رئيس التحرير: عادل صبري 07:17 صباحاً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

عاصم طلعت يكتب: المدلول الإشاري لحركة الرأس وأثره في تطور تفسير الشعراوي

عاصم طلعت يكتب: المدلول الإشاري لحركة الرأس وأثره في تطور تفسير الشعراوي

فن وثقافة

الدكتور عاصم طلعت

عاصم طلعت يكتب: المدلول الإشاري لحركة الرأس وأثره في تطور تفسير الشعراوي

الدكتور عاصم طلعت 08 يناير 2015 15:32

كنا قد أخذنا على عاتقنا مهمة الوقوف على أسباب إقبال العامة والخاصة على خواطر الشيخ الشعراوي، فدفعنا الطموح إلى محاولة التأصيل لآليات الخطاب الشفهي، و بيان الفارق بينه وبين الخطاب المكتوب، وكشف ما يترتب على ذلك من تطور الدرس البلاغي والدلالي في الثقافة العربية بعامة والدرس التفسيري بخاصة، وكانت لخواطر الشيخ الشعراوي الشفهية دور بارز كنموذج تطبيقي لهذه الدراسة؛ لما لها من انعكاس حقيقي للثقافة العربية الشفهية في القرن العشرين باعتبارها الوسيلة الأيسر للكشف عن مرادات النص القرآني المبارك بما يتفق و ثقافة المتلقين، و قد انتهينا من لفت نظر القارئ الكريم إلى دور التلاعب الصوتي في خواطر الشيخ التفسيرية ثم أشرنا إلى دور الإشارات الجسدية في خواطره و كانت الدراسة منصبة على إشارات اليد قبضا و بسطا، وسوف نشير إلى (حركة الرأس) و دورها في إثراء الدرس التفسيري ، تتميما لدور الإشارات الجسدية وأثرها على العملية التفسيرية عند الشيخ :

في النظم القرآني أوصاف (للرأس) من حيث حركتها ، قال تعالى : (قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94))(طه).

فحين رجع موسى إلى قومه، فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غيظًا، وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقد ترفق هارون له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم هاهنا أرق وأبلغ، أي: في الحنو والعطف؛ ولهذا قال:  يَا ابْنَ أُمَّ  .

وهذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم قال { إِنِّي خَشِيتُ } أن أتبعك فأخبرك بهذا، فتقول لي: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم { وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } أي: وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم .

قال ابن عباس: وكان هارون هائبًا له مطيعًا .

الشاهد:

في قوله تعالى : (لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) حملت الآية الكريمة دلالة الغضب التي كان عليها موسى ، كما ينبثق للمتلقي من الآية المباركة توعد موسى لهارون بالعقاب بدلالة المدلول الإشاري من الآية الكريمة .

ومن ثم يجدر بنا الإشارة إلى دلالة (حركة الرأس) وما تحمله من معان بلاغية ؛ نلقي الضوء عليها من خلال آليات الشيخ الشعراوي الشفهية المستعملة عند تفسير النص القرآني المبارك :

 

تنكيس الرأس، و الإمالة

و لتنكيس الرأس في خواطر الشيخ الشعراوي أغراض عدة منها :

الإقرار

ففي معرض تفسيره لقوله تعالى : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2))(1)

بيَّن الشيخ من خلال خاطرته التفسيرية أن عطاء الربوبية لا يخضع لأسباب مادية مستشهدا بموقف سيدنا زكريا حينما دخل على السيدة مريم فوجد عندها رزقا لم يأت به إليها ، قال تعالى : (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37))(2)

و نظرا لأن الشيخ اعتمد على الخطاب الشفهي في تفسير آي الذكر الحكم نجده ينتقل من موضع تفسيري لآخر معتمدا على التفسير الموضوعي للنص القرآني، بغية إبراز الجوانب الهدائية المنبعثة منه ؛ ورغبة في بيان عطاءات الله - سبحانه و تعالى- الكثيرة و غير الخاضعة للأسباب المادية العقلية ، بيد أن الشاهد في الخاطرة المباركة ممثل في اعتماد الشيخ على العديد من الإشارات و الحركات الجسدية التي بلاشك تثري العملية التفسيرية ، و من هذا الحركات الجسدية التي لازمت الشيخ في خاطرته (حركة الرأس) بعامة ، و (تنكيس الرأس) بخاصة حيث حملت هذه الحركة في طياتها دلالات كالذل و الغم و الحياء والندم (3)، و لكن ما نراه في هذه الخاطرة ارتباطا بمقام الآية المباركة محل التفسير، فتنكيس الشيخ لرأسه بالسند على اليد يعطي دلالة التسليم و الإقرار ؛ ارتباطا بقوله الحق : (أَنَّى لَكِ هَذَا)(4) ، و جاء الجواب في قوله تعالى: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)

و هذه القضية تحمل في طياتها التسليم و الإقرار من طرفي جلسة التفسيرية - الشيخ والمستمعين- بأن الرازق في قصة السيدة مريم و سيدنا زكريا بيد الله سبحانه و تعالى (5)، و هذه التعبيرات الإشارية التي لازمت الشيخ في هذه الخاطرة لها تأثيرها في المستمعين من حيث نقل هذا الإقرار و التسليم إلى المستمع حتى و إن لم يعرف - المستمع - تفاصيل القصة القرآنية المباركة ؛ليكون ذلك تمهيدا لإكمال مقصده الاجتماعي المنبعث من آي الذكر الحكيم و الممثل في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ).

- المكر و الخديعة

وقد تحمل حركة (تنكيس الرأس) في الخطاب الشفهي دلالة المكر و الخديعة ، ففي قوله تعالى : (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12))(6).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله:( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) قال: فعلقُوها حين قالت: وهم له ناصحون، قالوا: قد عرفته، قالت: إنما أردت هم للملك ناصحون(7).

وقد جسد الشيخ الموقف القصصي القرآني المبارك بإشارات وحركات جسدية أراد منها تبيان ملابسات الموقف للمستمع ، والتي انفعل لها أكثر من الكلمات و العبارات المستخدمة لتبيان الموقف القرآني الكريم.

الشاهد ممثل في رد أخت سيدنا موسى – عليه السلام- (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) حيث قرن الشيخ خاطرته التفسيرية بحركة ( تنكيس الرأس )، بغية إبراز موقف الخديعة التي لازمته أخت موسى – عليه السلام - حتى لا يتعرفون – فرعون و أتباعه- على صلة القرابة الرابطة بينها و بين موسى عليه السلام (8)، و هذا ما أراد الشيخ الشعراوي إبرازه للمتلقين ، حيث أنه وجد في الإشارت الجسدية مسلكا تفسيريا بديلا عن النصوص التفسيرية منفردة.

التعجيز

في قوله تعالى : (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60))(9).

يقول تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا ، وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم، كما قال: { مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ } [ النحل : 96 ](10)

فالشيخ في هذه الآية المباركة يبين مدى الآنية التي يعيشها الإنسان في الحياة الدنيا بالمقابل مع الدوامية الملازمة للفرد في الحياة الآخرة ،و قد قرن ذلك المضمون بـ (تنكيس الرأس) ليعطي للمستمع إشارة مرئية تبرز مدى التضاؤل الواقع بين متاع الدنيا و متاع الآخرة ؛ لتكون الإشارة الجسدية الملازمة لتفسير قوله تعالى : (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) (11)مسلكا بلاغيا يحمل مراد الآية المباركة بما يتفق و ثقافة المتلقي الذي ألف الثقافة الشفهية و آثارها بكل أشكالها المسموعة ( ما وراء اللغة من نبر وتنغيم)،و المرئية ( الإشارات الجسدية ) عن النصوص المكتوبة.

 

ب - لي الرأس

حملت حركة (لي الرأس) يمينا ويسارا مرادا دلاليا ينم عن الرفض و عدم القبول،ففي معرض تفسير الشيخ لقوله تعالى : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24))(12).

سرد الشيخ أقوالا لبعض الآراء التي تناولت الآية المباركة بالتفسير دون أن ينسب هذه الأقوال لقائليها من المفسرين السابقين ؛ رغبة في إظهار اعتراضه على هذه الآراء الملوحة بدلالات الرغبة من قِبل امرأة العزيز و امتناع يوسف – عليه السلام – و الدعوة إلى إثبات فحولته في هذه القصة القرآنية المباركة ، و قد لزم الشيخ لهذه الأقوال إشارات و انفعالات جسدية تبين موقفه من هذه الآراء، و لكن ما يلفت النظر في هذه الخاطرة حركة (لي الرأس) يمينا و يسارا للدلالة على الرفض لهذه الأقوال، متابعا بعبارة عامية ( كتر خيرك يا سيدي ) ردفا للآراء التفسيرية سالفة الذكر، وهذه العبارة في الخطاب العامي تعطي دلالة رفض قبول المساعدة ؛ لعدم امتلاك المقومات اللازمة لتقديم المعونة (13).

و من ثم فالإشارة الجسدية الملازمة لخاطرة الشيخ الشعراوي تجاه الآية محل الدراسة جاءت مناسبة لحالة الرفض التي بينها لفظا و معنا ، لتكون الإشارات الجسدية المستعملة تبيانا لتطور المنظور التفسيري و مرصدا للتطور البلاغي و الدلالي للألفاظ و العبارات بحسب التركيبة اللغوية والإشارية للجمل المستعملة .

 

المراجع:

1 - الفاتحة الآية :2

2 - آل عمران

3 انظر : التفسير ( النكت و العيون ) ، الماوردي ، تحقيق : السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم ، دار الكتب العلمية ، مؤسسة الكتب الثقافية (4/359)، الكشاف : (3/576)

4 - آل عمران الآية :13

5 - خواطر الشيخ الشعراوي الشفاهية ، الفاتحة الآية :2

6 - القصص الآية :12

7 - جامع البيان في تفسير القرآن :ص533

8 - خواطر الشيخ الشعراوي الشفاهية ، القصص الآية :12

9 - القصص الآية :60

10 -تفسير القرآن العظيم:ص 3932

11 - خواطر الشيخ الشعراوي الشفاهية، القصص الآية :60

12 - يوسف الآية :24

13 - خواطر الشيخ الشعراوي الشفاهية، يوسف الآية : 24

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان