رئيس التحرير: عادل صبري 07:06 مساءً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية
يعني إيه وطن؟

فن وثقافة

مفهوم الوطن وفقا للأنظمة الحديثة يجعله قفصا بلا عصفور

تراب وحدود.. أم قيم وعقائد.. أم بشر وقبائل

يعني إيه "وطن"؟

محمد البطاوي 30 مايو 2015 17:48

“الإسلام وطن”، “الأممية الاشتراكية”، "الحدود تراب"، "ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن"، "وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني"، "أحلامي لا تعرف حدودا.. كل بلاد العالم وطني وكل قلوب الناس جنسيتي"، "أحس على وجهي بألم كل صفعة تُوجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني"، “طز في مصر”.

 

 

على اختلاف التوجهات والأفكار، اتفقت جميع المقولات المتناثرة على مفهوم مغاير ومختلف لما تروجه النظم الحديثة عن الوطن" target="_blank"> مفهوم الوطن، تلك البقعة الجغرافية التي تحدها حدود معروفة محددة ويقطنها أناس يحملون أوراقا ثبوتية، لها تاريخ يروى غالبا ما يكون من وجهة نظر النظام الحاكم.

 

غير أن التوجهات السياسية المختلفة من الإسلاميين بتنوعاتهم والاشتراكيين أو الشيوعيين وغيرهم تكشف أدبياتهم عن معنى آخر مغاير لمفهوم الوطن (الشائع)، ورغم ما يشاع من أن أدبيات الإسلاميين الجهاديين بالإضافة للإخوان المسلمين هم الذين لا يعترفون بكلمة الوطن.

"تراب عفن"؟

العبارة الأشهر في أدبيات الإخوان المسلمين التي عادة ما يستدعيها كل متحدث عن تصور الجماعة للوطن هي الجملة المنسوبة لمؤلف في ظلال القرآن سيد قطب التي قال فيها: "ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن".. وبجانب الكلمة المستدعاة من التراث والأدبيات الإخوانية، تأتي الكلمة الشهيرة التي قالها المرشد العام للإخوان حينها مهدي عاكف في حوار صحفي: “طز في مصر".

 

ولا يمكن لأحد من الإخوان أو من غيرهم أن ينفي عن الإخوان فكرة "أممية الإسلام"، فهم الذين يتغنون دوما بالنشيد "يا أخي في الهند أو في المغربِ.. أنا منك أنت مني أنت بي، لا تسل عن عنصري عن نسبي.. إنه الإسلام أمي وأبي"، هم الذين يرددون دوما "وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني"، وفي الحقيقة أنه إذا أراد باحث استقصاء العبارات التي دل على الأممية الإسلامية في أدبيات الجماعة فلن يمكنه ذلك، فهي الجماعة التي تضع علنا في نهاية أهدافها التي صاغها مؤسسها الأول حسن البنا "الخلافة الإسلامية.. وأستاذية العالم”.

 

غير أنه -وللإنصاف- فإن هذه الفكرة غالبا ما تسوق عن الإخوان في إطار "عداء الإخوان للوطن" وهو ما لا تعبر عنه بوضوح هذه الكلمات، حتى أشدها قسوة المنسوبة لسيد قطب ومهدي عاكف، جرت في سياق آخر بعيدا عن مفهوم العداء للوطن.. حيث وردت في إطار "المقارنة" بين الهدف الأسمى، تمكين الدين وعودة الخلافة وأمجاد الإسلام في عصوره الغابرة واكتساب مرضاة ربهم، وفق رؤيتهم، ثم المفهوم الجديد للوطن الذي تروجه الأنظمة الحديثة، وعند المقارنة بين هذا وذاك فإن الوطن -برأيهم- “كومة من التراب العفن" و"طز فيه".

"الإسلام وطن"

وللإنصاف أيضا، فإن الإخوان لم يكونوا بدعا من الجماعات الإسلامية في ذلك المنحى، فحتى أكثر الجماعات الإسلامية موالاة للأنظمة الحديثة، تجد في أدبياته مفهوم أممية الإسلام، أو أن الإسلام وطن، فالمجلة الصوفية التي يرأس تحريرها مشايخ الطرق وأبناؤها تحمل اسم "الإسلام وطن".. ومن الطبيعي للغاية أن تجد ذلك الحنين بين أبناء الطريقة الذين قسمتهم الحدود، وتغني أبناء كل طريقة بكرامات شيخهم الذي لم يكن "مصريا" وإعلان ولائهم التام له والانضواء تحت لوائه.

 

وإذا كان الصوفيون لديهم في أدبياتهم ومفاهيمهم ذلك المفهوم، فمن الغني عن الذكر عدم اعتراف الجماعات الجهادية بالحدود أساسا، فهي صنيعة الاستعمار الذي مزق جسد الأمة الإسلامية، وما تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف إعلاميا باسم "داعش" عنا ببعيد، فالتنظيم الذي بسط سلطانه عبر الحدود على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، يتلقى البيعة من سيناء وليبيا والسعودية ونيجيريا ويعلن هدفه الصريح ببسط سلطانه على جميع مساحات الدولة الإسلامية في العصور الماضية.

 

اللافت للنظر أيضا، أنه حتى جماعة "التبليغ والدعوة" التي تجهر في كل مناسبة بمقاطعة السياسة، والعزوف عنها، مقرها الرئيسي في الهند، وتتبع كلها ذلك المركز الذي ولت فيه دعوتها، بل ويخرج أعضاؤها في سبيل الله إلى مساجد باكستان والهند وغيرها تحقيقا لـ "عالمية الدعوة".

 

ولا تكاد جماعة إسلامية صغيرة أو كبيرة تخالف مبادئ إممية وعالمية الإسلام، وأن المرء وطنه حيث يحل دينه، حتى مع الحنين للوطن وحبه الذي هو "من الإيمان"، ولا مانع من استحضار حديث رسول الله الذي يذكر بكاءه عن مفارقة وطنه (مكة)، ومقولته صلى الله عليه وسلم: “والله لأنت أحب بلاد الله إليّ".

 

عولمة رأسمالية.. وثورية يسارية

 

وللحقيقة فإن الإسلاميين ليسوا وحدهم بين الأيديولوجيات السياسية التي تحمل مفاهيم واسعة للوطن غير ذلك المفهوم المحمول على أعناق الأنظمة الحديثة، فمن اللافت للنظر أن تجد الرأسمالية تنادي بمفاهيم وثيقة الصلة بتلك التي ينادي بها الإسلاميون، ولكن على أسس مغايرة، ولم يخجل الرأسماليون في ترديد تلك المصطلحات التي لم تختلف كثيرا في المضمون عن المفاهيم الإسلامية المنادية بنشر الشريعة، فنادوا بـ "العولمة" وجعل العالم قرية صغيرة وتطبيق مفاهيم السوق الحر والتنافسية العالمية.

 

وفي مقابل هذه الحقيقة الواضحة في مفاهيم الرأسمالية، كانت واضحة كذلك عند "الشيوعية" و"الاشتراكية الأممية"، ففي الفصل السادس من كراس “مبادئنا الأساسية.. الخط السياسي لليسار الثوري"، أعلنت في صدارتها: "نتمسك بفهم عالمي للرأسمالية، موقف ثوري أممي في مواجهتها، الأسس التي صاغتها الماركسية الثورية حول عالمية الثورة في مواجهة عالمية رأس المال”.

 

كما أن مبدأ "الأممية الطبقية" عند الاشتراكيين لا يختلف كثيرا عن الأممية الإسلامية، اعتبار طبقة العمال أمة واحدة حول العالم هو ذاته اعتبار المسلمين حول العالم أمة واحدة، الفارق أن الأول باعتبار العقيدة والثاني باعتبار المهنة، كلاهما ألغى الحدود والمكان الجغرافي الذي يعد محددا أساسيا في الوطن" target="_blank"> تعريف الوطن عند النظم الحديثة.

 

والحقيقة أن فكرة إلغاء الحدود عن أطياف اليسار كانت حاضرة وبقوة منذ القديم، فمقولات إرنستو "تشي" جيفارا الأرجينتيني المولد الكوبي الثورة هو أشهر المنادين بـ "الثورة العالمية"، ولا يزال اليساريون الثوريون يرددون مقولاته التي تذخر بفكرة ومفهوم إلغاء الحدود على أساس قيمي في مواجهة ظلم الأمبريالية: "أحلامي لا تعرف حدودا.. كل بلاد العالم وطني وكل قلوب الناس جنسيتي".

 

ويمكن القول أنه في مواجهة بيت الشعر الإسلامي الشهير: “"وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني"، يوجد التعبير الماركسي "أحس على وجهي بألم كل صفعة تُوجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني".

 

لا أحد إذن من التيارات السياسية (إسلامي – رأس مالي – يساري) يعرف الوطن بالمفهوم الجديد الغامض، الذي يعرّف الوطن باعتبار البقعة الجغرافية والحدود المرسومة دون إشارة إلى نفسيات الإنسان وروابطه العرقية والأيديولوجية.

 

اللافت للنظر أن التعريف القاسي للوطن وفقا للمفهوم الحديث باعتبار المساحة والجغرافيا -دون اعتراف بالبشر- كثيرا ما تحاول الأنظمة الحديثة التبرؤ منه، وجعله أكثر إنسانية، وإضفاء البشرية عليه، أملا في التبرؤ من اتهامات أن ذلك المفهوم يحوله لأرض دون بشر، ويجعله قفصا دون عصفور، غير أن كل تلك المحاولات تبوء بالفشل وتظل عبارات مطلقة غامضة غير محددة.

 

فعلى سبيل المثال، النظام الجديد في مصر بعد 3 يوليو 2013 والذي أطاح بحكم الإسلاميين المؤمنين بفكرة "الأممية الإسلامية" التي ألمح لها مرارا الرئيس المعزول محمد مرسي، واجه رئيسه "عبد الفتاح السيسي" سؤالا من إحدى الإعلاميات في لقاء جمعه بعدد من الصحفيين، فقال بعد طول سكوت ردا على سؤال حول ما هو الوطن: “الوطن.. يعني حضن".

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان