رئيس التحرير: عادل صبري 12:46 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

مها عمر تكتب.. وكلمتني وجاوبتها

مها عمر تكتب.. وكلمتني وجاوبتها

فن وثقافة

الكاتبة مها عمر

مها عمر تكتب.. وكلمتني وجاوبتها

06 يناير 2015 12:37

أنا الشاهدة الوحيدة على مصرع عمي جعفر، أذكر هذا اليوم جيدا، كنت في الخامسة على ما أظن، كان "كرم" شَقِيّ حارتنا صغيرا وكبيرا، يلهو حول بئر قديمة في الحي بيده جرو صغير، يصدر صوتا يشبه السعال، وكان يقف على حافة البئر بيده الجرو، ويقفز من حافة إلى حافة حتى خانته قدماه.

البئر قديمة معطلة، الجو بارد حد التصلب، والجرو ينبح بلا توقف، وثم بدأت الريح تمضغ أجسادنا ومعاطفنا ونحن نطلب المساعدة من الكبار منهم من استجاب لنا ومنهم من أرسل يطلب من غيره، حتى جاء عمي جعفر، كان معتدل الطول له لحية خفيفة وعرقان نافران في جبهته، وملاحة لا تخطئها عين امرأة .

أحضر عمي سلما طويلا نظر إلي بعينين هادئتين قائلا : سيكون كل شيء على ما يرام، ونزل لإحضارهما فصعد كرم الشقي ومعه الجرو، ولم يصعد عمي جعفر، سمعت صرخته من ظلام البئر ولم يصعد أبدأ بعدها حي، وبقيت جثته ثلاثة أيام بين المطر والطين وتوالي الليل والنهار، حتى علمت جدتي "مسرى" وكان ذلك اسمها، بالحادث، فجاءت إلى بيتنا وهي تبكي وتولول وتتحدث بكلام لم أفهمه، قال لها أبي : إن البئر ملآنة بالعقارب والحيات وأن الناس تخاف لذلك أن تنزل البئر .

أبت جدتي تلك الليلة أن تنام بالدار، تصلبت ملامح وجهها تماما، وكأنها صورة منقوشة على حجر، الليل يضيف إلى ثوبها مزيدا من الشقاء، خرجت من غرفتي إلى الحوش لأجالسها، جدتي هي من علمني كل شيء، الخبز والطبخ، وتربية الطيور على اختلافها ومنطق الحياة كما تفعل الجدات .

جلست جوارها تلك الليلة، صمتت طويلا حتى حسبتها لن تتكلم أبدا، ثم قالت فجأة : كلهم أولاد كلب، سأنزل لأحضر ابني ..

لهثت خلفها وأنظر حولي خوفا من أن يتبعنا أحد، قلبي يخفق بعنف كطبلة لها صوت ثخين، أحضرنا السلم من المخزن، سرنا باتجاه البئر، وضعنا السلم، أمسكت به أسنده نزلت جدتي بحذر وبسرعة بيدها فانوس، غابت ..ثم سمعت صوتا ورأيت النور ..

رأيت عمي جعفر الذي حملته على ظهرها وقد تشقق وجهه وغابت منه كل ملاحة، وبقيت النظرة الأخيرة المفزعة إلى السماء وجثته راقدة تحت قدمي جدتي، التي أسبلت عينيه بأصابعها، وقرأت عليها وتمتمت له بأدعية لم أسمعها .

"أحضري طست ماء وملاءة نظيفة وارجعي إلى بيتك "

لم تشأ جدتي أن أحضر غُسل عمي الذي غسلته على أرض باردة في ليلة مظلمة وحدها، ركنت من شرفتي إلى المشهد الرهيب أسمعها تنوح وتقول قولا حزينا لم أفهم معظمه .

لم أنم ليلتها ولا الليالي التي تليها، ولا أذكر أني نمت في كل عمري نوما لم يخالطه أرق مزمن، أو رؤية لعمي جعفر وهو يربت على كتفي بيده السلم في منام . شابة وكهلة وفي بواكير الشيخوخة أرى عمي على هيئته يربت على كتفي . لكني بعدها لم أخف شيئا، فعلت كل الأشياء التي يخاف منها البشر بقلب ميت، مات خوفي في تلك الليلة .

أما جدتي فعاشت حزنا كربلائيا يليق بعمي جعفر المليح وميتته القاسية التي لا يستحقها، قاطعت جدتي أبي، أخو جعفر الوحيد الذي خاف على حياته وأولاده ولم يخرج جثة أخيه، حاول طوال عمره استعطافها ولم يفلح .

ظننت بعد هذه الحادثة أن جدتي ستموت، لكنها لم تفعل، عاشت جدتي طويلا حتى بلغت الخامسة والتسعين، ولم يصبها من الأمراض سوى الشيخوخة ومعالمها، لكنها أصيبت بخرس غير مفهوم، لا ترد على محدثها، تخرج في الصباح مع ماشيتها وتعود قبل الغروب بقليل .

كانت جدتي ترتدي طوال عمرها الملس الأسود ولها وشم في ذقنها، ولها ملامح صارمة كشَوْك الصبار، وكانت قبل وفاة عمي لها ضحكة جميلة وسن مبتسم .

ذات مساء، وفي زيارة لها، قبل وفاتها بأيام، كانت عيناها الذابلتان تناجيان شيئا ما في الأفق حتى همست لي قائلة : كان بخير قبل أن ينزل البئر ؟ أكلت الدهشة لساني لكني هززت رأسي بالإيجاب . ثم قالت بصوت هادئ : يأتيكِ في المنام؟ فهززت رأسي بالإيجاب فقالت: يأتيني ويوصيني بكِ .

و كانت تلك آخر مرة أتبادل معها الحديث وتوفيت هي بعده بأيام . ولم أنسه قط !

مها عمر

 

اقرأ أيضًا:

دويتو.. أمسية للقصة القصيرة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان