رئيس التحرير: عادل صبري 03:30 صباحاً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

هل تتعرض مصر حقاً لمؤامرة كونية؟

هل تتعرض مصر حقاً لمؤامرة كونية؟

مقالات مختارة

حسن نافعة

هل تتعرض مصر حقاً لمؤامرة كونية؟

حسن نافعة 25 مايو 2016 11:35

في كل مرة يواجه نظام الحكم في مصر أزمة جديدة، تعلو أصوات صاخبة تتحدث عن تعرض الدولة المصرية لمؤامرة كونية، وراح الحديث عن تلك المؤامرة المزعومة يتصاعد في شكل لافت للنظر في الآونة الأخيرة، خصوصاً بعد الكارثة الإنسانية التي أودت بحياة 66 شخصاً كانوا على متن طائرة مصر للطيران في رحلة أقلعت من مطار شارل ديغول وسقطت في مياه البحر المتوسط، قبل وصولها إلى القاهرة في ظروف لا تزال غامضة حتى الآن. ولأن بعض ما قيل في تفسير هذا الحادث المأسوي بدا وكأنه محاولة لدق إسفين في العلاقات المصرية الفرنسية، سارع عشاق نظرية المؤامرة بربطه بحادثين آخرين كانا قد تسببا من قبل في الإضرار بعلاقة مصر بكل من روسيا وإيطاليا هما: حادث سقوط الطائرة الروسية في سيناء بعد إقلاعها من مطار شرم الشيخ، من ناحية، وحادث قتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني بعد تعذيبه، من ناحية أخرى، وراحوا يتساءلون وكأنهم يصرون على إفحام خصومهم من المشككين في نظرية المؤامرة: هل يعقل أن تكون المحاولات الرامية لتخريب علاقة مصر بروسيا وإيطاليا وفرنسا وهي في أوج مراحل ازدهارها مجرد مصادفة بريئة؟

عادة ما تتبنى «نظرية المؤامرة» أوساط إعلامية تتحدث باسم النظام الحاكم أو تروج لسياساته، عن اقتناع أو عن مصلحة. ولأنها نظرية تخاطب الرأي العام المحلي، إذ لا يتصور أن تكون موجهة للرأي العام العالمي، وإلا تحولت إلى أضحوكة، يعتقد أنصارها أن نجاحهم في إقناع أكبر عدد ممكن من المواطنين يفيد النظام الحاكم لأنه يساعد في تخفيف الضغط الواقع عليه، من جانب قوى تحرص على إظهاره بمظهر العاجز عن وقاية البلاد من الأزمات أو إدارتها بكفاءة بعد وقوعها. غير أن هذه الأوساط تنسى، أو تتناسى، أن نظرية المؤامرة تشكل سلاحاً ذا حدين، وبالتالي فإن التمادي في ترديدها يؤدي إلى الوقوع في تناقضات قد تفضي إلى نتائج عكسية. وفي تقديري أن الإفراط في الإحالة إلى نظرية المؤامرة، بصرف النظر عن دوافع أصحابها أو المروجين لها، يشي بالعجز عن فهم وإدراك الطبيعة المعقدة للتفاعلات الدولية، ويعكس نوعاً من الكسل العقلي واستسهلال التفسيرات المعلبة والوصفات الجاهزة.

فالعلاقات الدولية لا تقوم على صداقات دائمة أو عداوات دائمة، وإنما على مصالح دائمة، وهي نتاج شبكة واسعة من تفاعلات صراعية وتعاونية تجري في شكل دائم بين عدد هائل من الفاعلين الدوليين: دول ومنظمات حكومية عالمية وإقليمية، عامة ومختصة، ومنظمات غير حكومية تشكل ما أصبح يعرف باسم «المجتمع المدني العالمي»، وشركات عابرة للقوميات أصبح تأثيرها أهم وأخطر من تأثير معظم الفاعلين الآخرين. ولأن كل فاعل دولي يسعى دوماً إلى تحقيق مصالحه، وفقاً لرؤيته الخاصة، مستخدماً كل ما في حوزته من وسائل، بصرف النظر عن مشروعيتها أو شفافيتها، فمن الطبيعي أن تتوافق إلى حد التطابق أحياناً مصالح بعض اللاعبين وأن تتعارض إلى التصادم مصالح لاعبين آخرين، وأن يحاول كل نظام حاكم أن يتعامل مع هذه الشبكة الواسعة والمعقدة من التفاعلات بأكبر قدر من الكفاءة التي تسمح له بانتهاز ما قد تتيحه من فرص وتجنب ما قد تفرضه من مخاطر أو قيود.

وعلى رغم ما أحرزته العلاقات الدولية على صعيدي بناء المؤسسات وصياغة القواعد القانونية خلال القرنين الماضيين، إلا أن معايير إدارتها ما تزال غير منضبطة ولا تزال صورتها تشبه إلى حد كبير تلك التي رسمها الفيلسوف البريطاني هوبز، منذ ما يقرب من أربعة قرون، حين شبه الساحة الدولية بغابة تسودها «حالة الطبيعة» التي تعكس «حرب الجميع ضد الجميع» ويحاول فيها القوي أن يفتك بالضعيف بلا هوادة أو رحمة.

في سياق كهذا، تعجز «نظرية المؤامرة» عن تقديم تفسير أو شرح كافٍ أو وافٍ لما يجري من أحداث. فلكل نظام حكم، بصرف النظر عن طبيعته، قاعدة سياسية واجتماعية واقتصادية يعتمد عليها في تسيير شؤون الدولة والمجتمع اللذين يتحدث باسمهما، ويفترض أن تعكس سياساته في مختلف المجالات مصالح ورغبات وطموحات تلك القاعدة. ولأنه يصعب تصور وجود نظام حكم يحظى بدعم وتأييد الجميع أو ينتهج سياسات تعبر عن مصالح وطموحات مختلف الفئات، فمن الطبيعي أن تتشكل قوى «معارضة» له في الداخل والخارج. المشكلة إذن، لا تكمن في شكل النظام الحاكم وإنما في كيفية إدارة علاقته مع «المعارضة»، وفق صيغة منضبطة تحول دون تطور الاختلاف في الرؤى والمصالح إلى صدام وحروب أو النظر إلى المعارض وكأنه «عدو». يصدق هذا على مصر كما يصدق على غيرها من الدول.

من المعروف أن عبدالناصر كان حليفاً لجماعة الإخوان عند قيام الثورة، وسرعان ما تحول الخلاف حول السياسات التي يتعين تبنيها بعد الثورة إلى صراع راح يتصاعد إلى أن وصل إلى حد الصدام الشامل، لكن عبدالناصر ربح جولة الصراع وتمكن من تصفية التنظيم ووضع قادته في السجون. وكان عبدالناصر حليفاً للغرب، وحين اختلفا على تمويل السد العالي قرر تأميم قناة السويس، فتحالفت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل ضده وتآمروا عليه سراً ثم شنوا عليه الحرب عام 1956. وحين قامت وحدة بين مصر وسورية انزعجت دول عربية وأحست بالتهديد فتآمرت لتفكيكها واغتيال زعيمها. وخاض السادات حرب 73 بسلاح سوفيتي، لكنه تحالف مع الأميركان حين بدأ يسلك طريق التسوية السياسية بعد الحرب، فانتقل الأميركان من صفوف الأعداء إلى صفوف الحلفاء والروس من صفوف الحلفاء إلى صفوف الأعداء، وتحالف في سنوات حكمه الأولى مع العقيد القذافي إلى حد الشروع في إقامة وحدة بين البلدين، لكنه لم يتردد في شن الحرب عليه لاحقا، وفي زمن المواجهة مع إسرائيل تحالف مع أغلب الدول العربية التي لم تتردد في معاقبته حين أقدم على إبرام معاهدة سلام منفرد مع إسرائيل. وفي الداخل تحالف مع تيار الإسلام السياسي وقام بإخراج زعمائه من السجن في بداية حكمه الذي انتهى بالاغتيال على أيديهم. وعلى مدى ثلاثين عاماً بدا مبارك وكأنه نجح في إقامة التوازنات الكفيلة بتجنب ظهور أعداء في الداخل والخارج، ومع ذلك لم يسلم من محاولات اغتيال، مرة في الخارج في أديس إثيوبيا ومرة في الداخل في بورسعيد، وانتهى بتحول الشعب المصري كله إلى «عدو» قرر الثورة على حكمه وتمكن من إسقاطه. وعلى رغم ما تنطوي عليه هذه المواقف والتحالفات من تناقضات، إلا أن أحداً لم يجرؤ على الادعاء بأن الدولة المصرية كانت هي المستهدفة.

النظام الذي يحكم مصر الآن جاء في أعقاب حراك جماهيري، اعتبره البعض ثورة شعبية على حكم الإخوان واعتبره البعض الآخر مؤامرة أو ثورة مضادة، وتدخل من جانب الجيش، واعتبره البعض تجاوباً مع إرادة شعبية، بينما اعتبره البعض الآخر انقلاباً عسكرياً. وأي نظام حكم يتشكل في ظل أوضاع كهذه من الطبيعي أن يكون له أعداء أقوياء في الداخل والخارج على السواء. غير أن هذا النظام يعاني في الوقت الراهن من مشكلات بنيوية يمكن تحديد أهم معالمها على النحو التالي:

1- غموض في السياسات، ربما بسبب عدم وضوح القاعدة الشعبية التي يستند إليها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، مما يجعله غير قادر على التمييز بين أصدقائه وحلفائه الفعليين أو المحتملين، من ناحية، وبين خصومه وأعدائه الفعليين والمحتملين، من ناحية أخرى.

2- تغليب الوسائل الأمنية على الوسائل السياسية في معالجة مختلف القضايا والمشكلات التي تواجهه، مما تسبب في توسيع دائرة أعدائه باستمرار، بدليل أن معظم الرموز التي قادت التحرك الجماهيري في 30 حزيران (يونيو) عام 2013، بخاصة من الشباب، أو ممن كان يفترض أن يكونوا سنداً للنظام تقبع حالياً في غياهب السجون.

3- حيرة القوى الدولية والإقليمية وعجزها عن العثور على صيغة صحيحة لعلاقة متوازنة. فهي، من ناحية، تجد نفسها راغبة أو حتى مضطرة للتعامل معه، بسبب الحاجة إليه في مكافحة الإرهاب أو لمواجهة تحديات أمنية جديدة تفرضها تغيرات طرأت على موازين القوى العالمية والإقليمية أو للمساعدة في البحث عن تسوية للصراع في الشرق الأوسط أو حتى للمحافظة على أسواق تقليدية لمنتجاتها، لكنها تخشى، من ناحية أخرى، أن تتسبب السياسات القمعية للنظام في حالة جديدة من عدم الاستقرار قد تعرض مصالحها للخطر.

لذا، أظن أن الحديث عن «مؤامرة كونية على مصر» يخفي عجز النظام الحاكم عن العثور على صيغة لإدارة العلاقة مع الآخر المختلف معه سياسياً في الداخل والخارج. فما زال النظام ينظر إلى كل معارض لسياساته ليس فقط باعتباره خصماً للنظام، وإنما عدواً للدولة المصرية وراغباً في تفكيكها وهدمها. وهذا توجه خطر ينذر بعواقب وخيمة.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان