رئيس التحرير: عادل صبري 01:34 مساءً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

فتاة الساحل.. قلب لا يحتمل الهوان

فتاة الساحل.. قلب لا يحتمل الهوان

سَارّة قُويسِي 13 يونيو 2015 10:26

"على حين فجأة وفي تلك الساعة الكئيبة من ذلك الصباح الكئيب، يستقطب صوت المذياع انتباهي وهو ينعي الكاتبة الفلسطينية سميرة عزام.. غير معقول. سميرة ماتت".

بهذا الكلمات تُطلعُنا فدوى طوقان على خبر رحيل صديقتها سميرة عزّام. وصدمتها لدى سماعه.

ترى من هي سميرة عزام؟!

 

فتاة الساحل.. سميرة عزام

 

سميرة قيصر عزّام، هي أديبة فلسطينية، ولدت في 13 أيلول سبتمبر عام 1927 في مدينة عكا في الشمال الفلسطيني، وتلقت دراستها الابتدائية في مدرسة الحكومة في عكا، وفي ربيعها السادس عشر، دخلت الحياة العملية، ومارست مهنة التعليم في مدينتها دون أن تكون مؤهلة بشكل كاف لها، لكن اندفاعها وطموحها الكبيرين جعلاها تتابع الدراسة. درست اللغة الإنجليزية حتى أتقنتها وتابعت دراستها بالمراسلة ورُقيت في عملها وأصبحت مديرة للمدرسة التي تعمل فيها، واستمرت حتى عام النكبة 1948، وكذلك مارست الكتابة في سن مبكرة، فكتبت الوجدانيات والشعر والقصة القصيرة، ونشرت بعضًا من كتاباتها في جريدة "فلسطين" باسم مستعار "فتاة الساحل".

عندما وقعت النكبة عام 1948 انتقلت مع عائلتها إلى لبنان مثلها مثل الكثير من سكان الجليل والمثلث الذين اضطروا للجوء إلى الأراضي السورية واللبنانية وما تبقى من الأرض الفلسطينية كنتيجة حتمية لحملات الإبادة والتطهير العرقي التي مارستها العصابات اليهودية بحق المدنيين العزل قبل الحرب العربية الإسرائيلية الأولى وفي أعقابها.

في المنفى تنقلت بين بغداد وبيروت وقبرص، حيث عملت في التدريس في العراق لمدة عامين في مجال التدريس في مدرسة للإناث بمدينة "الحلة"، رحلت بعدها إلى بيروت، وباشرت بالكتابة لبعض المجلات، الأديب والآداب وغيرها.. و‏هناك راحت تكتب وتترجم.. وفي عام 1952 عملت بمحطة "الشرق الأدنى" للإذاعة العربية كمذيعة ومحررة وكاتبة في برنامج ركن المرأة متنقلة بين بيروت وقبرص واستمرت في هذا العمل حتى عام 1956 وأذاعت من إنتاجها الخاص ما يقرب من 300 حديث.‏

وفي العام 1957 حصلت على عقد للعمل في الإذاعة العراقية، وظل صوتها يحيي المستمعين كل صباح في برنامج يومي، حيث شغلت منصب مراقبة للبرامج الأدبية من عام 1957 حتى عام 1959، بالإضافة لإدارتها برنامج ركن المرأة، كما شاركت في تحرير جريدة "الشعب" مع بدر شاكر السياب.‏ حتى أدت الأحداث الدامية التي تلت العام 1959 في العراق إلى خروجها من الأراضي العراقية. فعادت إلى بيروت من جديد، وهناك التحقت بالعمل في مؤسسة "فرانكلين الأمريكية" للترجمة والنشر. حيث قامت بترجمة عدد من المؤلفات الأمريكية. ترجمت: لبيرل باك، وودز وورث، راي وست، وجون شتاينبك، وغيرهم 

وفي عام 1963 أعلن "أصدقاء الكتاب" في بيروت عن جوائز لأفضل كتاب قصصي فاشتركت سميرة بالمسابقة ونالت جائزة القصة القصيرة على مجموعتها "الساعة والإنسان".‏

قدمت عزّام إلى المكتبة العربية خمس مجموعات قصصية، وأكثر من اثني عشر كتابًا مترجمًا من الانكليزية إلى العربية، فضلاً عن دراسات أدبية ونقدية نشرتها في مجلة «الاسبوع العربي» البيروتية.‏

أما مجموعاتها القصصية فهي: أشياء صغيرة، والظل الكبير، وقصص أخرى، والساعة والإنسان، والعيد من النافذة الغربية، وأصداء التي صدرت بعد رحيلها بسنوات طويلة عن دار بيسان في بيروت.‏

تقول عنها فدوى طوقان: "كانت سميرة شخصية درامية في حياتها وفي موتها. ظل هم فلسطين هو همها الأول والأكبر منذ الخروج عام 1948". ففي صبيحة الثامن من آب - أغسطس 1967، عزمت على السفر إلى عمان بقصد مقابلة بعض اللاجئين الجدد، ومحاولة التسلسل إلى فلسطين والعودة إلى مسقط رأسها مدينة عكا، وانطلقت بسيارتها تقودها بنفسها وبرفقة طبيب من عائلة سابا وشقيقته، وعند مشارف جرش في شرق نهر الأردن كانت تستمع إلى أخبار الظهيرة من المذياع، وفجأَة شعرت سميرة بنوبة قلبية حادة لم تمهلها سوى دقائق فتوقف قلبها وفارقت الحياة، اختطفها الموت. ماتت بتأثير نوبة قلبية حادة، ماتت وهي تركض نحو الوطن، نحو مدينتها عكا، إذ لم تكد تسمع بفتح الحدود بين شطري فلسطين حتى هرعت إلى الأرض التي نبتت منها، لكنها تلفظ أنفاسها قبل الوصول وتغيب شهيدة المعاناة المستمرة طوال اغترابها عن هذا الوطن، تغيب قبل أن تمسح عنياها أرضه وبحره وسماءه. ومن مشارف جرس؛ حيث قضى عليها الموت. عادوا بها إلى بيروت لترقد رقدتها الأخيرة.


 

أميرة القصة القصيرة

يقول الأديب الفلسطيني يحيى يخلف: "لم يظلم كاتب فلسطيني كما ظلمت سميرة عزّام.. فقلما تناولتها الدراسات الأدبية في الصحف الفلسطينية والعربية، وقلما نسمع عنها في صالونات الأدب، أو قاعات المحاضرات.. بل قلما نذكرها في جلساتنا العامة والخاصة. فهذه الكاتبة الفلسطينية تعتبر مؤسسة للقصة القصيرة الفلسطينية الحديثة". كما يعلن رجاء النقاش بكلّ ثقة أن سميرة عزام هي أميرة القصة العربية القصيرة بلا منازع. وتؤكد أُلفى الأدلبي قوله بأن سميرة ابنة فلسطين وكبرى كاتباتها ورائدة من رائدات القصة. فهي تمثل البدايات الأولى لقاصة فلسطينية رافقت بدايات الكفاح الفلسطيني المسلح.‏ فقد تجاوز أدبها واقع المرأة إلى القضية الأكثر شمولًا وإنسانية. فقد أسقطت ذكريات الفتاة الأنثى كي تستوعب تجارب البطلة المجاهدة، وجعلت قضية فلسطين محور حياتها. فهي تطل بقامة الإنسان العملاق الذي ينغرس في الأرض ويمتص شجونها وعذاباتها ليطرحها فنًا.‏ 

 

أدب المنفى.. أحزان في ربيع البرتقال

يقول تشيخوف: إن "أفضل الكتاب هو الكاتب الواقعي الذي يكتب عن الحياة كما هي، ولكن لأن الإحساس بالهدف يسري كالعصارة الخفيفة في كل سطر في ما يكتب، فإنك لا تشعر بالحياة كما هي فحسب، بل وكذلك كما ينبغي أن تكون... فيسحرك ذلك".

وبما أن الكتابة شكل من أشكال المقاومة، وتعبير ملح عن الهموم والأفكار والمشاعر، فقد رصدت من خلال كتابتها ما أصاب القضية الفلسطينية منذ الرحيل. وحلم العودة إلى الداخل الفلسطيني مرة أخرى. فقد استطاعت سميرة أن تصور لنا في قصصها حنين أولئك جميعًا إلى ما مضى مكانًا وذكريات وعادات ورموزًا وطنية. فيتجسد الوطن في المكان فنجدها تصف الربيع والبيارة والبيت والديوان وشريط الهدنة الذي قسّم جسد فلسطين.

ومن ثمَّ التفت سميرة إلى أن ما رصدته عن وطنها وصوره القديمة التي تعرفها عنه. وبدأت تفزع إلى حقيقة أنها بعيدة منذ زمن. فهي لم ترَ فلسطين في سنوات الهجرة الأولى إلا حنينًا للحرية ولأشجار البرتقال، وللأرض الخيرة وللسماء والشمس المطهرة فبـلدها يكمن في أنشودة طفل سعيد، واستراحة قصيرة، وعودة إلى البيت عند الغـروب، وحديث واعد عن غد مشرق، يتسامر به زوج بعد عناء طويل. وحين هجروا فقدوا هذا كله.

وبناء عليه فطنت سميرة إلى حقيقة الموت المحلق في الأفق بها وبشعبها، وحاكته في صورة عذبة تعبر عن المعاناة التي يلاقيها الشعب الفسطيني في صورة شبه يومية فتروي حكاية سلمى الصواف التي تتلقى، ضمن برنامج رسائل اللاجئين إلى ذويهم الرسالة الإذاعية. إنّ ألم سلمى الصواف وزوجها تجسيد لمعاناة الشعب العاجز حتى عن ممارسة ملامح الفرح الذي شطرته الغربة.

فجأة تنتقل سميرة عزام ومعها الأدب الفلسطيني انتقالًا فذًا ومفاجئًا، من العودة إلى الماضي والحنين إلى الغضب الذي يرسم ملامح البداية للمقاومة.

جاء هذا الغضب مدمرًا، لقد دمرت الحرب براءة روحها، فغدا الحب الذي تحمله في قلبها حقدًا ينصب على مَن جرَّعها كأس الهزيمة. لذلك كانت شخصيات قصصها الفلسطينية غاضبة ومقاومة.

وبعد صراع مرير مع الواقع، أدركت سميرة وغيرها أنه لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب، فلن يعود الحق إلا بأصحابه. فالحقوق تنتزع ولا تكتسب. وتلك اللعنات التي تصب على الأعداء صباح مساء لن تشفي الجراح. ولا مفر من المقاومة والحرب.

فكانت قصة رامز بطل "خبز الفداء"، هي أنصع مثال على تحول الغضب الفردي إلى فعل جماعي يقوم به الفلسطينيون. إنها قصة رامز الذي تطوع حارسًا على المستشفى التي ملأها الصهاينة بجرحى حقدهم الأبرياء، و من ثم مدربًا للأجيال التي ستهب للدفاع عن عروبة الوطن إنها قصة سعاد أيضًا، تلك التي تطوعت ممرضة بالمشفى ذاته، ثم عملت على إيصال الزاد للمقاتلين في أشد الظروف خطورة. وفي المشفى يتعرف البطلان إلى بعضهما، يحبّان بعضهما فيما بعد، يجمعهما حب صغير، و حب كبير... وذات مرة حين كانت سعاد في طريقها إلى المقاتلين، أصابتها رصاصـة غادرة، ولكنها استطاعت أن تصل إليهم، غير أن الطعام الذي تحمله يختلط بدمها وتموت، ويكون على رامز أن يقرر: أن يمنع رفاقه أن يأكلوا هذا الإدام التعس، أو أن يدوس على قلبه ويتركهم يأكلون، حتى الرفاق أنفسهم لا يستطيعون هضم هذه الوجبة الأليمة. وتنتهـي القصة حين يسقط رامز مغشيًا عليه بعد أن يقول لرفاقه: "كلوا.. إن سعاد لا ترضى لنا أن نموت جوعًا".

والخلاصة أن الراحلة رسمت بقلمها ملامح فن القصة القصيرة العربية، فهي لا تعتمد في قصصها على الحوادث ولا على الحبكة، أو العقدة القصصية، وإنما تستغني عن ذلك بقدرتها الرائعة على التصوير والتحليل. تصوير جو القصة بأجزائه الدقيقة وتفصيلاته الخفية، وإحاطته بإطار فني واقعي، يشوق القارئ بصدقه وبساطته، وتحليل النفس الإنسانية تحليلًا يستخرج أعمق مكوناتها وأدق خفاياها وقد نجحت سميرة عزام في أن تجعل شخوص قصصها نماذج حية نابضة، يخيل للإنسان أنها تجالسه وتحادثه.



اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان