رئيس التحرير: عادل صبري 11:21 صباحاً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

لماذا نجح مشروع النهضة في اليابان وتَعثَّر في مصر؟

لماذا نجح مشروع النهضة في اليابان وتَعثَّر في مصر؟

مقالات مختارة

السيد أمين شلبي

لماذا نجح مشروع النهضة في اليابان وتَعثَّر في مصر؟

السيد أمين شلبي 30 أبريل 2016 15:37

في عام 1983 نشر باحث عربي هو شارل عيسوي مقاله تحت عنوان “لماذا اليابان؟”، قارن فيها بين تجربتي النهضتين اليابانية كما تطورت في عهد الإمبراطور مايجي (1868- 1912) والمصرية كما تجسدت في عهد محمد علي (1805– 1848). وتساءل عيسوي تحديداً:

 

لماذا نجحت تجربة التحديث اليابانية وفشلت في مصر في الوقت الذي كانت مصر في وضع أفضل مما كانت عليه اليابان، بل إن عدداً من الباحثين لم يكونوا يتوقعون نجاح التجربة اليابانية لأسباب عدة. ودعَّم عيسوي مقالته حول أفضلية مصر على اليابان في القرن التاسع عشر بتقديم بعض الأرقام العملية من العام 1813. كان متوسط دخل الفرد المصري من الناتج المحلي الإجمالي أعلى بقليل من نصيب الياباني، وكان نصيب الفرد المصري من التجارة الخارجية المصرية يساوي ضعف نصيب الياباني، وكانت شبكة السكك الحديد المصرية أكثر شمولاً من اليابان بالنسبة إلى المسافة المأهولة وعدد السكان.

ومن هذا الأساس المقارن المستند إلى أسانيد علمية انطلق باحث عربي آخر هو الدكتور مسعود ضاهر، المهتم باليابان وتاريخها ومجتمعها، واستوقفه أن غالبية الدراسات العربية عن اليابان ونهضتها تفتقر إلى دقة المعطيات وقدَّم الأرقام والإحصاءات والنقل الانتقائي عن بعض المراجع الصادرة بالإنكليزية بوجه خاص.
 

التحديث والحداثة
 

ومنذ البداية؛ ينبه الباحث إلى فارق أساسي بين تجربتي التحديث في اليابان ومصر سيظل من العوامل الحاسمة في مصيرهما. ويعني به الأسلوب الذي تعاملت به التجربتان مع ما تعرضتا له من ضغط مباشر من الثورة الصناعية والتكنولوجية الحديثة والعلوم العصرية التي كانت تمتلكها فقط بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة. في مواجهة هذه الضغوط والاستجابة لها، كانت اليابان وحدها هي التي نجحت في الرد على التحدي الغربي بأسلحة التحديث الغربية وذلك باستيعابها وتطويرها. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين التحديث MODERNIZATION من حيث هو اقتباس لعلوم الغرب العصرية المتطورة وبين الحداثة MODERNITY من حيث هي استيعاب للعولمة العصرية والمشاركة والإبداع على المستوى الكوني. في هذه العلاقة نجحت اليابان في التحول إلى نموذج يقترب إلى الحداثه. نجحت اليابان لأنها لم تتخل عن تراثها التقليدي ولم تتبن أياً من المبادئ الغربية لتجعلها قواعد ثابتة، فقد استفادت من مقولات فلسفية ونظم غربية، ولكنها لم تتبنها كما هي بل اختارت منها فقط ما يتلاءم مع مكونات المجتمع الياباني.
 

تجربة محمد علي
 

في دراسته المقارنة يركز الباحث علي تجربة التحديث في عهد محمد علي، وهي التجربة التي سبقت التجربة اليابانية بنصف قرن بحيث كان ما أنجزه محمد علي في مصر لا يقل أهمية عما حققته النهضة اليابانية في عهده مايجي. إلا أن الفارق في تطور التجربتين هو أن محمد علي نُكب بخلفاء من بعده، على عكس خلفاء مايجي، لم يحسنوا الاستفادة من تراثه الإصلاحي بل انصرفوا إلى سياسة القروض والبذخ وتدمير الاقتصاد المصري من الداخل حتى أوقعوا مصر في الاستدانة والرقابة المالية المباشرة التي وصلت بها إلى الاحتلال البريطاني عام 1882. ما يميز عهد محمد علي وتجربته التحديثية ومنطلقاتها، هو أنه تنبَّه إلى ما يمكن أن يحققه استمرار التكنولوجيا الغربية من علاقة تبعية مباشرة للدول الغربية التي تتحكم فيها. حاول محمد علي تفادي ذلك طوال فترة حكمه، فأنشأ ركائز لتحديث المجتمع المصري من طريق تأسيس صناعات متطورة من دون الاكتفاء باستيراد التكنولوجيا كسلعة استهلاكية. غير أن غياب الفكر السياسي الإصلاحي وخطره على أشكال العمل الديموقراطي والليبرالي، اعتبره محمد علي تهديداً لركائز حكمه، وهذا ما جعل حركة التصنيع في مصر لا تعطي ثمارها في تطوير البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المصري. وسرعان ما توقف هذا المنحى في التصنيع الداخلي مع خلفاء محمد علي لصالح استيراد السلع التكنولوجية الجاهزة التي استخدمت سلاحاً لتدمير نقاط القوة في المجتمع التقليدي المصري وقطع الطريق على ولادة مجتمع مصري عصري قادر على رد التحدي الأوروبي.
 

في الأيام الأخيرة من عام 1867 تولى الحكم في اليابان الإمبراطور موتسوهيتو (1852– 1912) ويلقب باسم الإمبراطور مايجي؛ المصلح أو صاحب السلطة العادل. وقد جاء توليه بعد سنوات 1853– 1867 وهي السنوات الأكثر خطورة في تاريخ اليابان الحديث والمعاصر، حيث شهدت إنذار بيري PERRY الذي وُجه إلى اليابان والمطالب بفتح الموانئ اليابانية أمام الملاحة الدولية بالسلم أو بالقوة، وتبع ذلك توقيع اتفاقيات مهينة مع اليابانيين وكان أخطرها النص على رفض الأجانب المثول أمام المحاكم اليابانية ومحاكمتهم أمام قناصل دولهم. وأدى هذا إلى رد فعل شعبي ورسمي عنيف انتهى بزوال حكم أسرة فوكوغا لصالح الصعود الإمبراطوري وبروز قيادة يابانية جديدة حظيت بالثقة الشعبية للقيام بما هو ضروري لحماية اليابان من الأخطار الداخلية والخارجية.
 

في هذه الظروف، تولى الإمبراطور مايجي والذي تميز عهده بأحداث تاريخية، أبرزها إعلان مبادئ الإصلاح الخمسة في 24 آذار (مارس) 1868، وهي المبادئ التي وجهت وحكمت عملية النهضة الحديثة.
 

وقد بُنيت حركة التحديث الصناعي والإصلاحات الاقتصادية في عهد مايجي على قاعدة التراكم الإيجابي الذي شهدته اليابان في المرحلة السابقة. ويلاحظ أن العزلة الطوعية التي اتسمت بها هذه المرحلة لم تكن ثابتة حيث حافظت اليابان على بعض المنافذ للعلاقات التجارية والثقافية مع الصين وأوروبا، وتحديداً مع هولندا وألمانيا والصين. إلا أن القوى الإصلاحية الحديثة فتحت باب التحديث على مصراعيه بهدف خلق جيل كامل من الإصلاحيين اليابانيين المزودين بأفكار إصلاحية وعلوم عصرية، والمدافعين عن ضرورة نشر أفكار الإصلاح وتعميمها في شكل مدروس ومبرمج على جميع الطبقات الاجتماعية. فلم تكن الغاية من الإصلاح نقل علوم التكنولوجيا العصرية ووضعها في مجتمع تقليدي يرفضها ويخاف من نتائجها، وإنما تدريب اليابانيين على تقبل تلك العلوم ووضعها في خدمة قوى الإنتاج وتطوير حياتهم المادية مع الاحتفاظ بمعتقداتهم الدينية وتقاليدهم الاجتماعية.
 

وتوارت مع هذه السياسات عملية تحديث كبرى بالتكنولوجيا الغربية تعتمد على امتلاك اليابانيين أسرارها على إدارة وتشغيل المصانع الجديدة المستوردة، أرسلت الحكومة بعثات متلاحقة من الطلاب اليابانيين على الغرب لاكتساب تلك التكنولوجيا وتوظيفها في الاقتصاد الياباني وقام غالبية قادة الإصلاح وعلى رأسهم الإمبراطور برحلات استطلاعية إلى الدول الأوروبية للاطلاع عن كثب على نظمها وإدارتها وطرق الإنتاج والتسويق فيها. كذلك كان على الجامعات اليابانية الرسمية والخاصة أن تتعاون في ما بينها لتقديم أفضل الظروف الملائمة لتوليد أجيال متعاقبة من الشباب الياباني المزودين بأحدث العلوم العصرية.
 

وهكذا ومثلما يستخلص الكتاب عن عهد مايجي ما وصلت إليه اليابان، فإنه مع حلول العقد الأخير من القرن التاسع عشر باتت اليابان تُصنَّف في عداد الدول العصرية القوية والمتطورة في المجالات كافة. دولة مركز صارمة تحت إمرة إمبراطور يعبده شعبه، جيش عصري قوي مزود بأحدث الأسلحة، اقتصاد مبرمج على قاعدة شركات احتكارية ذات طاقات مالية هائلة ومصانع مزودة بأحدث العلوم والتكنولوجيا العصرية. دستور عصري مستوحى من النمط الغربي، ولكنه يحتفظ للتقاليد والقوى اليابانية بسلطة اتخاذ القرارات الحاسمة، ومقولات تحديثية تضع مصلحة اليابان العليا فوق أي مصالح أخرى.
 

هذا الوضع الذي اكتسبته اليابان كان النتيجة المباشرة لفترة حكم الإمبراطور مايجي التي قاربت نصف قرن؛ وهي الفترة التي تحولت من خلالها اليابان، إلى واحدة من أشد الإمبرياليات العالمية دموية، تطورت إلى هزيمة عسكرية واحتلال أميركي، الأمر الذي لم يحل دون أن تنهض اليابان مجدداً من ركام الحرب لتعيد بناء حركة تحديث يراها المؤلف أكثر عمقاً من سابقتها. وتجربة التحديث الثانية مستمرة من 1945 وحتى الآن، ولم تكن “تحديثاً بالعسكر وللعسكر”، وإنما كانت للمجتمع كله وعبر طبقاته وقواه المنتجة ونظمه السياسية والإدارية والمالية والتربوية وغيرها. وبينما كانت التجربة الأولى موضوع تحد صارم من اليابانيين أنفسهم، فإن التجربة الثانية هي موضوع اعتزازهم ومنطلق نجاحهم على المستوى الكوني. وهي التجربة التي لا يجد لها المؤلف، عن حق، شبيهاً مع أي من تجارب التحديث المعاصرة في العالم كله ولهذا فقد وعد بتخصيص دراسة مستقلة عنها، ونحن ننتظرها أن تجئ على الدقة والموضوعية اللتين وصفت بهما تجربة اليابان التحديثية الأولى.
 

كدراسة مقارنة، وفي ما نعتبر أنه من أقوى أجزاء الدراسة وأدقها، يرصد الكاتب أوجه التلاقي والاختلاف في تجربتي النهضة المصرية واليابانية والتي تفصح عن أبلغ دروس، فقد تلاقت مصر واليابان في امتلاك كل منهما تاريخاً طويلاً من الإنجازات الحضارية، إلا أن مصر بسبب موقعها الجغرافي خضعت مراراً لحكم غزاة أجانب، في الوقت الذي حمت فيه عزلة اليابان داخل جزرها البعيدة في شرق آسيا من الأطماع الأجنبية حتى أواسط القرن 19.
 

استمرت مصر تحت حكم غير المصريين حتى عام 1952، في حين كانت الشنتوية، وهي الديانة الرسمية لليابان، قد رفعت مرتبة الأرض اليابانية إلى درجة القداسة واعتبارها من أرقى الآلهة واعتبار الإمبراطور من سلالة الآلهة.
 

تتشابه بداية كل من تجربتي التحديث في مصر واليابان على أساس أنهما قاما على قاعدة التحديث العسكري أولاً ومعه القطاعات الصناعية الداعمة له.
 

في مصر أجرى محمد علي سلسلة من الإصلاحات الزراعية خلال فترة زمنية قصيرة 1811– 1814 سماتها احتكار الدولة للأراضي والإنتاج معاً، وبقى الفلاح المصري يعيش في فقر مدقع بسبب قصور تدابير الاحتكار. وفي المقابل فإن الريف في عهد مايجي لم يكن أفضل مما كان عليه في مصر، وإن كان لأسباب مختلفة جذرياً. دفع القطاع الزراعي الياباني ثمناً باهظاً لإصلاحات مايجي التي تمحورت حول تحديث الجيش والقطاعات المرتبطة به. ولم يتم إنصاف الفلاح الياباني والعاملين في القطاع الزراعي إلا بعد الحرب، حين أصدر البرلمان قانون الإصلاح الزراعي، وهو ما يذكر بقانون الإصلاح الزراعي في مصر بعد ثورة 1952.
 

وعلى مستوى تحديث الاقتصاد والاستراتيجية الاقتصادية، فإن حركتي التحديث في مصر واليابان قد وضعتا اقتصادي البلدين في خدمة تحديث القوى العسكرية. وكانت المحصلة إيجابية في الغالب حيث بدأت التكنولوجيا تنتشر على نطاق واسع في مختلف مراكز الإنتاج الذي كان يخضع للدولة بأشكال مختلفة في كل من مصر واليابان. غير أن ثمة تطوراً واجه تحديث الصناعة والاقتصاد عندما أجبرت مصر على تطبيق اتفاقية عام 1938 التي تمنع محمد علي من الاحتكار وتتيح دخول السلع الأجنبية إلى السلطنة العثمانية وولاياتها، وكانت مصر هي المقصودة أساساً بهذه الاتفاقية. ومن هنا انهار نظام الحماية الصناعية والتجارية وبات على الصناعات المصرية الضعيفة أن تواجه منافسة حادة وغير متكافئة مع السلع الأجنبية، ويشهد محمد علي على إفلاس المصانع التي بناها قبل وفاته عام 1848، فانهار أول محاولات تحديث الاقتصاد المصري.
 

وفي اليابان كان هناك منحى آخر منذ عام 1879 وبعد أن تأكدت الحكومة اليابانية من أن مخاطر الاحتلال الأجنبي لم تعد جبرية، سارعت إلى بيع عدد من المشاريع الصناعية الكثيرة والمزودة بأحدث تكنولوجيا إلى القطاع الخاص، على أن يسدد ثمنها خلال فترة زمنية طويلة بفوائد بسيطة. وإن كان يجب التنبه هنا إلى أن الصناعات الثقيلة التي كانت تعتبر استراتيجية بقيت حكراً على مصانع الدولة، وأبرزها الأسلحة والفولاذ والذخائر والمعادن وخطوط السكك الحديد.
 

وعلى مستوى ما، يمكن أن يكون من بين أكثر العوامل حسماً في تقرير مستقبل تجربتي التحديث المصرية واليابانية، يتمثل في مفاهيم الأصالة والتقليد، وعمليات التفاعل الثقافي مع الغرب بين الاقتباس والتطوير. فسوف نجد أن شرائح المجتمع المصري بقيت في ظل إصلاحات محمد علي وخلفائه من دون تغيير جذري. فالطبقة العليا الحاكمة وكبار قادة الجيش المصري ظلوا في أعلى السلم الاجتماعي، وبقيت القاعدة الشعبية تتشكل من الفلاحين والحرفيين والعمال والبدو وجميعهم من المصريين. وفي تلك الفترة بالذات ولدت البرجوازية المصرية. المدن الكبرى ذات المنحى التغريبي الواضح حيث تمركزت قوى التغريب التي أعلنت تبنيها شعار الخديوي إسماعيل بجعل مصر قطعة من أوروبا.
 

واتصالاً بهذا العامل المهم في عناصر النهضة وعلى مستوى استيراد التكنولوجيا وتطويعها محلياً، فإن حركة الإصلاح في مصر واليابان انطلقت من مقولة أساسية وهي أن بناء النهضة في البلدين أمر مستحيل من دون البدء باستيراد التكنولوجيا الغربية وتطويرها محلياً. على أنه في حين تابع اليابانيون هذا المنحى السليم في حماية الاقتصاد الياباني من المنافسة غير المتكافئة مع السلع الأجنبية، فإن خلفاء محمد علي تخلوا بالكامل عن حماية الإنتاج المحلي واكتفوا فقط باستيراد التكنولوجيا ومعها السلع المصنعة التي أغرقت الأسواق المصرية وضربت الركائز البنيوية للاقتصاد المصري بعد أن ظلت قوية جداً طول فترة محمد علي، وعلى مدى النصف الأول من القرن الـ19. في مصر وقفت تجربة التحديث عند حدود الاقتباس من دون الاستيعاب والتطوير، فسقطت مصر في دائرة التغريب والاستدانة، فيما واصلت اليابان مسرة التحديث بنجاح وانتقلت من اقتباس التكنولوجيا إلى الإبداع فيها. وثمة فارق أخير يتعلق بالإصلاحات الديموقراطية والطابع الديموقراطي للدولة، فرغم أن التجربة الدستورية التي حاول الإمبراطور مايجي تغليف الحكم بها لمقاومة الضغوط الداخلية لم تحقق نجاحاً يذكر في مجال الدفاع عن حرية التنظيم الشعبي، وضمان الحقوق الأساسية للأفراد، إلا أن المرحلة الدستورية أضفت على اليابان طابع الدولة الديموقراطية العصرية، في الوقت الذي رفض محمد علي كل أشكال الديموقراطية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان