رئيس التحرير: عادل صبري 09:02 مساءً | الجمعة 17 أغسطس 2018 م | 05 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية
هجوم له ما بعده

مقالات مختارة

فهمي هويدي

هجوم له ما بعده

فهمي هويدي 08 يونيو 2016 10:56

أشم رائحة غير مريحة ولا مطمئنة فى ثنايا الهجوم المتواتر على الإعلام فى مصر. وهو ما أصبح ظاهرة أعطت انطباعا بأن الجميع ساخطون عليه ويشتكون منه. الإعلاميون والأمن والحكومة وقطاع عريض من الناس الذين أدى عزوفهم عن متابعة الإعلام إلى انخفاض توزيع كل الصحف.

وتراجع نسبة المشاهدين لبرامج التليفزيون. ومن الملاحظات ذات الدلالة فى هذا الصدد أن مؤشرات الهجوم على وسائل الإعلام من جانب السلطة ظلت الأبرز.

كما أنها تضاعفت فى الآونة الأخيرة، بعدما تعالت أصوات النقد فى وسائل الإعلام للقرار الذى صدر بشأن جزيرتى البحر الأحمر (تيران وصنافير). إذ قادت ذلك الهجوم منابر السلطة وأبواقها، وشاركت فيه رموز السلطة التى لم تخف عدم رضاها بصورة أو أخرى.

فوجه بعضهم إلى الإعلاميين رسائل عتاب مبطنة تضمنت «لفت نظر»، جرى فى ظله إعادة تعريف دور الإعلام الذى وصف بأنه «إيجابى». وقيل لنا ذلك الدور يجب أن ينحصر فى رفع الروح المعنوية للناس، وإن عياره انفلت فى مصر حتى صار بحاجة لقيادة تضبط أداءه وتهذبه.


إلى جانب وجود نحو ٤٥ صحفيا فى الحبس، منهم عشرون أعضاء فى النقابة والآخرون مهنيون لم تتم إجراءات قيدهم، فلم يعد سرا أن مقر نقابة الصحفيين صار مصدرا لإزعاج السلطة، إذ تحول مدخله إلى منصة مرشحة للغاضبين والمحتجين، بحيث صار يعتليها ويرفع لافتاته فوقها كل صاحب مظلمة أو راغب فى رفع صوته وشكايته فى فضاء العاصمة. وكان نشطاء حقوق الإنسان بين الذين وجدوا فى قلعة الرأى صدرا واسعا.

وأتاح لهم ذلك فرصة إقامة بعض الفعاليات تحت سقفها. وحين علت نبرة النقد فى المجتمع الذى عبر عنه بعض الصحفيين ترجم عدم الرضى إلى إجراءات بدأت بتكثيف وجود الشرطة أمام مقر النقابة وتضييق إجراءات الدخول إلى المقر، بحيث سمح للأعضاء العاملين، ومنع الصحفيون غير المقيدين من الدخول. وفى بعض الأحيان أحاطت به الحواجز ومنع المرور فى الشارع.

ثم جرى تصعيد الإجراءات حين تقرر اقتحام مبنى النقابة لأول مرة فى تاريخها لاحتجاز اثنين من الأعضاء الملاحقين أمنيا، كانا قد احتميا به.

ثم جرى توجيه الاتهام لأول مرة فى التاريخ أيضا لنقيب الصحفيين، واثنين من أعضاء مجلس النقابة، وأعدت لهم قضية «إيواء مطلوبين للعدالة» سينظر فيها القضاء بعد عشرة أيام (فى ١٨ يونيو).


لم تقف الإجراءات عند ذلك الحد، وإنما سعت الأجهزة الأمنية إلى إحداث انقسام بين جموع الصحفيين، وحاولت ترتيب انقلاب فى داخل النقابة على مجلس النقابة. وتولت بعض المؤسسات القومية تنفيذ السيناريو.

حيث نظمت اجتماعات داخل مقراتها جرى فيها التنديد بالمجلس الذى قيل إن تيارا واحدا بات يسيطر عليه (رغم أن الجماعة الصحفية هى اختارت أعضاءها فى انتخابات حرة).


الخلاصة أن هجوم السلطة على الإعلام أصبح يتصدر المشهد، ليس فقط لأنها الطرف الأقوى فى المعادلة، ولكن أيضا لأن عدم رضاها تجاوز النقد إلى تبنى إجراءات القمع والتنكيل.

أما انتقادات المهنيين، والنشطاء وبعض شرائح المجتمع فإنها ظلت مقصورة على آراء لا يخلو بعضها من وجاهة. إلا أن ما يثير الانتباه فى هذا الصدد أن عدم رضى المجتمع له أسبابه التى تتناقص تماما مع دوافع عدم رضى السلطة. وتلك نقطة مهمة تحتاج إلى بعض التوضيح.


فالمهنيون ومن لف لفهم ينتقدون التدهور فى تقاليد المهنة لأسباب وتراكمات يطول شرحها أزعم أن على رأسها التراجع المستمر فى حرية التعبير فى مصر طوال نصف القرن الأخير.

أما النشطاء وجمهور القراء الناقدين فملاحظتهم الأساسية تكمن فى أن أغلب الصحف ــ والقومية منها بوجه أخص ــ صارت بوقا للسلطة بدرجة أو أخرى، حتى باتت صوت السلطة وأحيانا سوطها (بالسين) بأكثر منها صوت المجتمع. أما السلطة التى غدا ضيقها النقد واضحا ومتزايدا، فإنها أصبحت مقتنعة بأن الإعلام ليس إيجابيا بما فيه الكفاية.

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن نقد المجتمع ينطلق من أن موالاة الإعلام للسلطة أكثر مما ينبغى، فى حين أن السلطة ارتأت أن تجاوب الإعلام معها دون ما ينبغى. يفسر ذلك أنه بعدما سيطرت السلطة على جميع مؤسسات الدولة حتى المستقلة منها، فإن الإعلام لا يزال «الجبهة» التى لم يتم إحكام السيطرة عليها.

سواء بسبب هامش الحرية المتواضع المتاح فى بعض الصحف أو بسبب مواقع التواصل الاجتماعى الخارجة عن السيطرة بطبيعتها. يؤيد ذلك الزعم التعريف الأخير الذى أطلقه المسئول الكبير واعتبر فيه أن مهمة الإعلام هى رفع الروح المعنوية للناس.

وهو تعريف لا ينطبق إلا على إدارات الشئون المعنوية فى المؤسسات العسكرية. يؤيده أيضا ذلك التنديد المستمر فى البرلمان وغيره بمواقع التواصل الاجتماعى والدعوات التى تطلق لتقييد تلك المواقع وبسط سيطرة الدولة عليها.

ومن القرائن الدالة على ذلك أن الصحفيين الموالين للسلطة والأمنجية أصبحوا هم الشرفاء ورسل الصحافة الإيجابية، أما من عداهم الذين يمارسون حقهم فى التعبير الحر فقد صنفوا تحت لافتات معاكسة، وأصبحوا يتوزعون بين دوائر الاتهام والاشتباه.


إذا صح ذلك التحليل فمعناه أن مسألة اقتحام النقابة والقبض على الصحفيين، ومحاكمة النقيب وعضوى مجلس النقابة ليست سوى مقدمة لها ما بعدها الذى يراد به إلحاق الإعلاميين ببيت الطاعة وإحكام السيطرة عليه. وهو استنتاج أتمنى أن تثبت الأيام كذبه، وإغراقه فى الشطط وسوء الظن. غدا بإذن الله لنا كلام آخر للموضوع.

نقلا عن بوابة الشروق

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان