالما طاح بالجميع، وتطوع بفتاوى تشرخ الجدران، وتهز الثوابت، وتعيد تعريف الأشياء على أسوأ ما يكون.

وهو تارة ثالثة البلد الذي عرف القانون باكراً حتى سيطرت روح «الماعت»، حيث الإيمان المطلق بالعدل، ما حفظ حضارته القديمة، وصنع إمبراطوريته العظيمة. كما استقر لديه حكم القانون فى ظل الدولة الوطنية الحديثة منذ قرنين على الأقل. لكنه أيضاً البلد الذي صار يُعصف فيه بالقانون ليل نهار، حيث تنتهك الشرطة أرواح الناس ناهيك عن حريتهم وكرامتهم، وتتصالح فيه الدولة مع لصوص المال العام، فتخرجهم من السجون، أو تعفيهم منها، مقابل استعادة بعض المال الذي نهبوه، وكأنها تكافئهم على فسادهم، وتهادن فيه مرتكبي مخالفات البناء، وتمنحهم عدادات «كودية» للكهرباء، طمعا بعوائد مالية أعلى مقابل ترسيخ العشوائية في كل الأنحاء. وبلا شك سيأتي يوم، طالما استمر ذلك النهج، نشهد فيه نهاية العمران المصري، فلا يبقى مكان صالح للسكن الآدمي، سواء في الأحياء القديمة الراقية أو حتى في المدن الجديدة الأرقى في شرق القاهرة وجنوبها.

فما هي مصر بالضبط، أهي الدولة العريقة المتمدينة ذات السبعة آلاف عام، حاضنة التدين المعتدل، وراعية القانون، أم هي شبه الدولة، التي لا تزال تحبو على طريق الخروج من حالة الهمجية، حيث قانون الغاب وآفة التعصب يعصفان بها؟

لقد بات الجواب صعباً، فيما الخيارات محدودة، والأزمات تتوالى، والأخطار تحيط بالبلاد من كل صوب، فيما دولاب الدولة، ومؤسسات حراسة القانون وتطبيقه فى حالة استرخاء واضح ولا مبالاة فاضحة. فهي إذ تخالف القانون لا يمكن أن تحميه، وإذ تمارس الإهمال لا تستطيع أن تحاربه، وإذ تتورط في السياسة لا يمكنها إقناع الناس بحيادها وإجبارهم على احترامها.

باختصار ووضوح نقول إن ثمة رابطاً نراه واضحاً بين كل الأزمات التي نعاني منها، يتمثل في إهدار حكم القانون سواء بالتردد فى تطبيقه على نحو ما سلف، أو بالتشدد فى تطبيقه إلى حد التعسف كما هو الأمر في حال المسجونين بقانون التظاهر، ومعظمهم من صغار السن وطلاب الجامعات، أي أنهم في طور التشكيل الثقافي، ومن ثم يفضي سجنهم مع إرهابيين إلى صناعة متطرفين يزداد حنقهم وحنق ذويهم على الوطن، ناهيك عن إشاعة روح اليأس والتطرف لدى المعارضين السلميين. وهكذا تدفع مصر الثمن مرتين لغياب حكم القانون، والذي يمثل الفارق الأساسي بين حال الحضارة وحال البداوة، بين المدنية والهمجية.

فإن غاب القانون غابت معه كل قيمة ذوقية، وانتفت كل فضيلة أخلاقية. وقد كانت هناك أزمان طويلة لم تعرف فيها البشرية مفهوم الحرية الإنسانية، ولا الديموقراطية السياسية، ولا الانتخابات سواء التشريعية أو الرئاسية، لكنها عرفت الحضارة، وطورت الكثير من المعارف والفنون، على قاعدة العدالة والقانون، ولو اتخذ الأخير شكل العرف الراسخ، ناهيك عن الشرائع الدينية، والدساتير العصرية. وهذا على رغم أن العدالة والقانون شهدا أوج تألقهما في ظل الحرية والديموقراطية. فإذا ما كانت الحرية مطلباً صار عزيزاً على المصريين، والديموقراطية هدفاً نخبوياً كما يدعي الداعون، فلسوف نتواضع كثيراً ونطالب الدولة فقط بحكم القانون، الذي يفرض توقفاً عن التصالح مع الفساد والمفسدين أياً كانت الإغراءات المالية. فمن يفعل ذلك لا يدرك حكمة القانون في تربية الضمير البشري، ولا قيمة العدالة على المدى الطويل فى ترسيخ روح الإنصاف، كما يفرض قصاصاً عادلاً من ضابط الشرطة الذي هتك روح المواطن بلا ذنب جناه، وأيضاً من المتعصبين الذين حرقوا منازل إخوتنا الأقباط، وأساؤوا إلى أمنا الفاضلة سعاد ثابت من دون ذنب جنته. وإذا كانت السيدة الفاضلة قد تمثلت روحانية المسيح الشماء في موعظة الجبل لتسامح ظالميها، فلتتمثل مصر كلها روح القانون وقيمة العدل للقصاص منهم، والانتصار لما بقي من معاني الدولة التي كانت عريقة.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان