رئيس التحرير: عادل صبري 01:16 صباحاً | الخميس 22 فبراير 2018 م | 06 جمادى الثانية 1439 هـ | الـقـاهـره 20° صافية صافية

حافظ إبراهيم.. شاعر الشعب وذاكرة الوطن

حافظ إبراهيم.. شاعر الشعب وذاكرة الوطن

فن وثقافة

حافظ إبراهيم

حافظ إبراهيم.. شاعر الشعب وذاكرة الوطن

كرمة أيمن 24 فبراير 2015 12:07

أَيُّهَـا القَـائِمُـوْنَ بِـالأَمْـرِ فِيْـنَا

هَـلْ نُـسَيِّــمُ وَلاَءَنَـا وَالـوِدَادَا


خَفِّظُـوا جَيْشُكُـمْ وَنَامُـوا هَـنِيْئـاً
وَابْتَغُـوا صَيْدُكُـمْ وَجُـوْبُوْا البِـلادَا

وَإِذَا أَعْـوَزَتْـكُـمُ ذَاتَ طَـــوْقٍ
بَيْـنَ تِلْكَ الرُّبَـى فَصِيْـدُوا العِبَـادَا

وَإِنَّـمَـا نَحْـنُ وَالحَـمَامُ سَــوَاءٌ
لَـمْ تُغَـادِرْ أَطْـوَاقُنَـا الأَجْـيَـادَا

عندما تقرأ هذه الأبيات من قصيدة "أيها القائمون" يتخيل لك وكأنها كتبت في تلك الأيام، لتتناسب مع ما يحدث في الدول العربية بصفة عامة، والحروب الداخلية.

 

وهنا تكمن عبقرية شاعر النيل "حافظ إبراهيم"، فشعره صامد عبر العصور يعبر عما نمرّ به من أحداث، فمات شاعر النيل لكنه عوضنا بمئات القصائد التي تخلد اسمه.


اليوم.. نحتفل بالذكرى الـ 143 على ميلاد الشاعر المصري حافظ إبراهيم الذي ولد في محافظة أسيوط، 24 فبراير 1872، على متن سفينة كانت راسية على نهر النيل، من أب مصري وأم تركية.

 

توفي والده بعد عامين من ولادته، فانتقل مع أمه للعيش في القاهرة، لكن ما لبثت أن وافتها المنية، ونشأ حافظ تحت كفالة خاله الذي كان ضيق الرزق، وكان يعمل مهندسًا في مصلحة التنظيم.

 

ثم انتقل خاله إلى مدينة طنطا وهناك أخذ حافظ يدرس في كتّاب، وأحسّ حافظ إبراهيم بضيق خاله به مما أثر في نفسه، فقرر الرحيل.

 

ذاكرة حديدية

 

كان حافظ إبراهيم منذ الصغر، يستحوذ على إعجاب من يعرفه عن قرب، فلم تكمن موهبته في جزالة شعره بل في قوة ذاكرته التي قاومت السنين ولم يصبها الوهن والضعف على مر 60 سنة هي عمر حافظ إبراهيم.

 

فقد اتسعت ذاكرته لآلاف الآلاف من القصائد العربية القديمة والحديثة ومئات المطالعات والكتب وكان باستطاعته – بشهادة أصدقائه – أن يقرأ كتابا أو ديوان شعر كاملا في عدة دقائق وبقراءة سريعة ثم بعد ذلك يتمثل ببعض فقرات هذا الكتاب أو أبيات ذاك الديوان.

 

وروى عنه بعض أصدقائه أنه كان يسمع قارئ القرآن في بيت خاله يقرأ سورة الكهف أو مريم أو طه فيحفظ ما يقوله ويؤديه كما سمعه بالرواية التي سمع القارئ يقرأ بها.

 

شاعر الوطنية والمناسبات الخطيرة

 

لقب حافظ إبراهيم بالعديد من الألقاب منها "شاعر النيل"، "شاعر الشعب"، "شاعر الوطنية"، "شاعر المناسبات الخطيرة"، فتناول في شعره جميع المناسبات والأحداث حتى اعتبر شعره سجل الأحداث، فكان يسجلها بدماء قلبه وأجزاء روحه ويصوغ منها أدبا قيما يحث النفوس ويدفعها إلى النهضة.

 

وكان يفعل ذلك مهما اختلفت طريقة تناوله للموضوع سواء أضحك في شعره أم بكى وأمل أم يئس، فقد كان يتربص كل حادث هام يعرض فيخلق منه موضوعا لشعره ويملؤه بما يجيش في صدره.

ومع تلك الهبة الرائعة، أصيب حافظ بحالة من اللامبالاة والملل وعدم العناية بمخزونه الفكري، فخلال تلك الفترة التي امتدت من 1911 إلى 1932 لم يقرأ كتابا واحدا على الرغم من أنه كان رئيساً للقسم الأدبي بدار الكتب.


شخصية حافظ إبراهيم

كان حافظ إبراهيم رجلا مرحا وابن نكتة وسريع البديهة يملأ المجلس ببشاشته وفكاهاته الطريفة التي لا تخطئ مرماها.


وكان يرى أصدقاؤه أنه مبدد للمال، فقال عنه العقاد "مرتب سنة في يد حافظ إبراهيم يساوى مرتب شهر"، وهناك رواية أخرى عن غرائب تبذيره أنه استأجر قطارًا كاملًا ليوصله بمفرده إلى حلوان حيث يسكن وذلك بعد مواعيد العمل الرسمية.


إلقاؤه الشعر

لم يتمتع حافظ إبراهيم بخيال واسع في طريقة توصيل الفكرة أو الموضوع إلى المستمعين، إلا أنه استعاض عن ذلك بجزالة الجمل وتراكيب الكلمات وحسن الصياغة، وأجمع الجميع على أنه أحسن خلق الله إنشاداً للشعر.

وكانت حفل تكريم أحمد شوقي ومبايعته أميراً للشعر في دار الأوبرا الخديوية، من أروع المناسبات التي أنشد حافظ بك فيها شعره بكفاءة، وتميز بأدائه أيضًا خلال القصيدة التي أنشدها ونظمها في الذكرى السنوية لرحيل مصطفى كامل التي خلبت الألباب وساعدها على ذلك الأداء المسرحي الذي قام به حافظ للتأثير في بعض الأبيات.

وكانت طريقة إلقائه للشعر التي تتسم بالجاذبية سببا في شهرته، وهذا ما كان يميزه عن أمير الشعراء "أحمد الشوقي"، الذي لم يلق في حياته قصيدة على ملأ من الناس، فهذا الموقف كان يرهبه فيتلعثم عند الإلقاء.


حافظ إبراهيم في عيون الشعراء


كان لشعر حافظ إبراهيم أثره في شعراء جيله، فقال عنه خليل مطران "أشبه بالوعاء يتلقي الوحي من شعور الأمة وأحاسيسها ومؤثراتها في نفسه، فيمتزج ذلك كله بشعوره وإحساسه، فيأتي منه القول المؤثر المتدفق بالشعور الذي يحس كل مواطن أنه صدى لما في نفسه".

ويقول عنه أيضاً "حافظ المحفوظ من أفصح أساليب العرب ينسج على منوالها ويتذوق نفائس مفرداتها وأعلاق حلالها".

ومن أقواله: "يقع إليه ديوان فيتصفحه كله وحينما يظفر بجيده يستظهره، وكانت محفوظاته تعد بالألوف وكانت لا تزال ماثلة في ذهنه على كبر السن وطول العهد، بحيث لا يمتري إنسان في أن هذا الرجل كان من أعاجيب الزمان".

وقال عنه العقاد "مفطور بطبعه على إيثار الجزالة والإعجاب بالصياغة والفحولة في العبارة".

ويذكره الشاعر العراقي "فالح الحجية" في كتابه "الموجز في الشعر العربي" الجزء الثالث، قائلًا: "يتميز شعر حافظ إبراهيم بالروح الوطنية الوثابة نحو التحرر ومقارعة الاستعمار سهل المعاني واضح العبارة قوي الأسلوب متين البناءة في كل الأغراض الشعرية المعروفة".


وكان أحمد شوقى يعتز بصداقة حافظ إبراهيم ويفضله على أصدقائه، وكان حافظ إبراهيم يرافقه في عديد من رحلاته وكان لشوقى (أيادٍ) بيضاء على حافظ فساهم في منحه لقب بك وحاول أن يوظفه في جريدة الأهرام ولكن فشلت هذه المحاولة لميول صاحب الأهرام - وكان حينذاك من لبنان - نحو الإنجليز وخشيته من المبعوث البريطاني اللورد كرومر.


حافظ في ذمة الله

توفي حافظ إبراهيم سنة 1932م في الساعة الخامسة من صباح يوم الخميس، وكان قد استدعى 2 من أصحابه لتناول العشاء ولم يشاركهما لمرض أحس به.

وبعد مغادرتهما شعر بوطء المرض فنادى خادمه الذي أسرع لاستدعاء الطبيب وعندما عاد كان حافظ في النزع الأخير، توفى ودفن في مقابر السيدة نفيسة.

عندما توفى حافظ كان أحمد شوقي يصطاف في الإسكندرية وبعدما بلّغه سكرتيره بنبأ وفاة حافظ بعد ثلاثة أيام لرغبة سكرتيره في إبعاد الأخبار السيئة عن شوقي ولعلمه بمدى قرب مكانة حافظ منه، شرد شوقي لحظات ثم رفع رأسه وقال أول بيت من مرثيته لحافظ:

يا منصف الموتى من الأحياء              قد كنت أوثر أن تقول رثائي

 

من أشعار "شاعر النيل" قصيدة "مظاهرة النساء":

كتب تلك القصيدة عقب مظاهرة قامت بها النساء في الثورة الوطنية سنة 1919.

 

خرج الغـوانى يحتججــن ورحت أرقب جمعــــــــهنّه

فـــاذا بهّن تخــــــــــذن من ســود الثياب شـــعارهــــــــنّه

فطلــــعن مثل كــــــواكــب يسطعن فى وسط الدّجـــــنه

وأخذن يجـــــتزن الطــريـــق ودار (سعد) قصـــــدهنّه

يمشـــين فى كنف الوقـــار وقد أبنّ شــــــــعــورهــــنّه

واذا بجيــــش مقبــــل والخـــــيل مطلقــة الأعنّـــــــه

واذا الجنــــــــود سيوفهــا قد صــــــــوّبت لنحــــــــورهنّه

واذا المـــــــدافع والبنــــــا دق والصـــــوارم والأســـــنّه

والخـــيل والفرســــــان قد ضربت نطــــاقا حــولهـــــــــنّه

والـــورد والريحــان فى ذاك النهـــــــار ســــــلاحهــنّه

فتطاحن الجيشـــــــان سـاعات تشيب لها الأجنّـــــــــــــه

فتــــضع النســـــــوان والنســـوان ليس لهن منّــــه

ثم انهزمــــن مـــشـــــتـــتات الشمل نحـــو قصــــورهنّه

فليهنأ الجيـــــــش الفخـــور بنصــــــــــــره وبكســـرهنّه

فكأنمـــا الألمــــــــان قـــــد لبســـــوا البــــراقع بينهـــــنّه

وأتـــوا ( بهندنبرج ) مخـــتفيا بمصـــــــر يقــودهـــــــــنّه

فلـــذاك خــــــافوا بأسهـن وأشفقوا مــــن كيدهــــــــــنّه
 

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان