رئيس التحرير: عادل صبري 07:04 مساءً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

الاتجار غير المشروع بالحياة البريّة يموّل الإرهاب العالمي

الاتجار غير المشروع بالحياة البريّة يموّل الإرهاب العالمي

مي الشافعي 24 مايو 2016 16:12

لنفكّر بهدوء. كيف تأتّى للكرة الأرضيّة أن تفي بوعودها للجنس البشري، فتمدّه بالغذاء والماء ومختلف المقوّمات الطبيعيّة والبيئيّة التي تضمن استمراره؟ بعبارة أخرى، لولا ذلك التنوّع الهائل في أنواع الكائنات الحيّة (نبات، أشجار، حيوانات، كائنات بحريّة...)، كيف كان ممكناً الإيفاء بحاجات البشر في الاستمرار والعيش والازدهار والتنمية؟ أليس ذلك التنوّع الهائل الذي يطلق عليه العلماء تسمية «التنوّع البيولوجي» Biodiversity، هو الأساس المكين الذي استند إليه البشر في وجودهم على الأرض، بل ما زالوا كذلك، على رغم أنهم باتوا جزءاً من عوامل تضرّره وإهلاكه؟ كيف يحصل البشر على الكساء والدواء؟ كيف تستمر الزراعة والصناعة والصيد والسياحة والاقتصاد برمته، على رغم الاستنزاف المتواصل لمصادر الحياة البريّة وتعرضها الدائم للتسمم والتلوث؟ لولا التنوّع البيولوجي والدور المحوري الذي يؤدّيه في تجديد مصادر الطبيعة، لاستنفذت تلك الموارد منذ قرون.

 

المفارقة أن التقدّم في عيش البشر وزيادة سيطرتهم على الطبيعة ومواردها، لم يكن سوى وبالٍ على الطبيعة الأم التي تمدّهم بأسباب البقاء، بل أن العام 2015 سجّل «سبقاً» في استهلاك البشر ما يتجدّد من موارد الأرض، بأسرع من ذلك التجدّد نفسه! ففي 2015، أعلنت الأمم المتحدة أن البشر استهلكوا مواردهم من الطبيعة قبل انقضاء تلك السنة بثلاثة شهور. كيف حال 2016؟ لننتظر قليلاً، فلربما فوجئنا بالأسوأ قريباً. ولعله شيئ جدير بالتنبّه إليه في «اليوم العالمي للتنوّع البيولوجي» World Biodiversity Day الذي يحل في 22 أيار (مايو) سنويّاً. «سعياً لاستمرار الناس وطُرُق العيش»Sustaining People & their Livelihoods: اختارت الأمم المتحدة تلك الكلمات القصيرة لتكون شعاراً في «اليوم العالمي للتنوّع البيولوجي- 2016». وتلفت تلك الكلمات عينها إلى حقيقة واضحة مفادها أننا بتنا في حاجة إلى خطوات أقوى وأشد كي تؤكّد المعنى الاجتماعي والاقتصادي لمسألة التنوّع البيولوجي.

 

واستطراداً، يشكّل ذلك الشعار عينه الموضوع الرئيسي للاجتماع الـ13 للأطراف الموقّعة على الاتفاقيّة العالميّة للتنوّع البيولوجي في «كانكون» في المكسيك في كانون الأول (ديسمبر) المقبل، مع التذكير بأسى أن العالم لا يفتقد لاتفاقيات ومعاهدات وبتروكولات دوليّة في شأن البيئة، بل سبق لمدنية «كانكون» نفسها أن شهدت إحدى المؤتمرات غير الناجحة عن تغيّر المناخ.

 

في ذلك السياق، ترد إلى الذهن مباشرة أسماء لاتفاقيّات متعدّد عن التنوّع البيولوجي تحديداً، منها «الاتفاقيّة العالميّة للتنوّع البيولوجي»، و»بروتوكول ناغويا» في شأن الحصول على الموارد الجينيّة بطُرُق عادلة ومنصفة، و»بروتوكول قرطاجنة» عن الأمان الحيوي وخطورة الكائنات المعدّلة جينيّاًGenetically Modified Microorganisms، و»اتفاقيّة سايتس» المتعلّقة بالكائنات المعرّضة للانقراض وغيرها. يضاف إلى ذلك أنّ حماية التنوّع البيولوجي ظهرت في هدفين من أهداف «الوثيقة العالميّة للتنمية المستدامة- 2030» وهما الهدف 14 المتعلّق بحماية الحياة واستمراريّتها في المحيطات والبحار والموارد البحريّة عموماً، والهدف 15 المتعلّق بالإدارة المستدامة في الغابات، ومكافحة التصحّر، وحماية الأراضي من التدهور، والحدّ من فقد التنوّع البيولوجي.

 

الأرجح أن هناك ما هو أهم من الاتفاقيّات، بمعنى أن تتحوّل الكلمات أفعالاً تتجسّد على الأرض ضمن مدى زمني غير متباطئ.

 

قصص نجاح

قدّمت «الاتفاقيّة عن التنوّع البيولوجي» Convention on Biological Diversity نماذج عن قصص نجاح عُقِدَتْ الآمال على تكرارها. ويبدو أن الرابط المشترك بينها هو الدمج بين المعارف التقليديّة للسكان المحليّين والمعارف العلميّة الحديثة، إضافة إلى نشر المعرفة والمعلومات بين مختلف المستفيدين، واعتماد مبدأ الشراكة مع المجتمعات المحليّة.

 

إحدى قصص النجاح جاءت من دولة بوروندي. وهناك قادت إحدى الباحثات فريقاً علميّاً لاستنباط أصناف من الفاصوليا تعطي محصولاً أكبر وتتحمّل الظروف المناخية القاسية. وتعاون الفريق في ذلك مع المزارعين المحليّين، وقدم لهم أفضل الطرق لإدارة مزارعهم.

 

وجاءت قصص نجاح أخرى من كندا في حماية الدببة، وفيتنام في تطوير منظومة لاستدامة صيد الأسماك عبر الإدارة المتكاملة لعمليات الصيد بالمشاركة مع الصيادين أنفسهم، ما أدى لإنجاح المنظومة وتحسين أحوال الصيادين. وهناك قصة نجاح ظهرت في أوغندا، تمثّلت في الاستفادة من المعارف التقليديّة للمزارعين في زراعة محاصيل الحبوب الغذائيّة، ودمجها مع المعارف الحديثة بهدف تحسين المقاومة البيولوجيّة للنبات حيال الأمرض والحشرات. وجاءت من الهند قصة عن أسرة قرّرت تطوير عملها في مزرعتها الصغيرة، فاستخدمت العلم والتدريب لتطوير نظام جديد للري في المزرعة يستند إلى الاستفادة من المياه المنصرفة من مساحات الأرز في ري أجزاء أخرى من المزرعة خصّصت للخضروات وأشجار الموز والمانغو. وكذلك استفادت تلك الأسرة من طرق الزراعة العضوية وطبَّقت نظاماً حقلياً متنوّعاً زاد من الإنتاج وحقق لها استقراراً اقتصادياً.

 

تجارة غير مشروعة

حاضراً، تطفو على السطح إحدى أخطر قضايا التنوّع البيولوجي، هي الإتجار غير المشروع في موارد الحياة البريّة، ما يدمر النظم البيئيّة ويهدد حياة الناس وسبل عيشهم وأمنهم.

 

ويحصد ذلك الإتجار أموالاً تستخدم في تهديد سيادة الدول، عبر شبكات من العلاقات بين عصابات الصيد والقتل والتهريب عبر الحدود من جهة، والشبكات الإجرامية الدوليّة من جهة ثانية. بقول آخر، يموّل الإتجار غير المشروع في موارد الحياة البريّة الإرهاب العالمي.

 

وتعتبر أفريقيا أكبر موطن للثروات الطبيعية عالميّاً، وبالتالي فإنّها تمثّل الهدف الأساسي لتلك العصابات.

 

وتورد تقارير الأمم المتحدة أنّ تلك التجارة تكلّف أفريقيا قرابة بليوني دولار سنويّاً.

 

وتوضح تجارة العاج بعضاً من حجم تلك المأساة. إذ تخطى عدد الفيلة التي تصطاد بطرق غير مشروعة سنوياً في أفريقيا، قرابة 20 ألف فيل.

 

وهناك تقارير تشير إلى أن 100 ألف فيل قتِلَ بين عامي 2010 و2012.

 

وتــــطاول تلك التهديدات وحيد القرن أيضاً، ما يتطلب إجراءات قانونية صارمة لمجابهتها.

 

وفي ذلك الإطار، يشكّل وقف الطلب على منتجات الحياة البريّة وعدم فتح أسواق لها ونشر الوعي بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لتلك القضية، خطوات أساسيّة لمنع ذلك الصيد الجائر.

 

وسيكون ذلك موضوعاً أثناء الاحتفال بـ «يوم البيئة العالمي» في 5 حزيران (يونيو) 2016. وتستضيف أنغولا الاحتفال الرئيسي لذلك اليوم العالمي. كذلك يحتل موضوع الصيد الجائر الأولويّة على أجندة التباحث في الاجتماع الثاني للجمعية العامة للأمم المتحدة بصدد موارد الطبيعة، المقرّر انعقاده في نيروبي في 23 آيار الجاري.

 

نقلاً عن "الحياة"
 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان