رئيس التحرير: عادل صبري 06:15 مساءً | الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م | 02 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

عمر حاذق يكتب.. شجرة الكريسماس في زنزانتي

عمر حاذق يكتب.. شجرة الكريسماس في زنزانتي

فن وثقافة

الشاعر عمر حاذق

بالصور ..

عمر حاذق يكتب.. شجرة الكريسماس في زنزانتي

محمد عبد الحليم 07 يناير 2015 15:17

أرسل الشاعر عمر حاذق من محبسه برسالة إلى أصدقائه مصحوبة بهدايا قام بصنعها داخل محبسه بالورق المقوى على طريقة الأوريجامي اليابانية والتي عنونها بـ"شجرة الكريسماس في زنزانتي".

 

شجرة الكريسماس في زنزانتي

 

اكتشفتُ، فجأةً، أننا صرنا صديقين ؛أنا والسجن.. الذين لم يجربوا السجن سيضحكون على هذه الفكرة، الذين لم يقضوا جحيم أغسطس أو صقيع طوبة في السجن لن يفهموا أبدا كيف يمكن بناء علاقة ما بيني وبين مكان كدت أموت فيه من الحر والرطوبة، محشورًا في زنزانة ضيقة مكتظة بالفقراء، المظلومين؛ حيث أظل أقاوم الجرب مدة طويلة، غير أنه أصابني رغم احتياطاتي الرهيبة لأن العدوى لا مفر منها في مكان كهذا، لكن العلاج المكثف ينقذني والحمد لله.

 

الذين لم يعيشوا في السجن لا يمكنهم أن يتصوروا أبدًا كيف يواجهون حقيقة أنهم مصابون بالجرب، هكذا ببساطة أظل أراقب معدل انتشار المرض والهرش في السجن واقرأ عن انتشاره في سجون أخرى وأتفنن في طرق الوقاية منه، فأصمد طويلا؛ أصمد حتى منتصف الصيف لألاحظ أن العدوى أخذت تخترق دفاعاتي كلها، لا أحد هنا يريد أن يموت، لذا نستمر في المقاومة، ويساند بعضنا بعضًا حتى نعبر الأزمة. ساعدني رفيق الدرب لؤي القهوجي مساعدات استثنائية، كان يدعمني بالسخرية من الأمر حتى يضحكني عليه وعليّ، أذكر أنه مرة قال لي فجأة: «لما نطلع من السجن هابقى أحكي لماهينور إني عرفت خبر القبض عليها (حين قبضوا عليها في مايو2014) وأنا قاعد أهرش بإيدياّ الاثنين كده،» ويهرش بطريقة كوميدية حتى نضحك معاّ.

 

الحياة تدافع عن نفسها يا إخوتي في محبة هذا الوطن، لذلك لم أقدر على النجاة من هذا الشهر الفادح إلا حين أقنعت نفسي أنني إنسان نظيف لأن قلبي نظيف وهذا يكفي، لأنني أحب الحياة والحرية وفقراء شعبي وهذا يكفي، لأنني فعلتُ كل شيء لأفلت من الجرب وهذا يكفي. الآن حين أرى في الصحف صورة لرجل أنيق أو امرأة فاتنة، لا أنبهر كما كنت قبل السجن، عرفت مدى هشاشتنا كبشر، ولمستُ الاحتمالات الكثيرة والبسيطة لتدمير أناقتنا وبريق مظاهرنا مهما قاتلنا من أجلها، كنتُ أعرف هذا الكلام كله منذ زمن طويل، غير أنني لم أعِشْه ولم أفهمْه إلا هنا.

 

هذه هي صداقتنا؛ أنا والسجن. أفرح الآن كلما فكرتُ كيف واجهتُ ذلك كله ونجوتُ منه. لم أيأس لحظة ولا احتقرتُ نفسي ولا ندمتُ لحظة على حبسي؛ كيف واجهتُ ذلك وأنا أعزي نفسي بأننا جيل سيدفع ثمنا فادحًا ليصبح وطننا، بعد سنين لا نعرف عددها، أجمل وأكثر حرية.

 

وشأن أي صديقين، صار بيني وبين السجن ذكريات كثيرة. اليوم أنا أكتب في ليل 29 ديسمبر، سأنتهي مع فجر 30 ديسمبر. في مثل هذه الأيام، كنت السنة الماضية في سجن الحضرة أكافح البرد والاستحمام بالماء البارد، ومع ليلة رأس السنة وفجر يوم 1/1/2014 كنت أكتب الفقرات الأولى من روايتي «الحياة باللون الأبيض»، والتي فرغت منها مؤخرًا بعد إتمام رواية قصيرة هنا هي «قلب السمكة» التي ستنشرها دار العين قريبًا (في معرض الكتاب على ما فهمتُ من أسرتي) بعد أن صدرت لي روايتان وأنا هنا «لا أحب هذه المدينة» و«روائي المدينة الأول» وكلتاهما كُتبتا قبل السجن.

 

أذكر تلك الليالي الباردة، الموحشة، شديدة الظلمة، حيث لا هدوء ولا عزلة إلا في قلبها. ينام زملائي وأجلس في مربع ضوء ضعيف بعيد يتسلل من مصباح يشعله الحراس خارج الزنزانة. أحيانًا يشعلون مصباحين أحدهما كشاف قوي، فأبتهج لأن الكتابة تكون أيسر قليلًا. أذكر الآن نهارًا باردًا، خرجنا فيه للتريض، فلاحظت أن الشاويش المسؤول عن وردية العنبر رجل عجوز طيب، فذهبتُ إليه وسألته عمن يضيء الإنارة الليلية فأجابني بانه هو شخصياُ، فطلبتُ منه أن يضيء المصباح ومعه الكشاف لأنني احتاج نورهما، وكنت أقف في الرواية حيث احتاج كثيرًا من التأمل لتحديد وجهة النص الرئيسة، فابتسم الرجل ووعد، وصدق.

 

مازلت أشعر بامتنان شديد لكل الذين ساعدوني على الاستضاءة ليلًا؛ كان إسلام حسنين يمنحني مربعًا على فرشته وينام مزنوقًا حتى أجلس في مربع الضوء الواهن، وكان الدكتور محمد هنداوي يمنحني كرسيه الذي دخل بصعوبة لأنه مصاب في ظهره، ثم اخترع الفنان شريف فرج شمعة زيت بدائية من الزيت والمناديل وقشر البرتقال وقعر زجاجة مياه معدنية، ثم تفاوض هنداوي مع المأمور حتى سمح بدخول لمبة صغيرة لزنزانتنا بسجن الحضرة. اعلم يقينا انني فقدت شيئًا من قوة بصري غير أن ظروفي الآن أفضل، وعندي لمبة صغيرة خاصة بي، أخاف عليها كأنها طفلتي.

 

هذه الأيام، أستحم كل فجر بماء صحراء برج العرب، الذي هو كالرصاص، وأضحك من رعبي القديم من برودة الماء الطيب الحنون في سجن الحضرة.

أكون قد سهرت أكثر الليل واحتاج لجرعة قوية من الانتعاش اللاذع، ويكون الحمام متاحًا أخيرًا بعد نوم زملائي؛ أخرج من الحمام بيقظة تكفيني 24 ساعة قادمة، فاختم فترة القراءة وأعود لتجهيز قطع الأوريجامي التي صنعتُها أو التي سلمني إياها تلاميذي الأعزاء؛ أصنع قطعًا إضافية وأصلح عيوب القطع التي صنعها تلامذة جدد بينما أشرب بعض القهوة.

 

هذه الأيام أيضًا تراودني قصيدة جديدة، أتركها تختمر داخلي، وأندهش من هذا الصديق العجيب الذي اسمه السجن. آخر قصائدي هي «إذا مت لا تدفنوني»، كتبتها أوائل 2012 ثم انقطع عني الشعر ليعود بعد ثلاث سنين في الثلاجة الصغيرة التي اسمها زنزانة 5، عنبر 23.

 

هذه الأيام، أيضًا وأيضًا، يحدث لي أمر عظيم، قلت لكم من قبل إنني تألمتُ كثيرًا قبل السجن لأن أكثر الذين كانوا أصدقائي كانوا يخذلونني ويوجعونني، حين فزت بجوائز مهمة في الشعر كان يلتف حولي كثيرون وكثيرات في مكتبة الإسكندرية التي فصلني مديرها بعد الحكم عليّ، وحين كان لي دور واضح في ثورة المكتبة، وقت أن كان بها ثورة عاصفة، التف حولي كثيرون وكثيرات، وكنت لا أريد إلا مودة صادقة نزيهة من الأغراض، ثم كنت أتلقى الصدمات تباعًا، الآن أتلقى سيلًا من المحبة التي يغمرني بها شباب وشابات لم أعرفهم من قبل، تلك هي المحبة النزيهة التي افتقدتُها وانجرحتُ بسببها من قبل.

 

تبلغني أسرتي ما تحفظه من رسائل الأصدقاء، ثم بدأت تصلني هدايا مسموح بدخولها من هؤلاء الأصدقاء الذين لم اعرفهم قبل سجني. تصلني كتب ومعايدات وأقلام وأوراق ملونة لقطع الأوريجامي،. وفي الزيارة الأخيرة وصلتني شجرة الكريسماس!! شجرة جميلة ورقية سُمح بدخولها لأنها من الورق، يمكن طيها وحملها في ظرف، ثم إقامتها على قاعدة ورقية صغيرة. مع الشجرة رسالة من مصرية جميلة، مقيمة في الدنمارك، كتبت لي بأنها تقرا رسائلي وتستمد منها الأمل، فأحبت أن تهنئني بالسنة الجديدة،.

 

كدتُ أبكي لحظة رأيتُ هذه الشجرة الصغيرة، لكني كبحتُ دمعي. هذا ليس أوان البكاء، هذه اللحظة طالما تمنيتُها من قبل وحُرمتُ منها لأعيشها هنا فحسب، انظروا كيف تلاعبني الحياة، وكيف يفاجئني هذا الصديق العجيب الذي اسمه السجن!

 

حين أقمتُ شجرتي على مكتبي (وهو قفص طماطم خشبي فارغ، مكسو بكيس كبير نظيف) تعجب زملائي الفقراء الذين لا يعرفون شجرة الكريسماس إلا من التلفزيون، اقترب بعضهم مذهولًا، جاءتهم شجرة الكريسماس «لحد عندهم» بعضهم لم يكن يعرف علم الدانمارك المرسوم على الشجرة فظنه لوحات حمراء للصليب فسألوني عن السبب في كثرة الصلبان على الشجرة فشرحت لهم أنها أعلام الدانمارك التي جاءت منها الشجرة، فأصبحوا كلما مروا بي يقولون مازحين «هابي نيو يير» بلهجاتهم الصعيدية والريفية ضاحكين من قلوبهم.

 

طيب، الآن لابد من مفارقتكم، وإلى لقاء قريب، لأن الحمام الفارغ، قبل الفجر، يغريني بجرعة انتعاش ونشاط لن تحلموا بها، لا تنسوني من محبتكم ودعواتكم وأمنياتكم الجميلة.

 

وسجنًا سعيدًا عليكم، قصدي عامًا سعيدًا عليكم يا إخوتي في محبة هذا الوطن.

عمر حاذق

سجن الغربانيات- 30/12/2014

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان