رئيس التحرير: عادل صبري 02:56 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الحركات الإسلامية ومنعطفات التغيير أو التبديل

 الحركات الإسلامية ومنعطفات التغيير أو التبديل

مقالات مختارة

الحركات الإسلامية - أرشيف

الحركات الإسلامية ومنعطفات التغيير أو التبديل

مسفر بن علي القحطاني 23 أبريل 2016 14:18

تمر الحركات الإسلامية في العالم العربي بمنعطفات خطيرة لم يسبق لها أن مرت بها خلال عقودها الثمانية الماضية التي بدأت مع نشأة جماعة الإخوان المسلمين 1928، كما هي الحال في مصر والأردن والعراق واليمن وليبيا وفلسطين وغيرها. هذه المنعطفات الحادة تقتضي مرونة عالية أو انكساراً لا يجبر ويتحطم معه كل شيء. والمتابع للمشهد الحالي لمواقف هذه الحركات يخرج بانطباعات عامة، أبرزها من وجهة نظري، ما هو متعلق بجيل القيادة الذي عاش مرحلة التأسيس وبدايات البناء، حيث يصعب عليه أن يعيش التغيير ومواكبة الجديد الذي ينادي به من هم في جيل أولاده أو أحفاده ربما، لذلك يمارس عليهم ضغطاً تاريخياً وعاطفياً بحكم الأبوية الدعوية التي يحظى بها واعتادها لعقود. وهذه الممارسة لا تسمح بأي محاولات تغييرية ولو باسم التطوير، لأن هناك خشية من أن تؤدي هذه المحاولات إلى انقضاض جيل التغيير على جيل التأسيس، والذي تقولبت في شخوصه التضحيات والبدايات فأضحوا في ذواتهم لبنات صلبة مع مرور السنوات. كما يلمس المتابع أن تلك الحركات تنشط في العمل الاجتماعي والتربوي وتبذل تضحيات جسيمة تجعلها أكثر صدقية مع قيمها التي تدعو إليها، وأكثر نفعاً للمجتمع، إذا ما قارناها بالأحزاب العلمانية والقومية الأخرى، ولكنها في العمل السياسي تخطئ وتستمر في الخطأ وتمارس الدور الاجتماعي ذاته الذي تتقنه وتصبّه في قوالب كل المجالات الأخرى، ظناً أن صلاح المرشحين والتعبئة الجماهيرية وحسن البلاغ الديني وكشف مؤامرات الأعداء كفيل بحسم النتائج في اللعبة السياسية والانتخابات الديموقراطية، وحتى التنظير الاستراتيجي ومهارات التحالفات الحزبية الضرورية في أي عمل سياسي تحاول تلك الحركات ممارسته خطابياً، ولكن الواقع التطبيقي غالباً ما يقود للفشل، لأن العقل الذي ينظّر لهذه الخطوة لم يعتد في الممارسة إلا على صورٍ محددةٍ من المثاليات والنماذج المشخصنة، فيطغى العقدي على السياسي تكلّفاً في القطع التنظيري، ويبرز الواعظ والخطيب على السطح السياسي ويصبح في بعض الأحيان هو من يدير اللعبة ويطبخها إلى درجة الاحتراق، كما لا يخفى أيضاً أن هناك اعتقاداً مهيمناً في الداخل الحركي أنهم حملة الدين الحق، وكل من يخالفهم هو جزء من المشروع الصهيوني الساعي لاجتثاثهم، وشعورهم بالمنافسة مع المخالف يجعلهم في حذر شديد يتجاوز طبيعة ما ينبغي فعله من مدٍ للجسور وتعاون مع الآخر، مما تقتضيه طبيعة المرحلة وتحدياتها.

هذه الحركات الإسلامية ذات الامتداد الزماني والمكاني والعددي لم تُنقَد من الداخل بشفافية ووضوح، فيشعر بذلك من هم في الداخل والخارج، ولم تُنصف من أعدائها في الخارج، وحُمّلت أوزار الأرض كلها، وهذا بلا شك تجن صارخ على مشاريعها المجتمعية الرائدة وغاياتها النبيلة، كما أن خوف السُلطات البالغ منها جعلها بؤرة التركيز الدولي، لأن هياكلها التنظيمية تبدو دائماً الأقرب لقطف أي ثمرة قد تظهر ولو بعد حصاد الربيع العربي. أمام هذه الحالة العالمية وليست بالإقليمية أقدم هذه التساؤلات، رغبة مني في إثارة النقد ليس بقصد العداوة أو التشفي كما أتوقع أن يُقال، وليس بقصد استغلال ضعفها بطعن سكاكين النقد في ظهرها، ولكن رغبة في النصح والإصلاح لحال المجتمعات الإسلامية التي تعتبر الأهم عندي، ومثارات الأسئلة التي أطرحها، يمكن تلخيصها في ما يلي:

أولاً: لماذا تبدو الحركات الإسلامية في حالة أشبه بفرقة القدَرية (خلق الإنسان فعل نفسه) في شؤون الجماعة وتراتبيتها الداخلية، حرصاً على الأسباب والأخذ بها بطريقة مبالغ فيها أحياناً، وإذا أصبح الأمر خاصاً بالمجتمع وتحدياته الدولية رموا أفعالهم على القدر وأصبحوا جبرية ينتظرون الفرج من السماء ويخضعون لتدابير القدر الرباني، ورابعة والنهضة وميدان السبعين، ومآلاتها الخطيرة مثال صارخ لهذه الحالة، فتهديدات صاحب القوة والسلطة ليست لعباً، ودنو لحظة القمع كانت واردة وبوادرها ظاهرة، ومع ذلك تُرك الأمر رغم كارثيته الموجعة للأبرياء المساكين.

ثانياً: لماذا التمسك بأطر وهياكل وتنظيمات كانت لها مبرراتها الظرفية في الماضي، فأضحت مع الأيام مبادئ صلبة لا تتزحزح ولا تقبل التغيير؟ ولماذا تهيمن فكرة الاصطفاء الحركي على عمل الجماعات، بينما من هم خارج الجماعة قد يكونون أكثر نفعاً وصفاء ممن هم في داخلها؟! ونعلم جميعاً أن الوعي والممارسة الإسلامية عمَّا كل المجتمعات، فلم يعد لأحدٍ ميزة احتكار الدعوة والبلاغ، يترتب على ذلك أيضاً أن تلك الوسائل والآليات التنظيمية أصبحت الأكثر ثقلاً وعبئاً لبلوغ الجماعة غاياتها النبيلة؟ وأصبح الفرد اللامنتمي في كثير من الأحيان ينجح وينجز أكثر مما تنجزه جماعة فيها عشرات الآلاف من المصطفين الأخيار؟

ثالثاً: الجماعات الإسلامية في المنطقة العربية أصبحت في خندق المواجهة -شاءت أم أبت- مقابل مشروع التقسيم الجديد للمنطقة، ووضعتها الأحداث كأخطر من يواجه مشاريع التقسيم والهويات الجديدة، فإذا بقيت في العراء تتعالى على المجتمع بوصفها وأتباعها، فستسهل شيطنتها دينياً وسياسياً، ولا يُستبعد أن تُلبّس بتهم جنائية وإرهابية تضرّها بشكل أعمق وتضربها بشكل نهائي، لذلك مسألة استهدافها مباشرة هي مسألة وقت -وفق التقديرات البشرية- وبالتالي نتساءل كيف ستواجه هذا المشروع الاجتثاثي؟ وماهي خياراتها القادمة؟ بل هي أمام مسؤولية تاريخية أن لا تُكرر المغامرات الخاسرة وتعرف حدودها وطاقتها، وإلا كانت التبعة مكلفة والنتائج موجعة.

رابعاً: مرت الحركات الإسلامية في عدد من الأقطار العربية بتجارب عنيفة على مستوى المشاركة السياسية وعلى مستوى المفاهيم، وأظهرت النتائج خللاً مفاهيمياً كبيراً، من حيث التنظير والتنزيل، فالمكتبة الإسلامية حفلت في العقود الثلاثة الماضية بتصورات في الفقه السياسي الحركي كانت التجربة هي المحك التي نقضت عرى كثير من تلك التصورات، وكانت تنبغي الاستفادة من تلك التجارب وإعادة تقويمها، ومراجعة المواقف والمفاهيم وإعلانها بشكل واضح، وهذا لم يحصل -في حدّ علمي- إلا لدى حركة النهضة التونسية، ولا تزال الحاجة تتجدد اليوم لمراجعة مفاهيم، مثل الموقف من السلطة ومَن له الغلبة، وفقه الأولويات بين مراتب المصالح والمفاسد أو عندما يتعارضان، وأيضاً التعامل مع الآخر، وفقه القدرة والاستطاعة، وتقدير القوة في المحيط المحلي والدولي، وغيرها من مسائل الخلط والخلل فيها يحمل الكثير من التضحيات الجسام.

خامساً: مارست الجماعات الإسلامية لعبة التصنيف كثيراً على من يخالفها في المجتمع، وأصبحت اليوم أهم ضحاياه ووُضعت في كثير من قوائم الإرهاب، خصوصاً بعد الربيع العربي، واستنكارها التهم الموجهة إليها من الغير لن يجدي حلاً، لأن أدبيات التصنيف الحركي تحفل بالتأصيل الشرعي بالتهم الجزاف لكل من يخالفها، ولا أظن المجتمع الذي عاش فترة طويلة تحت ظل هذا التراشق والتنابز بالتهم والألقاب، قادراً على احتواء الجميع في قضايا كلية وأهداف كبرى غائية، فهل ستراجع تلك الحركات والجماعات علاقتها مع الآخرين وهي اليوم في أمس الحاجة للتواصل والتواصي معهم، بل والاحتماء بهم؟!

سادساً: لا تزال هناك فجوة تكبر يوماً بعد يوم بين تفكير الشيوخ وتمكين الشباب، وبين خيارات القيادة ومطالب الأتباع، وبين أنظمة الجماعة وانفتاح المجتمع، وبين هذه الفجوات يكمن الشيطان وتتفجر الخلافات وتشتعل الحرائق داخل بيوت الجماعات، والكل يريد إطفاءها بمزيد من صبّ الزيت اللاهب على الجميع. ولأن هذه الخلافات تمس حظوظ الأفراد ذوي الهيئات والهيبات وتنتقدهم، فلا إمكان لمعالجتها إلا بالشفافية والرضوخ لطبيعة المرحلة والاستجابة لمتغيراتها الراهنة والمستقبلية، وتجربة «العدالة والتنمية» التركي دليل على وعورة الخلاف وضرورة حله بالتضحية بالماضي وحرق السفن لأجل المستقبل.

هذه التساؤلات والملاحظات هي وجهات نظر، يشعر بها المتابع للإعلام والمشاهد للأخبار والمتتبع لمسارات الأحداث، وما لم تصغ الحركات الإسلامية لصوت العقل وضرورة المرونة عند هبوب العواصف لإحداث تغييرٍ سريع في كل نُظمها، ولو بأن تحلّ نفسها وتختلط بمجتمعاتها، فإن اجتثاثها وارد ويشكل ضربة عميقة ومؤثرة على المجتمع كله وعلى خيرة أبناء الأمة. يقول تعالى :» أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (سورة الحج: 39-46).

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان