رئيس التحرير: عادل صبري 01:04 صباحاً | الخميس 22 أغسطس 2019 م | 20 ذو الحجة 1440 هـ | الـقـاهـره °

«العسكرية» خدمة إلزامية يضيق بها الشباب المصري ويتشبث بها الأهل

«العسكرية» خدمة إلزامية يضيق بها الشباب المصري ويتشبث بها الأهل

القاهرة – أمينة خيري 11 أبريل 2016 14:17

قبل سنوات قليلة، لم يكن الموضوع قابلاً للقيل والقال، والنعم واللا، بل لم يكن مطروحاً للنقاش من الأصل. صحيح أنه كان هناك متذمرون ومتململون ومتهيبون، لكن المعارضين والرافضين والمنتقدين كانوا دوماً خلف الأبواب المغلقة وبعيداً من الساحات العلنية، حيث التجنيد مصير كل خريج جامعي أو من بلغ سن الـ19 عاماً، شاء أو أبى، طالما سمحت حالته الطبية ولم تعقه مواصفات اجتماعية معينة.

لكن رياح الربيع ألقت بظلال عدة هنا وهناك. ويأتي ضمن هذه الظلال طرح قضية التجنيد الإجباري باعتبارها مسألة حقوقية وزاوية شخصية لا يجوز للدولة التدخل فيها، مع مراعاة تركها لمن يحب أو يهوى أو يود التجربة فقط. أما من يرفضها، أو يخشاها، أو يجدها ثقيلة على مشاعره، فعليه مقاطعتها ومقاومتها.

«مقاومة التجنيد طالما الشاب قادر صحياً وليس مقيداً بظروف اجتماعية منصوص عليها، خيانة وانعدام وطنية وقلة أدب»، قال يوسف سليمان (52 عاماً) بلهجة طغى عليها الغضب الشديد. «التجنيد شرف لأي شاب يعرف ألف باء الانتماء الى وطن. أما من يرفضه أو يتحايل عليه أو يطالب بإلغائه، فهو عار على البلد». سليمان المنتمي إلى جيل عاصر حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 وسمع من والده وأقاربه كثيراً عن نكسة حزيران (يونيو) 1967، يفقد صوابه كلما طلب منه ابنه الأكبر الذي أوشك على التخرج أن يتوسط له ليحظى بصفة «غير لائق» في الكشف الطبي الخاص بالتجنيد، أو «إذا -لا قدر الله- اتضح إنه لائق، أن يخدمه في التوزيع بحيث لا يتعرض لصعوبات الجيش التي يسمع عنها من الأصدقاء والأقارب».

ربما يكون الاختلاف في وجهتي النظر جزءاً من صراع الأجيال أو جانباً من اختلاف الخبرات، لكنه بكل تأكيد يعكس «عطباً ما» (في رأي الأب) أو «تقدمية ما» في رأي الابن في ما يختص بفكرة التجنيد الإجباري. الأب يعتبرها واجباً ووطنية وأقل ما يمكن تقديمه للبلد، والابن ينظر إليها من وجهة نظر حقوقية تارة، حيث مواثيق حقوق الإنسان التي تنص على ضرورة عدم إجبار الشخص على القيام بما هو رافض له، ومن منطلق اختلاف المفهوم الوطني تارة، حيث «وماذا قدمت إلي البلد حتى يتم تجنيدي إجبارياً؟». ومرة ثالثة من وجهة نظر فلسفية، كالقول «هناك طرق عدة يمكنني أن أخدم بها بلدي وليس من خلال التجنيد فقط».

التجنيد الإلزامي المحول اسمه إلى «التجنيد الإجباري» في العقد الأخير للدلالة على المنظور الحقوقي، والذي يفضل المؤمنون به والمتمسكون بقيمته تسميته بـ «الخدمة الوطنية»، يعد مظهراً من مظاهر الحياة في مصر منذ عقود طويلة. ووفق ما ورد في كتاب «عصر محمد علي» لعبد الرحمن الرافعي، فقد لاقى حاكم مصر محمد علي صعوبات كثيرة في تجنيد المصريين مطلع القرن الـ19، بسبب تذمرهم من التجنيد وعدم اعتيادهم الفكرة، إذ لم يكونوا مكلفين بها إبان حكم المماليك.

ويصف الرافعي ذلك قائلاً:»هذا نقص كبير في أخلاق الشعب الحربية، فما من أمة تنزع إلى الاستقلال وتقدس الحرية إلا وتجعل الخدمة العسكرية فرضاً حتماً على أبنائها في طبقاتهم كافة».

ويرى الرافعي أن السبيل الوحيد لمحو كراهية التجنيد من نفوس المصريين في ذلك الوقت، هو أن تتقدم الطبقات المتعلمة لتصبح نموذجاً يحتذى من بقية الفئات في الإقبال على هذه الخدمة الوطنية. ويمضي الرافعي شارحاً كيف نجح محمد علي في تجربة التجنيد وبرهن الجيش المصري سريعاً الكفاية والنظام، ما يعني أن مصر أثبتت قدرتها على أن تكون بلداً حربياً حقق انتصارات في ميادين القتال، وأصبحت الجندية محل فخر واعتزاز فيه.

لكن اعتزاز الأمس يراه البعض في ضوء رياح التغيير ومنظور الحقوق والحريات، قهراً وتقييداً. البعض منبهر بالجدليات الحقوقية، فمثلاً منظمة العفو الدولية تشير إلى أن رفض أداء الخدمة العسكرية حق من الحقوق المنصوص عليها في المواثيق الدولية.

مايكل نبيل، وهو «ناشط» و «مدون» وأحد «شباب ثورة يناير»، أول من رفض أداء الخدمة العسكرية بناء على منظور حقوقي. ثم ألقت القوات المسلحة القبض عليه وحوكم محاكمة عسكرية بتهمة زيارة إسرائيل في 2012 وإشادته بها بصفتها «دولة ديموقراطية».

والواقع أن غالبية الشباب المصريين لا يجدون في مايكل نبيل نموذجاً يحتذى. صحيح أن كثيرين عبروا عن أمنية أو رغبة في عدم الالتحاق بالخدمة العسكرية، لكنهم لا يتفقون معه في هروبه من الخدمة وكذلك زيارته وتكريمه في إسرائيل قبل سنوات.

«سنوات أو أشهر الخدمة العسكرية أشبه بالوقت الضائع»، يقول حاتم علي (22 عاماً)، الطالب الجامعي الذي لا يخفي أمله بأن يخرج «غير لائق» من امتحان الكشف الطبي.

وتظل الخدمة العسكرية خاضعة للآراء والمواقف، فعلاء الدين مصطفى (32 عاماً- مهندس) يقول إنه في بداية الأمر كان متبرماً من مسالة الخدمة العسكرية، وعلى رغم الصعوبات وأسلوب الحياة الجاف والقاسي في حينها، «إلا أنها كانت التجربة الأكثر ثراء في حياته». ويقول: «أفادتني على المستوى الشخصي، والعملي، والإنساني، بالإضافة إلى إنها نمّت فيّ نوعاً فريداً من الانتماء والوطنية لم أكن أتخيل أن أعيشه».

معايشة تجربة الخدمة العسكرية مثار أحاديث كثيرة لدى المصريين. جيل الكبار متشبث بكونها تعبيراً عن الوطنية، و «مدرسة لصناعة الرجال»، و «واجباً يحمي البلاد من شرور الحرب ويبعد الوطن من الاعتداءات»، لا سيما أنها باتت أمراً وارداً منذ اندلاع ثورات «الربيع العربي». هذا الجيل يبرر اختلاف جيل الأبناء معه إما بأنه «جيل يفتقد الوطنية»، أو «لم يتم تعليمه تعليماً قادراً على تعزيز الانتماء»، أو «لأنه كبر في زمن السلام فاعتقد أن مسائل الحروب والصراعات أمور لا تخصه».

وتتراوح مواقف الشباب في المقابل بين كاره للفكرة، لأنها ستعطله عن الالتحاق بعمل بعد التخرج وتؤخر انطلاق مسيرته المهنية، أو لأنه مرفه لا يقوى على الحياة العسكرية، أو لعدم قناعته بأهمية أن يكون لبلاده جيش وطني، «لأن من غير الوارد أن تدخل مصر حرباً ضد إسرائيل»، حسبما قال أحدهم. وحين سئل عن الحرب الدائرة في سيناء والحرب ضد الإرهاب ومواجهة «داعش» وشركائه، فوجئ ورد «إخلع» (أي اهرب) الآمرة، وهي عنوان إحدى حملات كثيرة شنتها لجان شبابية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين عقب عزلها من الحكم. وتظل هذه الحملات، سواء في الجهات الداعية أو المروجة أو تلك التي تنقر «لايك» و «شير»، قاصرة على أبناء الجماعة وداعميها.

يشار إلى أن تمركز الجماعات التكفيرية والإرهابية في مناطق جبلية في شمال سيناء، والعمليات الإرهابية التي تتعرض لها قوات من الجيش والشرطة في مناطق متفرقة، أدت إلى زيادة واضحة في نسب طلاب الثانوية العامة المتقدمين للالتحاق بالكليات العسكرية والشرطة خلال العامين الماضيين، وهو ما يعني أن شعور البعض بأن الخدمة العسكرية عبء عليه يعادله شعور البعض الآخر بأنها واجب وباب للدخول في السلك العسكري.

وتجدر الإشارة إلى أن أصوات شبابية نسائية عدة تعالت في الأشهر القليلة الماضية مطالبة بحق الفتاة المصرية في التجنيد والالتحاق بالجيش، ومنها «حملة تطوع البنات في الجيش المصري» و «مجندة مصرية» و «جنودنا» وغيرها.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان