رئيس التحرير: عادل صبري 12:41 مساءً | الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م | 18 ذو الحجة 1440 هـ | الـقـاهـره °

حرب جديدة في القوقاز قد تكون الأسوأ

حرب جديدة في القوقاز قد تكون الأسوأ

مقالات مختارة

إلهام عليف الرئيس الأذربيجاني

حرب جديدة في القوقاز قد تكون الأسوأ

فيكين شيتيريان 10 أبريل 2016 12:51

ليلة الثاني من نيسان (أبريل)، اندلعت حرب فعليّة جديدة في القوقاز، بعد أن أطلق الجيش الأذربيجاني هجوماً واسعاً على ثلاث جبهات في منطقة قره باخ الجبلية الحدودية، مستعيناً بالأسلحة المدفعية والدبّابات والقوات الجوّية.

 

وفي ذلك اليوم، أعلنت وزارة دفاع أذربيجان أنّ قوّاتها «حرّرت» خمس تلال استراتيجيّة عند الخط الحدودي. وفي اليوم التالي، تحدّثت مصادر عسكرية أرمينية عن خسارة نحو ثماني مناطق على امتداد منطقة القتال، مع أنّ عمقها لا يتخطّى 200 إلى 300 متر.

 

وفي اليوم الأول من المعارك، قُتل ثلاثون جنديّاً من الطرفين، كما نشرت مصادر دفاعيّة صور مروحيّتين أذربيجانيتين تمّ إسقاطهما، شأنهما شأن طائرتين من دون طيّار إسرائيليّتي الصنع. وكذلك، خسر الطرفان عشرات الدبابات، الأمر الذي يعكس حدّة الاقتتال. وفي 3 نيسان (أبريل)، أعلنت المصادر العسكرية الأذربيجانيّة «وقف إطلاق نار أحادي الطرف»، مع أنّ الاشتباكات العنيفة بقيت مستمرة ميدانياً. واعترت حماسة قومية الشعبين الأذربيجاني والأرميني، وأظهر كلّ منهما دعمه لجيشه ولمعركته.

 

يُعتَبر هذا أسوأ تصعيد عسكري منذ وقف إطلاق النار في العام 1994. ويشير انتشار الهجمات في أكثر من موقع، مع استعانة بالجيوش الميدانيّة، والأسلحة المدفعيّة، والقوّات الجوّية، إلى هجوم تمّ عن سابق تصوّر وتصميم، أكثر منه حادثة محدّدة فُقِدَت خلالها السيطرة على الأوضاع. فما الذي أدّى إلى احتدام الأمور الآن؟ من يحتاج إلى حرب جديدة في القوقاز؟ ما هي الآليّات المحلّية وما تداعيات التوتّر المسجّل على الساحة الدوليّة؟ هل من أمل بتجنّب حرب جديدة؟

 

إرث سوفياتي

يعود الصراع إلى مطلع القرن العشرين، عندما دخلت الإمبراطوريّة الروسيّة المتعدّدة الإتنيّات مرحلةً من الاضطرابات. والواقع أنّ أولى أعمال العنف بين الأرمينيّين والأذربيجانيّين تعود إلى ثورة العام 1905، عندما تحوّل ما كان في البدء تضامناً طبقيّاً إلى مواجهة إتنيّة. وفي أعقاب انهيار النظام الإمبراطوري في العام 1917، ظهرت للمرّة الأولى جمهوريّتان مستقلّتان، إحداهما أرمينيّة والثانية أذربيجانيّة، وخاضتا حرباً لإحكام السيطرة على مدن ومناطق تقطنها شعوب متنوّعة الأصول، هي ناخيتشيفان، وزانكيزور، وقره باخ. وقد سهّل نشوب هذه الحرب فرض النظام السوفياتي على جنوب القوقاز، لأنّه عندما غزا الجيش الأحمر أذربيجان في نيسان (أبريل) 1920، لم تُظهر أيّ مقاومة، بالنظر إلى أنّ الجيش الأذربيجاني برمته كان متمركزاً على جبهة قره باخ.

 

فرض النظام السوفياتي تسوية من الواضح أنّها كانت تراعي مصالحه المرتبطة بالهيمنة، فمنح زانكيزور لأرمينيا السوفياتية، وجعل ناخيتشيفان «جمهورية تتمتّع باستقلال ذاتي» إنما تشكّل جزءاً من أذربيجان، وقره باخ «منطقة مستقلة ذاتياً» لا تزال هي التالية تشكّل جزءاً من أذربيجان. وحصلت أذربيجان على الحصّة الكبرى بسبب كونها أكبر حجماً، وبسبب النفط الذي يرتدي أهمية استراتيجية في باكو، وأيضاً بسبب التحالف السوفياتي مع القوميّين الأتراك التابعين لمصطفى كمال. لم يحلّ النظام السوفياتي المشكلة القوميّة، إذ بقي الأرمن ضحايا التفرقة في ظل النظام الأذربيجاني: إذ كانت ناخيتشيفان تضم 40 في المئة من الأرمن في العام 1914، ولم تتعدَّ نسبتهم 2 في المئة في العام 1998، عندما نشب صراع قره باخ. وفي 20 شباط (فبراير) 1988، وبتشجيع من سياسات الإصلاح الجديدة التي أطلقها غورباتشيف، صوّتت قره باخ السوفياتية لمصلحة قرار بنقل منطقتها من أذربيجان السوفياتية إلى أرمينيا السوفياتية المجاورة. وبعد أسبوع، انطلقت مجازر ضدّ الأرمن على مسافة مئات الكيلومترات، في بلدة سومغايت الصناعيّة القريبة من باكو. وحلّت فجأة نهاية «أخويّة الشعوب» السوفياتيّة. وتحوّلت مسألة أمكن حلّها من طريق المفاوضات والتسويات السياسيّة إلى أوّل صراع إتني في الاتحاد السوفياتي المتفكّك.

 

تفاقم التطهير العرقي سريعاً، بعد أن وضعت سلسلة مذابح حدّاً للتواجد الأرميني في أذربيجان، وتمّ في المقابل ترحيل ذوي الأصول الأذربيجانيّة من أرمينيا، ليكون الصراع الإتني الكبير الأوّل ضمن سلسلة حروب من الطراز عينه بقيت كإرث خلّفه النظام السوفياتي وانتشرت في جورجيا، والشيشان، ومولدوفا وطاجيكستان.

 

الحرب والديبلوماسيّة

اندلعت حرب شاملة بحلول نهاية العام 1991، وسُحبت كتائب الجيش الأحمر من قره باخ. وكان أرمن المنطقة مطوّقين ومعرّضين لهجمات دائمة. وما كان أمامهم سبيل للصمود غير خوض هجوم، وهذا ما فعلوه بالتحديد. وعندما تقرّر وقف إطلاق النار، كانوا قد استولوا على قسم كبير من أراضي قره باخ، رابطين هذه المنطقة بأرمينيا، إلى جانب احتلالهم لسبع مقاطعات أذربيجانيّة.

 

يمكن تعليل الانتصارات العسكرية الأرمينية، بقسم كبير منها، بالصراع الداخلي في أذربيجان. فكلّ هزيمة عسكريّة تأثّرت بصراع على النفوذ داخل النخبة الأذربيجانيّة، حيث استبدِل القائد البرجنيفي يعقوب محمدوف بإياد مطالبوف في العام 1991، وخسر هذا الأخير السلطة في آذار (مارس) 1992 بعد أن تكبّد سلسلة هزائم في مواجهة قائد المعارضة القومي أبو الفضل الجيبي. وتمّت الإطاحة بهذا الأخير في إطار هزائم جديدة في العام 1993، مع مجيء قائد الحقبة السوفياتية حيدر علييف إلى الحكم. ومن الجهة المقابلة، أظهر الأرمن وحدةً وطنيّة مذهلة، حتّى أنّ انتقال السلطة من حكم الحزب السوفياتي إلى الحركة القومية تمّ بلا عنف، بل من طريق انتخابات نيابيّة، في العام 1989.

 

إلى ذلك، نظّم علييف الأب حملة عسكريّة، لكن بعد فشلها، وقّع اتّفاقيّة وقف إطلاق نار في آذار (مارس) 1994. وحاول حيدر علييف المسن، إنّما المحنّك، تحقيق ثلاثة أهداف تمثّلت بإبرام عقود نفط مع الغرب، وهو أمر حقّقه في أيلول (سبتمبر) 1994، وإبرام اتّفاقيّة سلام مع الأرمن وحلّ مشكلة قره باخ. وكان سيوقّع اتّفاقية سلام في العام 2001، لكنّه واجه معارضة شديدة من الداخل فتراجع. وأخيراً، أراد تمرير الرئاسة إلى ابنه إلهام المفتقر إلى الخبرة، وهو أمر تم بعد وفاته في العام 2003.

 

علييف يخوض حرباً

لم يكن وصول إلهام علييف إلى الرئاسة في دولة آذربيجان المعقّدة والمقسَّمة مشروعاً إلاّ بصفته ابن حيدر علييف. وخلال سنوات حكمه العشر الأولى، حالفه الحظ، إذ بُني في العام 2005 خطّ أنابيب نفط كبير بسعة مليون برميل في اليوم، وبدأت أموال النفط تتدفّق إلى البلاد في العام 2006، وكان سعره مرتفعاً. وبالتالي، اشترى إلهام علييف الاستقرار الداخلي في بلاده عبر نشر البترودولارات على النخبة الأذربيجانيّة، وتوزيع العائدات النفطيّة وغيرها من ثروات البلاد على أفراد العائلة المقرّبين وشركائهم، وفق ما كشفته أوراق بنما مؤخراً.

 

إلى ذلك، اتّخذ إلهام علييف موقفاً متشدّداً من صراع قره باخ، وجعل موازنة أذربيجان العسكرية محاكية لموازنة دولة أرمينيا برمّتها، كما هدّد أنّه في حال لم يسلّم الأرمن منطقة قره باخ من طريق المفاوضات، فسيحتلها عبر شنّ حرب. وقد أدّت تهديدات من هذا القبيل إلى توقّف كلّي للمبادرات الديبلوماسيّة الساعية للتوصّل إلى حلّ سلميّ للمشكلة.

 

تسبب تراجع إنتاج النفط الأذربيجاني، مرفقاً بانهيار أسواق النفط الدولية، بمشكلة حاّدة طاولت الاستقرار الداخلي في أذربيجان. وفي كانون الأول (ديسمبر) 2015، خسرت العملة الوطنية الأذربيجانيّة ثلث قيمتها، ما حفّز احتجاجات حاشدة في أرجاء البلاد. ولاحظ محلّلون كثيرون أنّ تفاقم المشاكل الداخلية في أذربيجان جاء بالتوازي مع تصعيد أعمال العنف على جبهة قره باخ. وفي هذا السياق، يحتاج إلهام علييف إلى أمر من اثنين: فإمّا يحقّق نجاحاً ساحقاً يخوّله زيادة شعبيّته المتهاوية، أو يخوض حرباً قصيرة لتحوير انتباه الشعب الأذربيجاني بعيداً من المشاكل الداخليّة وتصويبه نحو الصراع الخارجي. ولا تنفكّ باكو تمارس هذه اللعبة منذ سنتين، وهي تكرر باستمرار أنّه في الأيّام القليلة الماضية، بلغت المشاعر القوميّة أوجها في باكو، ولم يحبطها إلاّ وقف جديد لإطلاق النار. ومع تكرار المعارك المحدودة، تقوّض أيّ احتمال بالتوصّل إلى تسوية من طريق المفاوضات، وبات المجال مفتوحاً لتفاقم العدائية في مرحلة أزمة اقتصاديّة.

 

جاءت حرب قره باخ الماضية (1991 -1994) بنتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي. وكانت مؤسسات حكومية جديدة في طور الظهور آنذاك، وكان الصراع سيحدّد مدى نفوذها وسيطرتها على الأراضي والشعب. بيد أنّ طبيعة الصراع اليوم مختلفة، لأنّ الحكومتين سبق أن تشكّلتا، ولأنّ الوحدات العسكريّة تتبع تركيبات قياديّة صارمة، ولأنّ قرار رئيس كلّ من البلدين هو الذي سيحدّد إن كانت حرب جديدة ستندلع أو إن كانت اللحظة مناسبة لوقف إطلاق النار. ومع ذلك، لا شكّ في أنّ سياسات التجييش الطويلة الأمد، والخطابات المفعمة بالكراهية، والتصعيد العسكريّ تولّد كلّها بيئة مناسبة لتفضيل الحرب على المفاوضات الصادقة. في حال لم تُعكَس التوجّهات الراهنة، سنقترب أكثر فأكثر من حرب ثانية. وبعد أن تسبّبت الحرب الماضية بمقتل 35 ألف نسمة، قد تكون تداعيات الحرب التالية أسوأ بكثير.

نقلاً عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان