رئيس التحرير: عادل صبري 03:03 مساءً | الجمعة 20 أبريل 2018 م | 04 شعبان 1439 هـ | الـقـاهـره 37° غائم جزئياً غائم جزئياً

بين "ذات" الخمسينات و "ذات" الألفينات

بين "ذات" الخمسينات و "ذات" الألفينات

فيروز جبر 26 أغسطس 2013 09:03

حنــيـــن و أنيـــــــن

يرصد المسلسل حياة مصر بدءا من 1952 (ميلاد ذات) حتي فوران ثورة يناير 2011 ( إعادة ميلاد ذات ) من خلال إلقاء الضوء علي المتغيرات الاجتماعية و السياسية التي صاحبت حكم عبد الناصر و السادات و مبارك فى جو لم يخل من الضحك و البكاء لثلاثة أجيال .

تخرج ذات الخمسينات الفتَية لترينا مجتمع الطبقة المتوسطة فى العباسية وقت أن كانت مصر تتمتع بقدر كبير من التسامح يتسع لمختلف الثقافات الكوزموبولوتية للجاليات الأجنبية و يحتضن الديانات السماوية الثلاث.

فنري "ذات" الطفلة حزينة علي فراق جيرانها اليهود حنا وسارة  اللذان قرر والدهما الهجرة الي فرنسا و ليس لاسرائيل لأن المصريين مبئوش قادرين يفرقوا بين اليهودي   و الصهيونى فتعلق ذات بتلقائية " بابا بيقول أن كلنا بنعبد ربنا بس كل واحد بطريقته".

ثم تتوالي الأفراح و الأتراح إبان حقبة عبد الناصر لنري من خلال أفلام أرشيفية بعضها نادر تأميم قناة السويس و عدوان 56 ثم نكسة 67 و خطاب التنحي فجنازة عبد الناصر و تولي السادات.

تبدأ بعد ذلك فترة السبعينيات مع ذات الشابة الجامعية البسيطة التي تنحصر كل أحلامها فى الزواج،  و مع احباطها فى حب مراهقتها توافق علي أول عريس ميسور   " عبد المجيد" الذي لم يكمل تعليمه فقط لأن بقى عندها 21 سنة و كل اصحابها اتجوزوا و مينفعش تقعد كده زي قرد قطع !!

و الحقيقة أن المخرجة كاملة ابو ذكري أبدعت فى اخراج الجزء الأول من المسلسل من الخمسينيات الي الثمانينات ( أول 17 حلقة)  قبل أن يكمل خيري بشارة اخراج المراحل الحديثة. و قد عمدت الي اعطاء طعم خاص لكل حلقة باختيار أغنية معينة فى بدايتها تعبيراً عن حالة "الاستدلال الزمني" لكل حقبة بدأً بصوت  أم كلثوم فعبد الحليم فعلي الحجار فعدوية فسميرة سعيد  و محمد الحلو و منير فعمرو دياب و أنوشكا. كما صاحب حالة النوستالجيا مشاهد فوازير شريهان  و المسلسلات و الاعلانات القديمة التي نحفظها عن ظهر قلب.

كما أن المكياج الرائع باشراف الفنان محمد عشوب و تسريحات الشعر و الملابس بألوانها المبهجة النابضة بالحياة فى السبيعنات و القاتمة الباهتة فى التسعينات و الألفينات دعمت مصداقية العمل و تناغم تفاصيله.

و قد كان موازيا لإبداع المخرجين إبداع السيناريو و الحوار لمريم نعوم التي رصدت أدق التفاصيل الحياتية  فى حوار بسيط و عميق   و غير متكلف، و جاءت جملها علي بساطتها شديدة التأثير بحيث يمكن لأي منا أن يري نفسه باختلاف المواقف و المراحل العمرية  فى عبارة جاءت علي لسان احدي شخوصها مثل:

 مشهد ذات و هى بالاسكندرية " البحر مبقتش ريحته زي زمان .. بقت ريحته مجاري !!! "

 عزيز " معتقلات السادات كانت مصيف بالنسبة لمعتقلات مبارك لأننا لا كنا بنتعلق و لا بنتكهرب .. مكنش فيه اهانة" 

ذات و هي حزينة علي تبدل شكلها " طب الحمام و جددته لكن أجددني أنا ازاي ؟! " 

 عبد المجيد " طول عمري ماشي جنب الحيط بس عمري ما خالفت ضميري " فيرد ابنه أمجد " و رغم كده اتلفقتلك قضية و اتسجنت ظلم .. احنا لسة بنتهان لأننا طول عمرنا بنسكت" .

  مونولوجات الحمام لذات الزوجة و الأم التي تحاول أن تظهر قوية و تبكي بمفردها مفوضة شكواها الي الله.

و علي المستوي الدرامي يمكن القول أن الشخصيتنان المحوريتان للزوجين "ذات و عبدالمجيد" يقابلهما نموذجان ضدان هما أصدقائها   " عزيز و صفية " فى مرحلة الصبا بالجامعة  ثم الجاران " سميحة ووجدي الشنقيطي"  فى مرحلة ما بعد زواجها،  ليعكس كل ثنائي من ثلاثتهما طريقة تفكير شريحة ما فى المجتمع المصري .

فذات و عبد المجيد يمثلان الشريحة الكبري من المصريين اللي كافيين خيرهم شرهم و ملهمش فى السياسة و بياكلوها بالحلال، و هى شريحة ينقصها الطموح بشكل عام: فكلاهما لم يكملا تعليمهما الجامعي و قد سافر الزوج الي الخليج فقط ارضاءً للمناخ الاستهلاكي الذي صاحب فترة ما بعد الانفتاح فى السبعينيات علشان ذات تجدد البيت و تدخل البنات مدارس لغات، و هي و إن كانت مطالب مشروعة إلا أنه لم يقابلها اهتمام مماثل بدعم مواهب الأبناء أو تعريفهم بحقهم كمواطنين.

و علي النقيض، نجد "عزيز و صفية" علي طول فى المظاهرات و المعتقلات،  و هما يرمزان الي التيار اليساري الرافض لسلبيات المجتمع و المطالب بحقوقه بدأً من حق الحرب لاسترداد الكرامة مرورا بحق أبسط الخدمات الاجتماعية من إبقاء للدعم و محاربة الفساد و سد البلاعات،  هو التوجه الذي تبناه دوما  ُصنع الله ابراهيم كاتب الرواية في أعماله و في حياته و   ٌادخل بسببه المعتقلات أكثر من مرة .

أما الجاران "سميحة و وجدي الشنقيطي" فيمثلان الفئة المهرولة إلي اقتناء كل شيء بأي وسيلة حلال أو حرام. 

و بناء عليه،  لا يجد الشنقيطي الذي يعمل فى الحي غضاضة  فى فتح درج مكتبه للرشاوي علشان يلبس سلاسل ذهب و يجيب العربية و الفيديو و يجدد البيت وقتما أراد من غير ما يحتاج يحوش 5 سنين كما فعلت ذات أو يتغرب فى دولة خليجية مثل عبد المجيد. كل هذا و الزوجة سميحة لا تود سؤاله من أين لك هذا كي لا تشعر بالذنب من صدمة الرد لأنه  علي حد قولها "بيصرف عليها و علي أهلها" . و لأن شهوة الامتلاك لا سقف لها لم يكن غريبا علي وجدي أن يقوم باعطاء  تراخيص مخالفة لبنايات تتهدم فوق رؤوس سكانها عقب زلزال 1992، و رغم دخوله السجن اثر فعلته فقد وجد عند خروجه من يقف بجانبه من كبار المسئولين ليصبح الفاسد السوابق عضو بالبرلمان يأمر فيطاع! 

و علي مستوي الجيل الثالث المتمثل فى ابنتي ذات و ابني حسن أخيها نجد أن الأبناء جاءت توجهاتهما متضادة أيضا؛ بحيث قبل ثنائي منهما (منصور ابن حسن و دعاء ابنة ذات)  واقعه الموروث بينما قرر الثنائي الآخر ( سعد ابن حسن و ابتهال ابنة ذات)  الثورة علي تلك الموروثات مكونين وجهة نظر مستقلة و غير نمطية .

 فدعاء مثل ذات تركت الآخرين يحددون مستقبلها و يقررون بدلاً عنها لتبدأ سلسلة التنازلات من طالبة بكلية  طب الي طالبة بكلية علوم علشان تتجوز بسرعة و أهو كله زي بعضه! و من حلم بالعمل و المجستير الى ربة منزل يرفض زوجها  فكرة عملها أو أن تكمل دراستها العليا، بل و يحدد أيضا بعد تربية ذقنه محيطها الاجتماعي و ماذا يجب أن تشاهد فى التليفزيون و كيف ترتدي أو أين ستعيش مستقبلاً بعيداً عما يراه من وجهة نظره مجتمع متسيب!

و بالتواز، نري منصور ابن أخو ذات مثل أبيه غير متكيف علي الثقافة المصرية مفضلاً عليها الحلم الأمريكي الذي انتهى بأبيه حسن أن يكون أحد ضحايا طائرة برجي الموت بواشنطن عام 2001. كما لا يجد الابن حرجا فى التطوع  بالجيش الأمريكي ليحارب عرب مثله بالعراق عام 2003، بل لا يكترث أصلا الي التحدث بالعربية لأنها لا تمثل وفق ما يري جزء من هويته .

ابتهال ابنة ذات

و علي النقيض، نري الثنائي المختلف تماما ابتهال و سعد:  فابتهال فتاة عملية غير نمطية منذ طفولتها. لذلك، فبدلا من أن   ُتكيف نفسها علي قبول مصروف أقل و هى صغيرة لأن والدها خسر تحويشة عمره فى شركة توظيف أموال اسلامية تلجأ الي عمل شرايط كوكتيل و بيعها لأصدقائها.  

ثم تصر بعكس رغبة والديها علي دخول معهد السينما لأنها تهوي التصوير و تري فيه مستقبلها لتصبح تلك المتمردة العصية عقب تخرجها مصدر رزق الأسرة الوحيد بعد أن فقد والدها عمله و انهكت سنوات العمل والدتها.          

و تدريجيا تنخرط بحكم عملها فى الصحافة فى الحركات و المظاهرات المناهضة للنظام الفاسد مشجعة أخيها أمجد أن يحذو حذوها لينتهي بها الأمر فى أمن الدولة كأي معارض قبل 2011. و بالمثل، يقرر ابن خالها سعد البقاء فى مصر و عدم العودة الي أمريكا ليمثلا معا نموذج الشباب المصري الرافض للاهانة   و العازم علي إحداث تغيير و لو بعد حين.

أما علي مستوي الأداء التمثيلي فالجميع كانوا حقا رائعين و علي رأسهم نيللي كريم    و باسم سمرة و انتصار. فقد أظهرت نيللي نضجا و جرأة و مصداقية كبيرة  بهذا الدور بمراحله المختلفة من سن 18و حتي 60.  و قد ُبهرنا و نحن نري الباليرينا الرشيقة تتحول بفضل الملابس الفضفاضة و المكياج الي السمنة بعد الخلفة مثل كثير من المصريات. كما أنها عكست تركيبة الشخصية باقتدار ما بين مراحل أحلام اليقظة انتظاراً  لفارسي أحلام لم يكونا يوما من نصيبها (علي و عزيز)   و بين كوابيس واقع لم تكن تنتظره بدأً من صدمتها ليلة دخلتها و مروراً بكل مشاكلها الحياتية .

لكنها فى كل الظروف الشخصية المتكيفة مع محيطها الأسري و الاجتماعي: فإذا رأي المجتمع أن باروكة مرفت أمين و الميكرو جيب موضة السبعينات كان هذا زيها، و اذا ارتأت ثقافة  الثمانينيات أن  البونيه يليه الحجاب هو الأكثر وقارا  فمفيش مشكلة برده.

و شأن جميع الأمهات، تجهتد ذات طوال الوقت لتوفير حياة أفضل لأسرتها و لو بالدخول فى مشاريع غير رائجة مرة من خلال بيع حلل برستو و أخري ببيع مخلل و ايشاربات لتبقي فى النهاية ماكينة الخياطة  ٌمعينتها لفترة طويلة علي الحصول علي دخل اضافى حلال يقيها  و زوجها  العوز و السؤال.

أما باسم سمرة أو "عبد المجيد "  فقد كان بارعاً أيضا فى تجسيد الزوج المصري بكل متناقضداته:   فهو لا يقبل علي بيته مال حرام لكنه لا يجد مشكلة فى مشاهدة أفلام بورنو، و هو يصلي لكن مفيش مانع من شرب الويسكي و البيرة من آن لأخر، و هو يقرر أن تترك ذات خطيبته الجامعة لكنه يتدخل لصالح ابنته حين يريد زوجها أن يحرمها من إكمال دراستها العليا، و هو اللى مبيعرفش يعمل لنفسه كباية شاي و سايب مشاكل الولاد كلها علي مراته لكن فى نفس الوقت بيحترم حماته زي والدته و عنده لمسة حنان تجاه ذات و الأبناء!

كما انه تمتع بخفة ظل فى بعض المشاهد خاصة مع لازمة " Of cours" التي ظل يكررها طوال الحلقات كناية عن  رضاه الدائم عن قرارات أي رئيس لأنه بالطبع  "  Of course " أعلم من أي مواطن!

انتصار كانت أيضا مفاجأة فى تلقائيتها لأداء دور والدة ذات  بمراحله العمرية المختلفة من 30 الي 80، و بأفكارها التي كان بعضها صوابا  و بعضها خطأ:  فهي من أصرت علي عمل الختان لابنتها فى طفولتها فى الستينات ما جعل علاقتهما تتسم بالفتور فى معظم المراحل التالية باستثناء الشيخوخة بعكس علاقة ذات الدافئة بوالدها. كما أنها لم تكن ترغب فى دخول ذات الجامعة و لم تمانع فى عدم إكمالها تعليمها لأن من الآخر بيتها و جوزها أولي بيها .

لكن هذا لم يمنع أن ما زرعته فى ابنتها من أخلاقيات وسطية هو ما بقي لها فى تعاملاتها فيما بعد .

فمثل والدتها أيام  الزمن الجميل، لم تجد ذات مشكلة فى التعامل مع زميلتها المسيحية فى العمل و شيلها وقت اللزوم كما تفعل هي الأخري.  كما لم تجد غضاضة  فى الاستعانة بسيدة مسيحية لتساعدها فى أعمال المنزل طالما أنها أمينة، بل لم تمانع  في مشاركتها سماع الترانيم بعد صلاة الجمعة " لأنه كله كلام ربنا ". 

و لأن العشرة مبتهونش، لم تدخر ذات جهداً فى محاولة مساعدتها لايجاد حل لمشكلة ابنها اللى اتسجن ظلم .. لكن  محاولتها بائت بالفشل لأن النظام الاستبدادي لا يفرق في ظلمه بين فتي و فتاة أو بين مسلم و مسيحي.

و لا يمكن أن نغفل الأداء الجيد لزملاء ذات فى العمل بالتليفزيون لأنهم جميعا و معظمهم سيدات يمثلون الطبقة المصرية المتوسطة  بمشاكلها،    كما يعكسون واقع  الكم الزائد من العاملين بالمؤسسات الحكومية التي قد يعمل بها 10 بينما حاجة العمل الفعلية لا تتطلب أكثر من 3.  

  لذلك،  فلا غرابة أن يكون لديهن دوما وقت للحكايات و تقشير الخضار و قياس الملابس التي تحيكها ذات.

و الحقيقة أن كاتبة السيناريو مريم نعوم أحسنت صنعا بتغيير مهنة ذات من إدارية باحدي الصحف كما جاء بالرواية (و هو الأنسب الي قاريء سيستعرض تاريخ وطن من خلال عناوين صحف) الي مونتيرة أخبار بمبني ماسبيرو تري و ُترينا معها  شريط لأهم أحداث مصر علي فترات متعاقبة. كما أن نعوم تستحق الإشادة بمد أحداث الحبكة الدرامية من الخمسينات الي 2011 بدلا من حصرها ما بين الستينات  و التسعينات كما جاء بالرواية الأصلية. و هو ما أتاح لها مساحة أوسع و تربة أخصب لعرض مشاهد توثيقية أثرت  اجتماعيا و سياسيا فى المجتمع المصري فكانت جديرة بالعرض علي آلة مونتاج ذات. 

 ففي عام 1978 نري مثلا معاهدة كامب ديفيد  و ما أعقبها من ردود أفعال متباينة كثير منها رافض لها كما جاء علي لسان ذات فى احدي مونولوجاتها  " ليه يا ريس سبتنا مكبيلين بمعاهدة مش هتخلينا عارفين ناخد تار اللى راحوا ؟!"

و في 1980 يقرر السادات إجراء استفتاء علي تعديلات دستورية من 8 مواد كان من ضمنها المادة الثانية التي تقر أن الاسلام دين الدولة و العربية هي لغتها الرسمية. و السؤال هو: هل كان هناك شيء يهدد هوية الدولة فى ذاك الوقت لتكون هناك حاجةإلي التأكيد علي ذلك من خلال الدستور، أم أن المجتمع المصري قبل الثمانينات كان يتمتع بقدر كبير من التسامح بحيث أن العربية  و الاسلام كانا فعلياً و ليس دستورياً عماد الدولة دون الحاجة الي اقرار ذلك بموجب قانون ؟!

1981 اغتيال السادات و تولي مبارك.

ما بين 1987 فما بعدها : حوادث الأوتوبيسات و القطارات المتتالية التي عقَب عليها منير زميلها فى العمل قائلاً 

"سواق غير مؤهل ماشي باتوبيس غير صالح علي طريق مكسر... فتكون النتيجة مجزرة! "

  1991 حرب الكويت و العراق اللى خلت العرب هانوا علي بعضهم فلم يكن غريباً أن يهونوا علي الأغراب فى حرب الخليج الثالثة بعدها بسنوات.

1994 محاولة اغتيال نجيب محفوظ المتزامنة مع تصاعد العمليات الارهابية و التيارات التكفيرية فى التسعينات .

1997 : حادثة الأقصر الارهابية التي راح ضحيتها سياح أجانب تم التمثيل بجثثهم.

كما لم تخل المشاهد المنتقاة لآلام  المصريين من ضرب أمثلة بالفساد المستشري مثل الاهمال الطبي اللى شخص بالخطأ أن ذات مصابة بالسرطان، و بناء عليه  كادت أن تفقد جزء من جسدها بتراً، و مرورا  بعلب لبن الأطفال منتهية الصلاحية المباعة فى الصيدليات بدون رقابة،  و حتي مع محاولتها الابلاغ عن الفاسد كانت الاستجابة ببساطة ودن من

  تنتقل المشاهد السينمائية مع تطور التقنيات من آلة مونتاج ماسبيرو الي كاميرا ابتهال المصورة لنري أفلام فيديو تنتقد نظام مبارك بشكل صريح  فى تواريخ متسلسلة:

  ففي2005: تتصدر حركتي كفاية و 6 ابريل مشهد مظاهرات الاعتراض التي تزداد أعدادها تدريجيا .

تليها مشاهد اعتصامات المحلة ثم وجود أكثر من مرشح رئاسي معظمهم لا يصلح علشان يبقى الخيار بين مبارك و جمال مبارك!!

  و في  2010   ُيصدم المصريين بمقتل خالد سعيد بالتزامن مع دعوة البرادعي لاصلاحات ديمقارطية و جمع توقيعات لتأييده .

و فى نفس العام يأتي التزوير الفج لانتخابات مجلس الشعب لصالح الحزب الوطني ثم تفجيرات كنسية القديسين فى ديسمبر 2010  و أخيراً  ثورة تونس.

يحسب لهذا المسلسل أنه بعكس كثير غيره كان شبه خال من السباب و خال تماما من الإطالة  بحيث أنك إن لم تشاهد حلقة واحدة شعرت فعلا أن هناك حلقة مفقودة.  كما   ُيحسب له تناوله لأكثر القضايا حساسية برقي بالغ و دون متاجرة  بدأً من مشهد الختان فى الحلقة الأولي و مروراً  بمشاكل العلاقة الحميمة و إلقاء الضوء علي حوادث الفتن الطائفية. و المدهش أيضا أنه رغم مرارة ما عرض من وقائع لم يكن مناخه العام قاتم بل اتسم بلمسة كوميدية خفيفة فى العديد من مشاهده  ُمبقيا دوما الأمل فى تخطي الصعاب.

كما أننا لم نشعر بتناقض َبيّن فى أسلوب الإخراج بين كل من كاملة ابو ذكري و خيري بشارة،  و إن كنت شخصيا أري أن الاهتمام بالتفاصيل فى المرحلة الأولي كان أكثر اتقاناً، مع ملاحظة بعض الذلات فى الترتيب الزمني للأحداث (المونتاج) فى الحلقتين 28 و الأخيرة.

أما تيتر المقدمة و النهاية فيمثل بتصميمه المتميز و موسيقى تامر كروان الرائعة  تابلوه سمعي و بصري فريد، تتحرك ريشة فنانه لترسم بألوان خشبية و ظلال صفراء صور بالية تشبه طوابع بريد قديمة  ُرصت فى كتاب الحواديت!  فلا يسعنا عند رؤية خلفياته   و سماعه بدخلة العود الناعمة إلا استدعاء حالة من  الحنين الي الماضي بكل تفاصيله. ثم يتصاعد الايقاع فى المنتصف ليُشجينا الناي معبراً عن حالة أنين تتصاعد هي الأخري لتنتهي المعزوفة  بحدة نغمات  الآلات النحاسية  و آلات النقر  إعلاناً بقرب انفجار ثورة هذا الشعب الذي صبر طويلا انتظاراً  للعدالة. 

إن ذات باختصار هي رحلة " البحث عن الذات"  المصرية كما أشار لها السادات في سيرته الذاتية.

و قد نقول أن  العمل معني بالتعبير عن المسافة بين الحلم و فقد الحلم ..  أو بين الهمة التي صاحبت ثورة 52 بآمالها الكبيرة فى التغيير و بين الوهن التدريجي للهمة،  لتتحول معها الشخصية المحورية من " الأميرة ذات الهمة " كما أرادها والدها الي ذات الكهلة المتشحة بالسواد و العاجزة عن عمل شيء لتغيير واقعها المؤلم.

فلم يكن غريبا أن ينتهي بها المطاف فى المشهد الأخير إلى الانضمام تلقائياً الي مظاهرات يناير 2011، لأن مبئاش فيه فايدة  فى قوانين تحمي المواطن و لا أحزاب معارضة قادرة تقاوم سيطرة الحزب الأوحد و لا عشم فى جار قديم باع القضية من زمان و شايف أن بنتها الٌمعارضة تستحق الاعتقال بل و الموت !!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان