رئيس التحرير: عادل صبري 01:47 مساءً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

أنور وجدي ..نصف مليون جنيه وسرطان

أنور وجدي ..نصف مليون جنيه وسرطان

فن وثقافة

انور وجدي

أنور وجدي ..نصف مليون جنيه وسرطان

أسامة صفار 14 مايو 2015 16:11

 

كان مفلسا وجائعا لا يجد مكانا يقضي فيه الليل ،ويقطع شارع عماد الدين في نهاره،وحين امتلك المال ظل جائعا فقد حرمه المرض من الطعام، وحرمته الآلام من النوم,هذه هي المفارقة التي عاشها ومات بها أنور وجدي الذي رحل في 14 مايو 1955عن 51عاما وقد ولد معه جنونه بالفن والأضواء ،ذلك الجنون الذي بدأ جامحا لحد الحلم بهوليود باعتبارها نقطة الصفر في أحلامه.

لذلك اتفق طالب الثانوية العبيدية أنور وجدي مع زميلين له بعد أن أقنعهما على الهرب من القاهرة إلى بورسعيد ومنها إلى أمريكا عن طريق باخرة ،وهناك اكتشفهم أحد ضباط السفينة قبل تحركها فقام بتسليمهم للبوليس ،الذي أعادهم إلى المدرسة ،ولأن الزعيم هو أنور وجدي فقد تم طرده من المدرسة،ولم يكن والده أكثر رحمة من المدرسة فطرده من المنزل ، ليستقبل شارع عماد الدين صبي يقف بأقدامه على الأرض وتعانق أحلامه السماء ، ويكتب له القدر صفحة لن تغادرها الدموع رغم الضحكات،ولن يحتل الفرح فيها مكانا رغم النجاحات.

 

ومن شارع عماد الدين كانت البداية لرحلة كفاح مريرة وقاسية عانى خلالها فتى مصر ورجل الصناعة من التشرد والحرمان والإهانة الكثير ، وحاول أنور في البداية أن يختصر الطريق، فانطلق إلى الكاتب الراحل مصطفى أمين وحصل منه على خطاب توصية الى نجم نجوم مصر أيامها يوسف وهبي الذي قرأ الخطاب ثم ألقى به إلى سلة المهملات، وألقى بأنور وجدي إلى الشارع!

 

ولأن كل الطرق أغلقت أمام الصبي الحالم،فلا مدرسة ،ولا منزل يعود إليه،لم يجد سوى شارع عماد الدين ،وبالتحديد أمام مسرح رمسيس ، وصار يقطع الطريق ذهابا وإيابا ويرفع يده بالتحية لكل فنان يراه خارجا أو داخلا إلى مسرح رمسيس ، وكان القليل منهم يرد عليه التحية ،ولم يستطع أن يلتحق بالعمل في المسرح إلا بعد أن ساعد بشجاعة وجرأة في إطفاء حريق شب في المسرح .

ولفت نظر "قاسم وجدي" مدير المسرح إليه  ، فاقترح عليه العمل في رواية "يوليوس قيصر" بقرشين صاغ في اليوم!

وطار الصبي فرحا بهذه الثروة، فقد استطاع أخيرا أن يضمن كل يوم ثلاثة أطباق من الفول ورغيف خبز مقابل إن يقف واضعا يده على سيف فوق خشبة المسرح طوال العرض ولا ينطق بكلمة واحدة.

 

ولم يكن الكومبارس الصامت "أنور وجدي" يجد بعد انتهاء العرض مكانا يلجأ اليه للنوم، فعقد صداقة مع بواب مسرح رمسيس الذي كان يسمح له بالدخول بعد خروج أخر الممثلين قرب الفجر لينام ويغطي جسده بألواح الخشب في عز البرد.

 

واستمر أنور وجدي في رحلته صامتا ،لا يحق له سوى أن يأكل دون احتمالات لملابس جديدة أو منزل أو مرض لكن الطعام كان عزيزا للغاية لدرجة أنه عاد مرة أخرى إلى مصطفى أمين يطلب منه أن يكتب عنه ليرتفع أجره إلى خمسة قروش لكن الكاتب الكبير محمد التابعي رفض نشر المقال في مجلة "أخر ساعة " متسائلا عن "أنور وجدي" هذا ، وكيف ينشر عن كومبارس؟!

 

ولكن أجر أنور وجدي ارتفع إلى خمسة قروش ثم عشرة فقد كان يحفظ أدوار كل الممثلين والممثلات في الرواية ويفرح كثيرا إذا غاب أحدهم ،حتى انه في إحدى ليالي العرض غابت ممثلة صغيرة ،ولم يجد يوسف وهبي بديلا لها ،فارتدى أنور وجدي ملابس امرأة ووضع الماكياج وقام بأداء الدور ،ولم يعرف الجمهور يومها أن الفاتنة التي كانت على خشبة المسرح هي أنور وجدي نفسه!

 

كان أنور وجدي يندفع كشلال هادر باتجاه أحلامه الفنية لا يعنيه إذا تحول إلى نار تأكل نفسها ،حتى انه مع بدايات عمله في السينما تقاضى ستة جنيهات لأول مرة في حياته فاشترى بها ثلاثة بدل ،وكان يؤمن بالأناقة سبيلا للوصول إلى أحلامه حتى أنه قال دائما :سأصعد سلم المجد عن طريق " الترزي"!

وفي الليلة نفسها ،والتي دفع خلالها الجنيهات الستة إلى الترزي أصيب "أنور وجدي" بحالة إغماء وسقط في شارع عماد الدين فاجتمع حوله المارة،وأقترح أحدهم نقله إلى اقرب مستشفى،وفيما يتم نقله،أفاق متسائلا عن المكان الذي يحملونه اليه، فقال أحدهم سننقلك للإسعاف ،فرد: لا انقلوني لأقرب مطعم!

 

وقد حفظ جرسون مقهى الفيشاوي ذلك الفتى الذي يعمل ممثلا،ويأتي لينام على أحد المقاعد دائما ،فكان يطرده في البداية ،لكنه أشفق عليه فيما بعد، فكان يتركه لساعات قليلة ثم يقوم بطرده بعد انصراف رواد المقهى ورغم كل ذلك كان صمود أنور وجدي بحثا عن أحلامه لا يهتز.

 

وكان أنور المطرود من منزل أبيه يلتقي يه أحيانا ، فيشفق الأب على ابنه فيدعوه الى البيت، وحين يصل تمتد مائدة الطعام الذي كان أنور وجدي يلتهمه كصقر جارح بينما والده ينصحه بالابتعاد عن الفن الذي حوله إلى متسول، وكان الفتى الجائع يبدي موافقته أثناء الطعام، وحين ينتهي يعلن العصيان فيطرد مرة أخرى وهذا .

أما حبيبته "نيللي" عاملة المانيكير ،والتي كانت تقيم في " غمرة" بالقاهرة فقد كان يحلو له ان يزورها ثلاث مرات يوميا في مواعيد الطعام،ولكن غيرتها الجنونية كانت تصور لها انه يأتي من أجل جارتها ، فكانت تتشاجر معه ، حتى طردته ، فعاد إلى الجوع مرة أخرى،وكانت أقصى أحلام أنور وجدي في هذه الفترة أن يصل راتبه إلي خمسة عشر جنيها لينفق منها عشرة جنيهات على ملابسه، وثلاثة على الطعام واثنين للسكن.

 

ورغم قسوة الأرض ،كان الفتى يحلق بأحلامه في السماء ..سماء هوليود، وقد حدث مرة ان قرر يوسف وهبي أن يسافر إلى أمريكا بأحد عروض فرقة رمسيس ،واختصارا للمصاريف قر أن يصطحب كبار الممثلين فقط.

وعلم أنور وجدي فسارع إلى يوسف وهبي يلح عليه في الطلب ولكنه رفض فبكى "أنور وجدي"، فاشترط يوسف وهبى عليه ان يعمل ممثلا وفراشا ونجارا، وفي إدارة المسرح أيضا ولا يتقاضى أجرا، فوافق الفتى الحالم وطلب أن يأكل وينام فقط، لأنه كان يتصور أن فيه شبها كبيرا بمعبود النساء في أمريكا أيامها "روبرت تايلور" فكان يتوقع أنه فور أن تطأ قدماه أرض أمريكا سوف تسارع إليه هوليود و لكنه اكتشف الحقيقة هناك فعاد إلي البؤس و الفقر والتشرد راضيا إلى حين.

 

وكانت زينب صدقي نجمة المسرح القومي تقيم ولائم لكبار الممثلين و الصحفيين فدعته فى إحداها وذهب فرحا لأن بانتظاره وجبة مجانية، وأثناء الطعام تساءلت زينب صدقي عن الصحة والمال وأيهما اهم ،فكان أن قفز الشاب "انور وجدي" محتجا ومتسائلا : صحة أيه يا ست زينب؟! ثم جلس قائلا : يارب نصف مليون جنيه وسرطان..فصرخت فيه زينب صدقي: اسكت يا مجنون… وسكت المجنون ولكن الله استجاب الدعاء ،فقد مات أنور وجدي وثروته نصف مليون جنيه مصابا بالسرطان!!

 

وكانت دعوته الى الله هي البداية للفصل الثاني في ميلودراما "أنور وجدي" الإغريقية، الذي بدأت تنهال عليه أدوار الفتى الشرير، والنصاب والمحتال في السينما حتى أن أي مخرج يقرا رواية ويجد فيها دورا شريرا كان يحجزه فورا لأنور وجدي… وابتسمت الدنيا، وفرح أنور الذي لم يرى حتى الآن أنيابا خلف الابتسامة ،وتزوج من الممثلة الهام حسين ، ثم طلقها لأنه لم يجدها تصلح زوجة مليونير!!

 

ولم يقتصر "أنور وجدي" على العمل بالتمثيل ،ولكنه عمل مخرجا وكاتب سيناريو،وقد كان مساعدا للمخرج الراحل كمال سليم في فيلم العزيمة عام 1939 وأسس شركة انتاج بعد ان طارده المنتجون حيث نجح في أدوار الفتى الأول ،وكان المتعهدون العرب يوقعون على أي فيلم يرون في أوراقه عقدا لأنور وجدي ،وفي عام 1944 شارك يوسف وهبى بطولة فيلم "غرام وانتقام" وأنجز في تلك الفترة عددا من الأفلام التي جعلت نجمه يلمع بسرعة شديدة ولكنها فيما بدا كانت النبوءة بصعود الشهب وسقوطها بنفس سرعة الصعود،ورغم ذلك فقد شكل في حينه ظاهرة خاصة في عالم التمثيل،فقد ظل الشاب المولود في 11 أكتوبر 1904 فتى الشاشة الأول بلا منازع وعمل في معظم المهن السينمائية،وكان اول عمل من اخراجه هو ليلى بنت الفقراء عام 1954.

 

وأحب "أنور وجدي" ليلى مراد بجنون، وتقدم للزواج منها ورفضته ولكنه طاردها ،واشترطت عليه أن تعمل مع مختلف المنتجين وليس معه فقط ، على أن يدفع أجرها مقدما في حالة العمل معه وأن يظل حسابها في البنك مستقلا عن حسابه، وبعد الزواج كتبت الصحف عن اسعد زوجين في العالم،وكان الفتى الذي بدأ جائعا ومفلسا قد أصبح يعيش مثل أصحاب الملايين ، وتبدو على بيته الفخامة والأناقة ولكنه كان كمن يخفي دمعة حزينة خلف كل ابتسامة،وكان يعيش كشخص يطارده الجوع ،رغم الغنى الظاهر عليه، ويتصور أن كل شئ في حياته مؤقت؛ الثروة ،والنجومية،كان كراكب قطار اقترب من محطة الوصول.

 

وفشل في إخفاء تعاسته بالزواج من ليلى مراد التي حاول ان يجعل منها امراة خاصة به ،تسمع له وتطيعه،ويصبح هو الامر الناهي معها ،وأبو الأطفال، فلم ينجب ،ولم تخضع ليلى مراد لأوامره بالعمل معه فقط ، وحاول أن يضغط عليها لأقصى حد فطلقها لتخضع، لكنه لم يصبر على الفراق ، فركع، ولكنه لم يحتمل الركوع فطلقها نهائيا، وجن حين تزوجت فطين عبد الوهاب وأنجبت منه بعدما كان يظن إنها عاقر!

كان "أنور وجدي" غيورا على "ليلى مراد" الأنثى والنجمة ،كان يريدها " الست أمينة" وفي نفس الوقت يرغب في أن تكون نجمة التمثيل التي تدر على شركته الأرباح وكان يقول دائما : لا أستطيع أن أعيش معها ، ولا أستطيع أن أعيش بدونها.

 

وحاول "أنور وجدي" ان ينسى ، واشترى أرضا ليبني عليها عمارته الشهيرة في وسط القاهرة،وما ان بدأ البناء حتى هاجمته الآلام ..ألام المرض الخبيث واحتار الأطباء كيف يخبرونه،وأخبروه بنصف الحقيقة فقد فقالوا أنه مصاب بفشل كلوي ،ولكنه أصيب بسرطان في الكليتين .

ووقع في الحب من جديد، عاد إلى قصة حزينة كان قد نسيها ،حيث بدأت العلاقة بينه وبين الفنانة ليلى فوزي عام 1944.

 وكان يكبرها بعشرين عاما، وحين بدأت هذه العلاقة كانت ليلى قد ظهرت في نحو أحد عشر فيلما ، بينما كان "أنور وجدي" يتنقل بين الأدوار الثانية ولم يصل للبطولة بعد، وتقدم لطلب الزواج منها ، لكن والدها رفض وزوجها لعزيز عثمان الذي كان يكبرها بثلاثين عاما .

دارت الأيام وطلقت ليلى فوزي وطلق "أنور وجدي" ليلى مراد، فكانت عودة الحب القديم حيث التقى أنور وليلى عام 1953 في فيلم " خطف مراتي" مع صباح وفريد شوقي .

ورغم مرض " أنور وجدي" الذي ظهر به عام 1954 تم الزواج بينه وبين ليلى فوزي ويسافر "أنور وجدي" لقضاء شهر العسل في أوروبا بعد الزواج بفترة قصيرة ،وتعود ليلى فوزي مرافقة لصندوق وضعت فيه جثة " أنور وجدي".

 

وكان قد عاد إلى " الفول النابت" مع بدايات اكتشاف مرضه وكان يقول :كنت فقيرا لا أجد ثمن الرغيف، وكانت صحتي حديد ، وعندما انهالت على الفلوس ، أصبحت لا أستطيع ان أتناول لقمة عيش!

ولم يتحدث "أنور وجدي" عن المستقبل بعد إصابته بالمرض، كان يستعرض ذكريات الماضي كأنه يستعد للرحيل كان يصرخ: سأعطى نصف مليون جنيه لمن يعطيني كلية..خدوا فلوسي ورجعوا لي صحتي وشبابي.

وأصابته هيستريا بعد ان انكشفت أمامه خدعة الحياة فكان يتصور انه لن يعيش فيقرر إنفاق كل أمواله ، وفي غمرة المتعة يتصور انه استرد قواه ، وكان سلوكه أشبه بمحكوم عليه بالإعدام ينتظر التنفيذ ويأمل تأجيله .

كان طيبا يثور ويغضب ويبكي ثم يضحك .. يهدد بقتل ناقد هاجم أحد أفلامه،ثم يدعوه للعشاء. كان طيبا لكن الحرمان ترك آثارا لا تمحى على نفسه وجسده وعلى حياته كلها .

ورغم الرحيل بقى "أنور وجدي" الممثل الظاهرة والمخرج الظاهرة والسيناريست المختلف ورجل صناعة السينما ورائدها الذي نقلها إلى مرحلة البلوغ الصناعي ، وبقي الإنسان والعبرة والإرادة التي تمت حتى اللحظة الخيرة.

اقرأ أيضا :

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان