رئيس التحرير: عادل صبري 11:47 صباحاً | الخميس 22 أغسطس 2019 م | 20 ذو الحجة 1440 هـ | الـقـاهـره °

ترامب وجيل «حرب النجوم» ... الظاهرة ثمرة قرن من القومية

ترامب وجيل «حرب النجوم» ... الظاهرة ثمرة قرن من القومية

فيليكس ماركوارت 10 أبريل 2016 12:55

قبل بضعة أيّام، نشر وليد ميان، وهو أميركيّ شابّ من لونغ أيلند ولد وترعرع في لاهور الباكستانيّة، كلاماً على موقع «فايسبوك» مفاده بأنّ «المسلمين الشبّان يصوّتون ليهوديّ أبيض مسن، وهو المفهوم الذي تقوم عليه الولايات المتّحدة».

 

والواقع أنّه كان يتكلّم عن مقال صدر في صحيفة «نيويورك تايمز»، حول التعبئة الانتخابيّة لمصلحة بيرني ساندرز بين المسلمين، مع أنّ الشعور الذي عبّر عنه في منشوره قد ينطبق على شابّ قادم من أيّ مكان في العالم تقريباً. فبنظر جيل «حرب النجوم»، بدأت القوميّة والعنصريّة والآفاق الضيّقة تتحوّل إلى عملة بائدة.

 

قد يبدو هذا التأكيد بعيداً كلّ البعد عن المنطق، في حقبة يمضي فيها دونالد ترامب قُدماً للفوز كمرشّح عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، وتسبّبت فيها أزمة اللاجئين الدوليّة ببروز الشعبويّين والقوميّين والسياديّين في أرجاء أوروبا، بدءاً بالجبهة الوطنيّة في فرنسا، ومروراً بالديموقراطيّين السويديّين الذين صقلوا ذاتهم بذاتهم بكثير من الدقّة. وقد يبدو الأمر أكثر سخافةً حتّى في ضوء المستجدّات السياسيّة خارج نطاق دول الغرب، انطلاقاً من البرازيل، ومروراً بالصين وإندونيسيا ونيجيريا حيث تُعتبر القوميّة، بكل شكل من أشكالها، واقعاً في الحياة السياسيّة. ومنذ جيل أو جيلين، كان مواليد جيل الطفرة يجتمعون في وودستوك، وتنضمّ حشود منهم إلى فرق السلام، وتعمل على إعادة بناء أوروبا. وكانت الأمور تشير ظاهريّاً إلى بروز التعدّدية والعالميّة في كلّ مكان. لكن ماذا عن الآن؟

 

في الواقع، يميل السياسيّون حول العالم إلى الاستمرار في الكلام عن الدولة الأمّة على أنّها علّة وجود الحكم العصري، لأنّهم كرّسوا لها اهتمامهم. ومع ذلك، يكفي النظر إلى أيّ مكان لنرى بوضوح أنّ مفهوم الدولة الأمّة بائد. ويتجلّى ذلك بوضوح في طريقة تنظيم شركات العالم الأسرع نموّاً حول الأحواض اللغويّة والمناطق والمدن، أكثر منها حول الدول. ومن المؤكّد أنّ الأمر يبدو واضحاً أيضاً بنظر الشبّان الذين يعتبرون أنّه من السذاجة، أن نتوقّع من قادة تمّ انتخابهم لعدد قليل من السنوات، ضمن دوائر انتخابيّة محصورة بقيود قوميّة دون سواها، أن يعالجوا مسائل كالتبدّل المناخي، تُعتبَر عالميّة بطبيعتها، وتتطلّب معالجتها عقوداً في أفضل الأحوال. ويشعرون في الصميم أنّ الحلول لهذه المسائل تتعدّى حدود القوميّة، إن كانت لتُعتبَر حلولاً منذ الأساس. وبصفتي مؤسس مركز بحوث يكرّس وقته لتمكين الشبّان، في عالم يحظى فيه الشبّان أكثر فأكثر بأسوأ الصفقات عالميّاً (http://www.youthonomics.com)، يمكنني أن أشهد بأنّ شباب اليوم بات يدرك بصورة متزايدة أنّ قدرته على تغيير العالم، على مستوى الوطن الذي ينظّمه أشخاص أكبر سنّاً ولمصلحتهم الشخصيّة، تُعتبَر محدودة، لكن أيضاً وأنّه عندما سيتخطّى نطاق الأوطان سيكثر الطلب عليه، ويصبح العالم أشبه بمسابقة جمال بين المناطق والمدن والشركات (وليس الأمم)، فيستقطب الأكثر حيويّةً وموهبةً، ضمن نظام عالمي يستند إلى الحكم وفق الجدارة.

 

الأكيد أنّ الشبّان، شأنهم شأن الجيل الأكبر منهم سنّاً، ليسوا بمعزل عن كلّ العناصر التي يمكن أن تجذب أحدهم إلى القوميّين. لكنّ السياسيّين العاديّين «المعتدلين»، الذين غالباً ما يرفضون الإقرار بالواقع الذين يفيد بزوال الدولة الأمّة، يتحمّلون قسماً من المسؤوليّة في شأن استمرار القوميّة كقوّة سياسيّة. وهم يزعمون قائلين أنّهم يواصلون التصرّف وكأنّ الأمم ليست سوى زاوية تخوّلهم رؤية العالم من منظار محدَّد، لأنّهم في النهاية يرفضون فكرة تراجع نفوذهم أو انتقاله إلى فئات أخرى – على غرار المنظّمات غير الربحيّة والشركات والمدن والمناطق والاتّحاد الأوروبي والأمم المتّحدة، والكثير من الهيئات العابرة للحدود التي لا تزال حاليّاً في طور التأسيس. وهم يتصرّفون وكأنّ شرعيّتهم بماهيّتها أفضل نوعيّةً من الكيانات الأخرى.

 

وفي الماضي، كانت الديموقراطيّة أسوأ نظام سياسيّ، إن استثنينا جميع الأنظمة الأخرى. بيد أنّ التكنولوجيا اليوم تسهّل ظهور أشكال جديدة من التمثيل. ولنأخذ في هذا السياق مثال الديموقراطيّة التفويضيّة، وهي أداة رقميّة تخوّل المواطنين المشاركة مباشرةً في عمليّات اتّخاذ القرارات في عدد كبير من السياقات والمجالات – علماً بأنّ السياسيّين القوميين بمعظمهم يرفضون السماع بها، لأنّ الديموقراطيّة التفويضيّة، شأنها شأن عدد كبير من الأدوات الشبيهة بها، تحدّ من شأنهم ومن احتكارهم لآليّات «الديموقراطيّة» بحدّ ذاتها. واليوم، ما عاد أحد يريد منح السياسيّين الإذن الكامل بالتصرّف لأربع سنوات، ويشعر الجيل الشاب أكثر من غيره بأنّه عليه أن يكون قادراً على التصويت لسياسيّ معيّن في شأن هذه المسألة، إنّما ليس تلك.

 

وبغضّ النظر عمّا إذا كان السياسيّون سينوّهون علناً بالدولة الأمّة على مدار العام في خطاباتهم، تعود تعابير على غرار «دولة الله»، أو «الدولة على رأس التلّة»، أو «فرنسا الأبديّة»، أو «قيمنا المشتركة» (أي غير القيم الإسلاميّة الغريبة) لتظهر في خطاباتهم، ما إن يطلقوا حملتهم الانتخابيّة. ويحصل أمر غريب متى أمضيت ما يكفي من الوقت في إخبار الناس بأنّ دولتهم أفضل من الدول الأخرى، فهم يبدأون بتصديق هذا الواقع في نهاية المطاف، ويعودون بعد ذلك للتصويت «للأصالة». ولكن ليس لنسخة هيلاري أو حتّى جورج بوش الابن، وليس لنسخة ساركوزي عن «دولتنا التي تغلب دولتكم»، وليس للنسخة الديموقراطيّة الاشتراكيّة السويديّة عنها، بل لنسخة دونالد أو تيد، أو لنسخة مارين لوبين في فرنسا أو جيني أكيسون في السويد، وهم سياسيّون لا يكتفون بإطلاق وعود بالعظمة القوميّة، إنّما يصرّون أيضاً على أنّ هذه العظمة لا يمكن أن توجد إلّا إن تمّت معارضة ذوي البشرة الداكنة.

 

يسهل النظر إلى البشاعة السياسيّة اليوم والتفكير في أنّ التشاؤم يطغى علينا. ومع ذلك، تكثر الأسباب لنتحلى بالأمل. فإن نظرنا إلى السنوات الخمس مئة الفائتة، بدلاً من الاكتفاء بمراجعة أحداث آخر خمسين عاماً، فلن تبدو الأمور قاتمة إلى هذا الحد. والواقع أنّ الوجهة التي نسلكها عموماً واضحة، والمسار العام الذي نتبعه يبدو واعداً إلى حدّ كبير.

 

في ضوء هذا التوجّه السائد في الألفيّة، يبدو بروز دونالد ترامب ونظرائه الأوروبيين أشبه بالتجشّؤ غير اللائق بعد وجبة طعام، في أعقاب قرن كامل طغت عليه القوميّة. واليوم، يشهد العالم تحوّلاً سريعاً ليصبح كذاك الذي اختبره جيل «حرب النجوم»: ففي «حرب النجوم»، لم يكن يهم إلى أيّ كوكب ينتمي أحدهم – وإن كان بشريّاً أو مندالوريّاً أو من الووكي، أو روبوتاً أو من الهوت. وكلّ ما كان يهمّ هو الوجهة التي يسلكها، وأيّ جانب من القوّة يحرّكه.

 

لحسن الحظّ أنّ الجيل الشاب يعرف تماماً ما هو مقام دونالد ترامب في هذا الشأن. فقد كشف استطلاع أجرته «يو أس إيه توداي»/ «روك» مؤخّراً أنّ المشاركين دون سنّ الخامسة والثلاثين سيصوّتون لهيلاري كلينتون ويفضّلونها على دونالد ترامب، بهامش 19-52.

 

ويُظهر استطلاع آخر أجرته «واشنطن بوست» و «إيه بي سي نيوز» أنّ كلينتون وترامب عالقان في شكل أساسي ضمن شريحة عمر الأربعين عاماً وما فوق، في حين أنّ الأشخاص ما دون سنّ الأربعين يفضّلون كلينتون بهامش 2 إلى 1 تقريباً. وبالتالي، يُعتبَر المستقبل ببساطة مرهوناً بالأرقام، وما من سياسيّ، بغضّ النظر عن مدى إقدامه على رفعه علم بلاده، سيغلب هذه التوقّعات.

 

* المدير التنفيذي لمركز بحوث «يوثونوميكس»

نقلاً عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان