رئيس التحرير: عادل صبري 11:16 صباحاً | الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م | 15 ربيع الأول 1441 هـ | الـقـاهـره °

الرسالة الأخيرة لجندي ميت

الرسالة الأخيرة لجندي ميت

فن وثقافة

الرسالة الأخيرة لجندي ميت

الرسالة الأخيرة لجندي ميت

أحمد عبد الحميد حسين 31 مارس 2015 11:37

لا أدري من قذف بي في الجحيم هنا؟!

 

دفعوني بمحفزات معنوية مثل " الكرامة" و" الشجاعة" و"حب الوطن"!

 

ماذا تعني هذه الكلمات تحديداً التي تم صنعها على طاولة جنرالات أو أكاديميين يعملون في مؤسسات الدولة كي يمكنني أن أبرر بها قتل هذا الرجل المسكين الذي تربض جثته مضمخة بالدماء تحت قدميِّ.

 

" الكرامة " و" الشجاعة" تشبه كل تلك الألفاظ اللزجة مثل " النجاح" و"الطموح" و"العمل الدؤوب" التي يتلفظ بها خبراء التحفيز والتنمية البشرية لاخضاعك لتروس ماكينة الرأسمالية التي لا تهدأ، امتصاص آخر قطرة من عرقك يعني بالتبعية نجاح لتراكم ثروة مسئول كبير يجلس فوق القمة الهرمية لمؤسسة ضخمة.

 

تحصل على مقابل " معنوي" كبير جدا اسمه " الشجاعة"، وعدة طلقات مدفع تضرب في الهواء بعد موتك، ودزينة من الورود على قبرك الذي سيعلوه التراب بعد فترة مقابل تكدس النياشين على صدر وأكتاف الجنرالات، وامتلاء خزائنهم بثروات كبيرة بإسم الحرب.

 

أنظرُ إلى وجه المسكين المقتول غدراً برصاصاتي، ربما تنتظره ثلاث بنات مثل بناتي، أهو شرير فعلاً؟ كيف يمكن أن يصبح الإنسان عدوا وشريراً في وقت ما؟ وينقلب فجأة في وقت آخر صديقاً طيباً؟

 

الحق أن الزعماء يحددون لا نحن!

 

غالباً سيكون لهذا الرجل أرضا يزرعها، أو ماكينة في مصنع يعمل عليها، ربما أخذ عنوة من بيته ليُقذف به في جحيم الحرب هنا، وفجأة وبدون أي مبررات يتم إسباغ فكرة الشر والعداء عليه.

 

أنظرُ لوجهِهِ الأسمر المعفر بالتراب، تختلف الوجوه البشرية لكنها في النهاية تنتمي لمنظومة إنسانية واحدة، ربما نجتمع أنا وهو في سلسلة نسب ما قبل ألف أو ألفي عام.

 

 

سنؤول جميعاً إلى تراب، إلى لا شيء، إلى كلمات قصيرة، أو في الأغلب لرقم في سيرة ذاتية لجنرال، أو وزير دفاع، أو رئيس دولة.

 

أقف هنا لا أستطيع الفرار، لا أدري أين يمكن الفرار، فالأماكن كلها متشابهة، لا يمكن الاختفاء فيها، أو حتى الهروب منها.

 

القذائف تتطاير على رؤوسنا أنا وزملائي، أتمنى السلامة لنفسي.

 

تبا .. لكن نجاتي من قذيفة تعني سقوطها على رأس صديقي الذي كان يتناول طعامه معي في نفس الطبق بالأمس.

 

في طابور الصباح نتغنى بأنه يمكن أن نضحي بأنفسنا لأجل حياة زملائنا وأصدقائنا، لكن مع قدوم لحظة موت حقيقية يمكن حينها اختبار صلابة هذه الحقيقة تماماً.

 

صوت " النقيب" من خلفي يدفعني دفعاً كي أتقدم للأمام حيث الهاوية، صوت أجش، قاسي، لا يعرف الرحمة، لا يعرف سوى الالتزام بتعليمات مذكرة قائد أكبر تدفعه كي يواصل الاستمرار، والمضي قدما لانتزاع منطقة ما، ثم يدفعنا هو بالتبعية، طابة كبيرة تحرك طابة وسطى، تحرك طابة أصغر، كأنها سلسلة غذائية يهيمن أكبرها على أصغرها.

 

قلت في نفس وأنا أرقب القذائف من فوقي :" تعالى أنت مكاني، واختبر شجاعتك، أرنا إياها".

 

في لحظات مثل هذه تقاس أهمية المواقع بأهمية الرجال الذين يمكن أن نفقدهم في معركة يمكن خوضها لأجل كسب هذا الموقع أو ذاك.

 

:" الموقع هذا يمكن الاستيلاء عليه بخسارة خمسين رجلاً فقط".

 

:" الموقع هذا لا يستحق، سنخسر مائة رجل".

 

أسمع مثل هذه الحوارات كثيرا بين " نقيبي" وقائده.

 

أجساد جنود تتشابه في اللون والشكل ستتحول خلال لحظات إلى تراب، كي يمكن كسب عدة مترات من الأتربة.

 

أيهما أكثر قداسة تراب أجساد ميتة؟ أم تراب أرض متنزاع عليها؟!

 

تذهب أرواجنا سُدى لأجل لا شيء.

 

بعد بضعة سنوات قصيرة، سيجلس زعماؤنا مع زعماء القوم الذين نحاربهم، ثم يتصافحون ويُقبلون بعضهم وكأنهم إخوة.

 

إذن لماذا لا يجلسون مع بعضهم الآن قبل أن تراق كل هذه الدماء.

 

لا ندري!

 

ربما لإنهم هم من يعلمون كل شيء، يدرون بكل التفاصيل، لإنهم يعرفون أكثر.


 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان