رئيس التحرير: عادل صبري 04:17 مساءً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

الدكتور خالد سعيد يكتب.. مبارك والمجلس العسكري

الدكتور خالد سعيد يكتب.. مبارك والمجلس العسكري

فن وثقافة

قادة المجلس العسكرى أثناء ثورة يناير

الدكتور خالد سعيد يكتب.. مبارك والمجلس العسكري

الفصل الخامس من كتاب مبارك كنزهم الاستراتيجي

مصر العربية 16 ديسمبر 2014 16:02

مع تولي المجلس العسكري المصري مقاليد الأمور في مصر، بُعَيد تنحي مبارك، مباشرة، في الحادي عشر من فبراير 2011م، كان الاهتمام الصهيوني منصبًّا، في المقام الأول، على استمرار علمية السلام بين الجانبين، المصري والصهيوني، ومدى تدفق الغاز الطبيعي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالأسعار البخسة نفسها، التي باع بها مبارك الغاز إلى الكيان الصهيوني، في العام 2005م، وكذا المحافظة على الهدوء والاستقرار في شبه جزيرة سيناء، وهي كلها قضايا تتعلق بالأمن القومي الصهيوني.

 

وكانت قضية نشر قوات عسكرية مصرية في شبه جزيرة سيناء، قد أخذت مجالًا واسعًا من النقاش، والحيرة، والخوف، في آن، من جانب سُدَّة الحكم في تل أبيب، خاصة وأنها المرة الأولى، منذ توقيع معاهدة السلام المصرية - الصهيونية، التي تدخل فيها قوات عسكرية مصرية سيناء، وبينما الاتفاقية تحظر دخول قوات عسكرية مصرية، مناطق كاملة من سيناء.

 

في هذا الصدد، قالت شبكة وثيقة الصلة بجهاز المخابرات الصهيوني "الموساد": "للمرة الثانية خلال أسبوعين [منذ اندلاع الثورة المصرية] تنشر مصر قوات عسكرية بطول الحدود الإسرائيلية، وحدودها مع قطاع غزة، تقدر بـ 900 جندي، في شكل كتيبتين، رغم حظر اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية لذلك، وهي المرة الأولى التي توافق فيها إسرائيل على مثل هذا الطلب المصري، منذ توقيع اتفاقية السلام مع مصر"(1).

 

المبحث الأول

البلطجة والمجلس العسكري

 

ربطت وسائل الإعلام الصهيونية المجلس العسكري المصري بالفوضى الأمنية، واستشراء ظاهرة البلطجة.

 

فقد ذكرت شبكة قريبة الصلة بجهاز المخابرات الصهيوني "الموساد" أن البلطجية يسيطرون على الشارع المصري، ويهددون المواطنين العاديين، الذين بدورهم أقاموا لجانًا شعبية للدفاع عن أنفسهم، في ظل تردي الوضع الأمني في مصر، خاصة مع استمرار تظاهر عشرات الآلاف من المعارضين المصريين، فلم يعد الثوار إلى ميدان التحرير بالقاهرة فحسب، وإنما عادوا وتمركزوا في مدن مصرية أخرى، مثل الإسكندرية، والسويس، والإسماعيلية، ليستعدوا لما يمكن أن يطلق عليه (الثورة المصرية الثانية)؛ لأن الثوار يؤمنون بأن المجلس العسكري لم يسرق منهم، ومن الشعب المصري ثورتهم فحسب، وإنما خلق وضعًا أعاد فيه رجال مبارك ونظامه إلى السلطة"(2).

 

ادعت الشبكة أنها "نقلت عن متظاهرين مصريين نظرتهم السلبية للمجلس العسكري، المكوَّن من 25 لواءً، بدعوى أنه يريد نشر الفوضى والبلبلة في الشارع المصري، بغرض دفع الثوار لطلب نزوله إلى الشارع مجددًا، للحفاظ على الأمن، وبالتالي السيطرة مرة أخرى على البلاد، وأن المجلس سيعمل على تأجيل الانتخابات، لمرات أخرى، كما أُلقي القبض على أكثر من 10 آلاف ناشط سياسي، وهو ما يعني أن حكم ونظام مبارك لا يزال، حتى الآن، ساريًا، وأن محاكمة مبارك ونجليه مجرد مهزلة، وذلك رغم سقوط مبارك، ونجاح الثورة!

 

أما عن رجل الأعمال حسين سالم، ومدى نفوذه في مصر، فقد زعمت الشبكة على لسان أحد المتظاهرين المصريين- وكأنها موجودة وسط ميدان التحرير- أنه هرب بطائرته الخاصة خارج مصر بمساعدة من قادة الجيش المصري، وتساءلت كيف يهرب سالم بطائرته الخاصة، دون علم المجلس العسكري؟! وهو ما يتناقله المصريون، أيضًا، بشكل عام، فضلًا عن رغبة الشارع المصري في معرفة خبايا صفقة الغاز المصري للكيان الصهيوني، وكيف سمح مبارك وعائلته بيع الغاز بأسعار بخسة، تقل بكثير عن الأسعار العالمية؟

 

أضافت الشبكة الصهيونية أن المجلس العسكري المصري مسؤول عما آلت إليه الأمور والأوضاع في الشارع المصري، وأنه مسؤول، بشكل كبير، عن نشر الفوضى، وزعزعة الأمن والاستقرار بين المصريين، فلم ينجح في السيطرة على فلول نظام مبارك، ولم يستطع إعادة الأمن والأمان والانضباط إلى الشارع المصري حتى الآن، وإن حاول المجلس، مؤخرًا، إعادة الاقتصاد المصري إلى عافيته، بالاعتماد على السعودية والإمارات، بشكل خاص، في تنشيط الاقتصاد، وانتعاشه، مرة أخرى، بعد أن قدمتا إلى القاهرة ما بين 4 – 6 مليار دولار، قابلة للزيادة، ولكن هذه المنحة كانت مشروطة بـ(3):
 

أن يوقف المجلس العسكري سياساته مع الإدارة الأمريكية.

أن تكون القاهرة على استعداد للحرب مع إيران.

أن يكبح المجلس الثوار والمتظاهرين، ويفرض سيطرته على الشارع المصري، وينشر القوات الشرطية في المدن المصرية.

 

الغريب في الأمر أن الشبكة ادعت أن "المجلس العسكري المصري لم يقبل هذه الشروط أو يرفضها، حتى نشر تقريرها (في 17/7/ 2011م)، وإن كان هناك تخوف سيكون من اندلاع ثورة مصرية ثانية، وإذا مات مبارك، فإن النظام العسكري سيستمر في السيطرة على الشارع المصري، ولن تكون الثورة المصرية ديمقراطية بالتأكيد".

 

أنهت الشبكة الصهيونية تقريرها المطوَّل، بالزعم بأن المجلس العسكري سيطر على الثورة، وسرقها من الثوار، و من ثم لن يشكلِّ موت مبارك مفرقًا أو مفصلًا تاريخيًا، في الوقت الراهن، ويتبين من تقرير الشبكة أن الصهاينة يستشعرون بأن هناك ثورة مصرية ثانية، أيضًا، ويتخوفون منها، بالطبع.

 

تبدى هذا الاستشعار في تكرار نشر وسائل الإعلام الصهيونية لأخبار وتقارير عن نظيرتها، المصرية والعربية، تفيد استمرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية على نهج الرئيس المخلوع، حسني مبارك؛ فها هي القناة العاشرة الصهيونية تنشر تقريرًا موسعًا، تزعم فيه: "أنه من الصحيح القول بأن مبارك ليس رئيس مصر، ولكن النظام الجديد يسير على دربه، يستمر القضاء المصري في البطء الشديد في محاكمة الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، حفاظًا على الأمن القومي في مصر، فقد قرر القضاء المصري وقف بث محاكمة مبارك، وانقسم المصريون حول هذا القرار، ما بين مؤيد ومعارض، حتى إن مظاهرات خرجت لتأييد الرئيس السابق؛ بيد أن المجلس العسكري يحافظ، بقوة، على المصالح الأمنية المصرية، كما لو كان مبارك لا يزال في السلطة"(4).

 

الواقع يؤكد أن وسائل الإعلام الصهيونية لم تنشر تقارير أو أخبار خاصة عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر، وإنما كانت تعلق وتشير إلى ما بين السطور، أو بين ثنايا الكلمات، ويبدو أنها تعمدت ذلك تمامًا، حتى لا تثير حنق وكره المصريين على المجلس العسكري، في تلك الفترة الانتقالية الحرجة من عمر وتاريخ مصر، فكانت تتعمد نشر أي أخبار عن هذا المجلس، ضمن قضايا وموضوعات أخرى، وتترك الحديث عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، كقضية ثانوية!

 

لقد نشرت القناة العاشرة الصهيونية (على موقعها الإلكتروني، وفي تاريخ التقرير السابق نفسه) أن المجلس العسكري المصري، رغم مرور ستة أشهر كاملة، على إسقاط مبارك، لا يزال يتبع الأسلوب نفسه، والنهج، والطريقة، التي كان نظام مبارك يتبعها في التعامل مع شعبه ومواطنيه، وهذا هو خلاصة تقرير القناة الصهيونية، التي ارتأت الكتابة عن الأوضاع المصرية المعيشية، الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، بعد مرور ستة أشهر، على خلع مبارك، وقالت إن الوضع المعيشي في مصر كما كان قبل ثورة يناير/ كانون الثاني 2011م، لم يتغير شيء، سوى إسقاط مبارك، ولكن نظامه لا يزال يحكم مصر!: "على الرغم من مرور كل هذه الأشهر، فإن نتائج التمرد الشعبي المصري لم تتضح، بعد، [لاحظ كلمة تمرد كوصف للثورة]، فلم تنتقل مصر إلى مرحلة الديمقراطية المؤمّنة، فهي في لحظة فوضى وخلل، والسلطة السابقة، أو نظام مبارك السابق لا يزال في الدولة [الحكم]. وأضافت القناة، ستة أشهر على وقوع زلزال مصر، الذي هز المنطقة ككل، وإشكاليات كبيرة ظهرت على الأرض، فبرز التيار السياسي على الساحة الشعبية المصرية، ومطالب المتظاهرين المصريين في ميادين التحرير لم تتحقق، ولم تلب، حتى الآن، وسيعود المتظاهرون إلى تلك الميادين، مرة أخرى، رمز الثورة المصرية، حتى تلبى مطالبهم كلها، وأولها مطالبهم بإجراء انتخابات تشريعية جديدة وشفافة"(5).

 

ومن الواضح من السطور السابقة لتقرير القناة التليفزيونية الصهيونية، هو إصرارها المتكرر على اعتبار الثورة الشعبية المصرية، ثورة يناير/كانون الثاني 2011م، مجرد حالة تمرد فحسب؛ لأنه بحسب تلك القناة لم تتحقق التغييرات المطلوبة، حتى يسمى التمرد ثورة، لذلك وُجِدَ أن كثيرًا من وسائل الإعلام الصهيونية تستخدم مصطلح "هميرد"، وتعني باللغة العبرية "تمرد"، بينما تكتب وسائل صهيونية أخرى كلمة "مهفخا" وتعني باللغة العبرية "ثورة"!!

 

وفي تقرير للقناة العاشرة الصهيونية جاء، أن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، الذي يسيطر على مقاليد الأمور في مصر، يمسك بزمام الأمور جيدًا، ولا يلوح في الأفق أي تقدم عن المسار الذي سبق وأن انتهجه الرئيس السابق، حسني مبارك، ومصريون كثيرون يعتقدون أن المجلس العسكري اكتسب شعبية كبيرة، خلال الأشهر القليلة الماضية، ومن حقه الاستمرار في السلطة؛ لأنه الأحق بها، بينما يزعم آخرون أن المجلس العسكري لا يريد إحداث أي تغييرات في الشارع المصري، مقارنة بنظام مبارك السابق. وقد أجريت استطلاعات رأي مختلقة، حول أهم التغييرات التي جرت في مصر، منذ سنوات، اتضح منها أن خلع الرئيس السابق حسني مبارك، كان أهم تلك الأحداث أو التغييرات" (6).

 

يتضح من التقرير السابق للقناة العاشرة الصهيونية، مدى تركيزها على مجريات الأحداث في الشارع المصري، ومدى ما أحدثته الثورة الشعبية المصرية من مكتسبات وإيجابيات عدة، وموقف الشعب المصري من خلع مبارك، في حين يمكن التعليق على ما كتبته القناة بأن ثمة تركيزًا واضحًا على المجلس العسكري المصري، وإن لم يكن، بشكل مباشر! وكأن القناة تتجنب الخوض في الحديث عن سُدًّة الحكم في القاهرة، في تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر!!

 

وبالتوازي مع هذا التقرير، نشرت القناة الصهيونية نفسها تقريرًا موسعًا، لم يكن الأخير، عن المجلس العسكري المصري، ادعى التقرير أن أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة يسيرون على نهج مبارك، ولا يريدون إحداث أي تغييرات جيدة للشارع المصري، وأن المتظاهرين يطلبون خلع المشير محمد حسين طنطاوي، كما سبق وخلعوا الرئيس السابق، حسني مبارك؛ لأنهم يرون المجلس العسكري قد سرق الثورة، ويجب خلع أعضائه وإزاحتهم من السلطة؛ لأنهم ليسوا أفضل من الرئيس المخلوع؛ مشيرة في التقرير المطول إلى توسع وانتشار المظاهرات المصرية للمطالبة بخلع طنطاوي (7)!؛ وهو ادعاء مزعوم!!

 

كما دأبت وسائل الإعلام الصهيونية على ادعاء ما سمي بالاتفاق السري بين جماعة الإخوان المسلمين والمجلس العسكري، مدللة على ذلك بوصول الجماعة إلى السلطة السياسية، مقابل استمرار وجود الجيش فترة زمنية معينة، وعدم التضييق عليه في المستقبل، فقد ذكرت القناة الصهيونية نفسها - وكأنها تخصصت في الحديث عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصري فحسب - أن هذا الاتفاق جعل الكثيرين من أبناء الشعب المصري يخرجون إلى الميادين العامة؛ للتظاهر ضد المجلس، والمطالبة بخلع طنطاوي!!!

 

المبحث الثاني

مبارك والثورة المضادة

 

بتوالي أيام الثورة المصرية، كان الخطاب الإعلامي الصهيوني يتابع، عن كثب، الثورة والثورة المضادة، ويرصد خروج مظاهرات مؤيدة لمبارك، وأخرى معارضة له، وإن لم يُسلط ذاك الخطاب عليها الأضواء، باعتبار أن المظاهرات المؤيدة لمبارك كانت قليلة، وضئيلة جدًا، مقارنة بالمظاهرات المعارضة؛ لكن وسائل الإعلام الإسرائيلية في الوقت نفسه، كانت تتابع تشكيل الحكومات المصرية، التي تلت حكومة أحمد نظيف - حكومة الفريق أحمد شفيق، وحكومة د.عصام شرف، والدكتور كمال الجنزوري - مع الإشارة، وبوضوح، إلى مدى التزام كل منها باتفاقية كامب ديفيد، ومعاهدة السلام المصرية - الصهيونية، ومدى الالتزام بضخ الغاز المصري للكيان الصهيوني! وكأن الاهتمام الصهيوني قد انصب، فحسب، على هاتين الجزئيتين، تحديدًا!!

 

لقد نال موضوع تصدير الغاز المصري للكيان الصهيوني اهتمام الصهاينة، بشكل واضح وصريح، وأسهبت وسائل الإعلام الصادرة باللغة العبرية في الحديث عنه، ونشرت تقارير خاصة في هذا الإطار، حتى إن الموقع الإلكتروني"إن إف سي" قد ربط بين محاكمة مبارك ونجليه، وتوقيع القاهرة مع تل أبيب اتفاقية لتصدير الغاز المصري، بأسعار زهيدة جدًا، ونشر لصور شركاء مبارك، خاصة حسين سالم، ويوسي ميمان، مرفقة بتقارير الموقع نفسه.

 

كما تناقلت وسائل الإعلام الصهيونية أخبار اتهام وزير العدل السابق، محمد عبد العزيز الجندي، الكيان الصهيوني بالقيام بثورة مضادة لثورة يناير/كانون الثاني 2011م، فقد كتب الموقع الإلكتروني"واللا": "تخطط إسرائيل لتهريب مبارك إلى الخارج، حتى تثير البلبلة والفوضى في مصر، وإفساد ثورة يناير، والقيام بثورة مضادة، لتزعم لنفسها أنها واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وثمة شخصيات داخلية وخارجية تعمل لصالح جهات أجنبية، من بينها إسرائيل، تخطط للقيام بثورة مضادة، وإفساد الحياة السياسية في مصر(8).

 

في المقابل، وفي إطار استمرار الحديث عن حالات التمرد والفوضى، اللتين اجتاحتا الشارع المصري، بعد ثورة يناير 2011م، قال شلومو أفنيري، في مقاله بصحيفة "هاآرتس": "بعد مرور عام كامل على سقوط الرئيس المصري حسني مبارك، يجب أن نذكر أن هرتسل، في إطار نشاطه السياسي، كان حساسًا لما يحدث في المجتمعات العربية، وكأي زائر لمصر أو سائح إليها، زار هرتسل الأهرامات، وإن لم يتطرق إليها في يومياته فيما بعد، لكنه أشار إلى فزعه وقلقه من أوضاع الفلاحين المصريين، أثناء زيارته من الجيزة إلى الأهرامات، وإن أوضح في مقابلة أن هؤلاء الفلاحين هم أسياد المستقبل، ومن الغريب عدم ملاحظة الإنجليز لذلك؛ إذ كانوا يعتقدون أنهم سيحكمونهم إلى الأبد، سيحكمونهم بقبضة من حديد، لكن سيعلمونهم التمرد، أيضًا؛ ولكم كنت أتمنى العودة إلى هنا بعد خمسين عامًا لأرى إلى ماذا صارت الأمور" (9).

 

وقد علَّق الكاتب الإسرائيلي على رؤية أبي الصهيونية، تيودور هرتسل، بأنها رؤية ثاقبة لصحفي، وسياسي، ومؤرخ صهيوني مخضرم، خاصة وأن الضباط الأحرار المصريين قاموا بثورة يوليو 1952م، بعد مرور خمسين عامًا، بالضبط، من تنبؤ هرتسل بالثورة المصرية. وسبق لهرتسل نفسه أن توقع، في العام 1896م، إنشاء دولة لليهود، وكأن أبا الصهيونية كان على موعد مع رقم 50 ! (لكنها مصادفة بالطبع).

 

ويبين مقال أفنيري أن حالات التمرد التي تسري في الشارع المصري توضح بأن ثمة حالات تمرد وفوضى سابقة في مصر، وأن الفلاح المصري، بطبيعة الحال، من المتمردين على الحكام المستبدين، والأنظمة الظالمة، وما يستشري في ميادين القطر المصري ما هو إلا واجهة حقيقية لحالة الفوضى والبلبلة، اللتين تعيشهما مصر، وأن المستقبل للمتمردين(10) في النهاية!

 

المبحث الثالث

بقايا نظام مبارك

 

من بين الشخصيات والمسؤولين المصريين الذين سبق لهم العمل مع الرئيس المخلوع مبارك، وكانوا من بقايا نظامه، وتحدثت عنهم وسائل الإعلام الصهيونية، بوضوح وبشكل مباشر، د. زاهي حواس، وزير الآثار المصري الأسبق، الذي ذكرت صحيفة"معاريف"، في العشرين من يوليو/ تموز2011م، أنه بات قربانًا لثورة يناير/كانون الثاني، بعد أن أُنشِئَت الوزارة الأولى للآثار المصرية، من أجله وحده، فهو عالم الآثار الأكثر شهرة على مستوى العالم.

 

ففي واحدة من الكتابات الأكثر دراماتيكية حول الآثار المصرية، وثورة يناير 2011م، كتب شي إيلان، المحلل السياسي للصحيفة، أن حواس يتمتع بشعبية عالمية، خاصة مع طبيعة ملابسه، وقبعته العريضة، فقد بات رمزًا أثريًا عالميًا، وأكثر شهرة من الآثار المصرية نفسها؛ لأنه العالم الذي يتمتع بطلاقة لغوية في اللغة الإنجليزية، وهو الكاشف الوحيد للماضي المصري العتيق، عبر اكتشافاته الأثرية العظيمة، الواحدة تلو الأخرى، بل إنه أكثر المصريين شهرة، عالميًا، ربما أكثر شهرة من الرئيس المخلوع حسني مبارك نفسه، ومن الممثل العالمي، عمر الشريف (11).

 

قال الكاتب الصهيوني: "إن الرئيس المخلوع مبارك عيّن حواس في وزارة أُنشئت خصيصًا له، هي وزارة الآثار، بهدف دفع عجلة رئاسة الوزراء، وجبهة حكم ونظام مبارك، قدمًا، لكن الغضب الشعبي المصري ضد حواس ماثل الغضب الشعبي ضد مبارك، أيضًا، وكلاهما ديكتاتور، فحواس كان ديكتاتور الآثار المصرية"؛ حتى إن الصحيفة نشرت تقرير الكاتب الصحفي شي إيلان، تحت عنوان: "رحيل طاغية/ ديكتاتور الآثار المصرية"؛ وذلك لأنه كان متعاليًا على موظفيه، وساد فترة توليه الوزارة، الفساد وعدم الشفافية، وحدثت تعيينات لغير المستحقين، أجبرت الحكومة المصرية على تغييره في أول تعديل وزاري، بعد خروج مظاهرات مصرية تطالب بإقالته من حقيبة الآثار.

 

و كشفت الصحيفة الصهيونية نفسها النقاب عن استغلال حواس لمنصبه، في إقامة علاقات مع شركات أمريكية، حصلت إحداها على حق عرض مقبرة توت عنخ آمون المصرية، وشركة أمريكية أخرى، حصلت على امتياز تشغيل متجر لها بقلب المتحف المصري في ميدان التحرير.

 

وعلى الرغم من ذلك، فإن الكاتب الصحفي نفسه يعتبر أن حواس أفضل أثري في العالم، وشهرته فاقت شهرة مبارك وعمر الشريف، بل ربما تحمل كلماته عتابًا للحكومة المصرية، بعد إقالتها لزاهي حواس، بدليل قوله"حواس قربان الثورة (12)"!

 

ومن بين الشخصيات المصرية الأخرى، التي أسهبت وسائل الإعلام الصهيونية في الحديث عنها، اللواء عمر سليمان، خاصة بعيد تعيينه نائبًا للرئيس. فقد كتبت القناة العاشرة الصهيونية أن الكيان الصهيوني كان يتمنى تولي عمر سليمان خلافة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، في حال ترك الأخير السلطة أو وفاته، فهو الشخصية التي كانت تتولى رئاسة جهاز المخابرات العامة المصرية، حتى قبيل خلع مبارك نفسه. فقد كتبت القناة على موقعها الإلكتروني: "فضلت إسرائيل أن يتولى اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، خلافًا لمبارك، وذلك منذ العام 2008م، وهو ما نشر في وثائق ويكيليكس، حيث تسرَّبت معلومات مفادها أنه إذا أزيح مبارك، أو مات، فسليمان سيتولى مكانه ومكانته في الشرق الأوسط، وهي وثيقة تم تبادلها بين الجانبين، الأمريكي والإسرائيلي" (13).

 

استطردت القناة الصهيونية: "كان ديفيد حاخام، مستشار الشؤون المخابراتية لوزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، معجبًا بشخصية عمر سليمان، مقارنة بمبارك العجوز؛ فرئيس جهاز المخابرات المصرية يتولى إلى جانب منصبه هذا، مقاليد الأمور، بدلًا من مبارك، في كثير من القضايا الحساسة، خاصة الملف الفلسطيني والإسرائيلي، وكما كان مبارك مؤيدًا لمنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، فإن سليمان سيسير على دربه، وكما كان مبارك قائدًا للعرب ولمنطقة الشرق الأوسط، سيكون سليمان كذلك، أيضًا!".

 

لكن المستشار المخابراتي الصهيوني لم يكتف بهذا القول عن خليفة حسني مبارك، وعن مدى إعجابه وافتتانه بشخصية سليمان، وإنما فجَّر مفاجأة من العيار الثقيل، حينما اعترف بوجود "خط ساخن" بين سليمان كشخص، أو بين جهاز المخابرات المصري، وبين وزارة الحرب الصهيونية، قبيل سقوط مبارك، وخلعه من الحكم، حتى الحادي عشر من فبراير/شباط 2011م!

 

قال حاخام: "إن إسرائيل ستكون أفضل وأنجح مع سليمان، كما أن مصر وإسرائيل فتحا معًا (خطًا ساخنًا)، في أواخر أيام مبارك، للاستخدام اليومي، بين وزارة الدفاع الإسرائيلية وبين جهاز المخابرات المصرية"(14).

 

بعيد وفاة السيد عمر سليمان الغامضة، خرجت وسائل الإعلام الصهيونية كافة، معلنة حزنها الشديد على نائب الرئيس السابق، مؤكدة أنه كان شخصية قريبة لكافة الرموز والقيادات الصهيونية، بدءًا من الرئيس الصهيوني، وحتى وزير الدفاع، وقادة أجهزة المخابرات الصهيونية. لقد أشارت صحيفة"معاريف"، على لسان معلقها العسكري، جاكي خوري، إلى أن سليمان، كان أقرب المسؤولين المصريين إلى قلب مبارك، وكان حافظ أسراره الأمين، وذراعه اليمنى؛ كما كان المرشح الرسمي للرئاسة، ولكن لجنة الانتخابات المصرية أخرجته من سباق الترشح، بدعوى التلاعب في عدد التوكيلات التي حصل عليها في بعض المحافظات المصرية (15).

 

"إن سليمان كان كاتم أسرار مبارك، وكان المسؤول الشخصي له خارج مصر؛ اتهمه المصريون بتمتعه بعلاقات طيبة مع إسرائيل، بل كان مؤيدًا لاتفاقات مصرية عقدت مع تل أبيب، حتى إن الكثير من المتظاهرين المصريين قد خرجوا، مرارًا، بلافتات حملت عنوان (سليمان وإسرائيل يد واحدة)" (16).

 

ولعل من فضلة القول، إن أول مسؤول صهيوني أصدر تصريحات تعقيبًا على وفاة سليمان، كان بنيامين بن اليعيزر، وزير الدفاع الصهيوني الأسبق، حيث قال: "لقد سادنا الحزن العميق على وفاة السيد عمر سليمان، فهو شخص وطني وعربي، قائد وزعيم مهم، حافظ طويلًا على أمن واستقرار مصر، وهو أفضل من خدم إسرائيل، وله أثر واضح على استقرار الشرق الأوسط، فقد كان عاملًا مؤثرًا في استمرار معاهدة السلام بين مصر و إسرائيل ، وفي النهاية، سوف نشتاق إليه".

 

الجملة الأخيرة في حوار اليعيزر لصحيفة معاريف "سوف نشتاق إليه" ترددت كثيرًا على لسانه، خاصة وأنه سبق أن رددها، تعليقًا على إسقاط الرئيس مبارك، في الحادي عشر من شهر فبراير/شباط 2011م، ودخوله المستشفى للعلاج، أو حتى عند الإعلان عن دخوله السجن، وكأنه يوحي إلينا بأن مبارك وسليمان قد حافظا على استقرار وأمن وأمان الكيان الصهيوني!

 

1 - الجيش ينشر قواته على الحدود المصرية الإسرائيلية والغزاوية، ديبكا، 13/2/2011م.

2 - مبارك يحتضر والمجلس العسكري سرق الثورة، ديبكا، 17/7/ 2011م.

3 - المرجع نفسه.

4 - تسيفي يحزقائيلي، مبارك ليس رئيس مصر ولكن النظام الجديد يسير على دربه، القناة العاشرة الإسرائيلية، 15/8/م2011.

5 - يوناتان جونين، نصف عام على إسقاط مبارك: التمرد، حتى الآن، مجرد آلام مخاض، القناة العاشرة الإسرائيلية، 15/8/2011م.

6 - المرجع نفسه.

7 - آيال زيسار، لا يهدأ ثانية، القناة العاشرة الإسرائيلية، 25/7/2011م.

8 - نير يهف، وزير مصري: إسرائيل تخطط لتهريب مبارك للخارج، واللا، 30/5/2011م.

9 - شلومو أفنيري، هرتسل والثورة المصرية، هاآرتس، 30/1/2012.

10 - وهو المصطلح الذي آثر استخدامه صاحب المقال بديلًا عن الثوار، كما أشرنا آنفًا.

11- شي إيلان، رحيل طاغية الآثار المصرية، معاريف، 20/7/2011م.

12 - المرجع نفسه.

13 - من وثائق ويكيليكس: إسرائيل فضلت أن يتولى سليمان خلافة مبارك، القناة العاشرة الإسرائيلية، 8/2/2011م.

14 -المرجع نفسه.

15 - جاكي خوري، مات الذراع اليمنى لمبارك، معاريف، 21/8/2012م.

16 - المرجع نفسه.

 

اقرأ أيضًا:

خالد سعيد" target="_blank">الدكتور خالد سعيد يكتب: مبارك والإسلام السياسي

خالد سعيد" target="_blank">الدكتور خالد سعيد يكتب: ثورة عسكرية ناعمة

مبارك كنز إسرائيل الاستراتيجى

خالد سعيد" target="_blank">الدكتور خالد سعيد يكتب: محاكمة مبارك ونجليه

التطبيع بين حلم صهيوني وغفلة عربية!

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان