رئيس التحرير: عادل صبري 10:13 مساءً | الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م | 04 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

إسراء إمام تكتب.. Interstellar...الفكرة الآدمية لصناعة الخيال العلمى

إسراء إمام تكتب.. Interstellar...الفكرة الآدمية لصناعة الخيال العلمى

إسراء إمام 18 نوفمبر 2014 14:05

"نهم"

النهم هو حالة.. مزاج ندُر الاحتفاء بوجوده حاليا صوب أي شيء.. أقصى احتمالية لإدراك نجاح فيما يخص لفت الأنظار هي الاهتمام الذي يرتبط بالتبعية بقدر من المتعة النسبية.. بينما ارتكنت حالة "النهم" على جدران منعزلة من الماضى، سماها البعض "نوستالجيا" أو رماها بأى لقب.. المهم أنها باتت تنسحب من الإحساس الحاضر بأى فن، مهما بلغت ذروة نشوته، يظل في مقارنة مع مثيله السابق.

والسينما على وجه الخصوص هي الفن الأنسب لإرساء هذه النظرية على عتبته.. المعادلة باتت لا تتحقق معها بسهولة، بينما تظل جزيئاتها منشطرة ما بين تحقيق أحد العناصر دون الأخرى. ففيلم تشعر فيه بمتعة، وآخر يحوز اهتمامك، وغيره يحتل حيزا فضفاضا من تفكيرك. لكن من فترة طويلة، لم يتنامى إلى دور العرض، ذاك الفيلم الذي يخلق من بين أفكارك المتزاحمة عنه هذه الحالة من "النهم".

وحالة "النهم" المقصودة، لها تفردها. إنها ليست مزاجية متوغلة داخل أجواء الفيلم، و التي تعمل بدورها على خلق حلقة متينة من التواصل معه بعد انتهائه وكفى. بينما تلقى بك إلى عوالم أبعد. عوالم قد لا تتصور في يوم من الأيام أنك تتوق وبشدة في التفاعل معها. التعلم عنها، والغوص بشكل عملى وعلمى فيها.

Interstellar

هو فيلم المخرج كريستوفر نولان الجديد، وهو أيضا الفيلم الذي يخلق فيما بين ضلوعك شغفا للمعرفة أكثر عن علم الفيزياء، قوانين نيوتن، التعرف بشكل أفضل على إعجازات الجاذبية، قوانين "مورف و"مورس" و...، و.......

هو الفيلم الذي حينما تنتهى من مشاهدته، تراقب نفسك وأنت تتفوه بهذه الكلمات. بخلفية مشوشة ولكنها تفى بالغرض لإغوائك بالتوغل أكثر وأكثر. ترغب بجنون في معاودة المشاهدة، لإشباع ذهنك ومخيلتك من هذه التجربة العلمية الروحانية المختلفة بجدارة.

الفكرة

كثير من الأفكار، تدعوك لتأملها بغرض كيفية توصل صاحبها إليها. ولكن كرستوفر نولان في كل مرة يجبرنا على الانشغال بشكل حياكته لحدوتة فيلمه. ففكرة الفيلم ذاتها، لم تأت بغير مسبوق. كلها تلعب على الأوتار الحساسة لكلمات قابلتنا سلفا في أفلام ماضية. مثل " إنقاذ العالم"، " التفاوت الزمنى فضائيا وأرضيا"، " البحث عن خيارات معيشية خارج كوكب الأرض".

ولكن نولان اختار أن يمنحنا شعور أكثر حيوية بهذه الخواطر. التي سبق أن بثوها لنا في شكل إليكترونيات ثمينة الكُلفة، وزهيدة القيمة. فحبكة نولان تقوم قائمتها على أساسات ذهنية إنسانية. معضلة درامية مشوقة تتنصل من شقها التجارى. الذي يتحقق بتبعية غير مقصودة.

د. كوبر الأب والرجل الذي كان يعمل في السابق مع وكالة ناسا. يتخذ قرارا صعبا في مغادرة كوكبه تاركا عائلته، للبحث عن بديل للحياة في مجرة أخرى، بعدما باتت الكرة الأرضية تهدد سكانها بالموت القريب. عبقرية نولان تبدأ من حيث انطلاقة الرحلة، فهو لم يتردد في خوض القوانين والحقائق العلمية التي يمكنها أن تتوافق مع ما نسجه خياله عن هذه الرحلة. ومن بين متاهات العلم، استخلص نولان فكرته الآدمية عن صناعة الخيال العلمى السينمائى.

طريقة التنفيذ

(الشخصيات)

عادة في أفلام الخيال العلمى_وحتى الجيد منها_ تتبدى الشخصيات كدمى، مجرد عرائس تُحركها خطوط الحدث. ولكن في interstellar، تبرز كل شخصية من بين براثن الحدث، بشكل يُجبره على التطور، ويضيف إليه نكهة حريفة، تُحمى وطاس الجرعة الإنسانية من دون ابتذال واجترار فارغ للمشاعر.

أبرز هذه الشخصيات هي شخصية د.كوبر "ماثيو ماكونهى". هذا الرجل الذي يعمل مزارعا بالاسم. ولكن هويته الحقيقية مازالت مدفونة بين ركام النظريات العلمية والقوانين الفيزيائية، وهالة عمله السابق كطيار فضائى لدى وكالة ناسا. هذه الشخصية التي يتعمد السناريو أن يبرز فيها الهوس العلمى من المشاهد الأولى. مبينا مواطنها العصبة المراس. و التي انتقلت بالوراثة إلى ابنته "ميرفى" وهى الشخصية التي تأتى بعده في الأهمية. الفتاة الصغيرة التي تميل للإيمان بمعتقدات والدها بشدة، وتتضح فيما بينها وبينه همزة وصل قوية، ساهمت في خلق أجواء دافئة على مدار الفيلم. وخلفت إثرها عددا من التفاصيل الرقيقة في السرد. فمثلا حينما يصر كوبر على التقصى عن بعض الإحداثيات الغريبة التي يعثر عليها في غرفة ابنته، تصر ميرفى على أن تأتى معه، وعندما يرفض بتعنت، يجدها مختبئة إلى جانبه في السيارة أسفل كومة من الملابس. هذه اللفتة البسيطة التي تساهم في إضحاكنا وقتها، هي ذاتها التي قد تُسيل الدموع من أعيننا حينما ينبش كوبر عن صغيرته تحت كومة الملابس وهو في طريقه لقيادة السفينة الفضائية التي قد لا تعود به إلى الأرض. فلا يجدها، ونتأكد حينها أنه سيذهب من دون وداع ميرفى، بل وعلى خلاف جذرى بينهما حول قرار قبوله المجازفة والسفر من الأساس.

د.براند "آن هاثواى" هي الشخصية التي اختزلها السيناريو في مجموعة من العلاقات والمواقف. فبدت على الرغم من بهتان هويتها الشخصية، ذات حضور قوى، وفاعلية مؤثرة في توجيه بوصلة الحدث. براند الابنة الوحيدة للدكتور المتزعم فكرة البحث عن موطن جديد بعيدا عن الأرض. الرسائل التي كان يبثها والدها لها دعمت دائرة وجودها بين الفريق، وأهلتها لمشاركة كوبر معاناته في الفقد. الموقف الآخر، الذي أسس لأهمية هذه الشخصية، هو علاقة الحب التي ربطتها بأحد العلماء المفقودين على ظهر أحد الكواكب المُحتملة لفكرة الحياة البديلة. وهى الصيغة الأقوى والأجمل التي يمكن أن يدعم بها أي سيناريو خيارات الحدث في المنتصف الثانى من الفيلم (القيام بخلق حدوتة مستقلة ومكثفة). فالرحلة التي انطلق فيها كوبر، تقوم على التأكد من صحة الإشارات التي يبثها العلماء المتواجدين بشكل متناثر على أماكن قد تدعم حياة الجنس البشرى بدلا من الأرض. وفي نقطة معينة يتحتم الاختيار ما بين كوكبين مختلفين لاثنين من العلماء. ترتبط براند مع واحد فيهم بقصة حب قديمة. فتؤيد في مشهد لا يفوقه رقى دعمها لحبيبها، منحازة في حوار مسترسل ومنمق عن قوة الحب التي لا يمكن مجاراتها بالحسابات والنظريات. فتتبدى قوة هذا النولان وعظمته في أن يُضفر بخبث وأناقة، كل هذا الكم من المشاعر مع متاهة الحدث ونبرته التشويقية والمعلوماتية أيضا.

السرد

شكل السرد في الغالب عند كريستوفر نولان، لا يتخذ هذا الطريق المستقيم. فهو على الأغلب يتعرج في بثه الحقائق، ويبدأ أحيانا من نهاية الحدوتة مثلما حدث في inception. ولكن نولان في فيلمه الجديد، التزم بطريقة سرد آمنة، تبدأ مع البداية وتنتهى مع النهاية. ضامنا في ثقة الوصول بالمتفرج إلى ذات المتاهة التي يولجه فيها دوما للبحث عن التفاسير. فالفارق الزمنى الذي لا يتجزأ من شكل الحدوتة، بين توقيت الأرض والفضاء، كان كفيلا بأن يُدعم خطط نولان، ويفسح مجالا لأسلوب إرباكه المعهود كمخرج. مما دفعه لخلق الأحجية، كما لابد لها أن تكون. وساعده أيضا ليلجأ إلى حيلته المفضلة، إزاء تقطيع الأحداث بالتوزاى في مناطق ساخنة وحيوية. مثلا القطع ما بين مشاجرة دكتور كوبر ودكتور مان (الدكتور صاحب إشارات الكوكب الثانى، والذي اتجهوا إليه وفقا لما يبثه عن وجود حياة على أرضه) بالتوازى مع مشاجرة ميرفى مع أخيها بشأن انتقال عائلته إلى مكان أقل تأثرا بالغبار (السبب الرئيسى في انقلاب الأجواء الجوية في الأرض، مما سيؤدى فيما بعد لموت السكان).

نولان رائد التنميق في وجهة نظرى. فإن راقبنا مثلا مدى ولهه بمشهد التحام سفينة كوبر بمقر "اندوريوس" (وهو المقر الذي يساهم في الانتقال بسفينة الفضاء إلى حيث وجهتها المقصودة عن طريق الدوران) سنجد أن هذا المشهد تطلب منه الكثير من العناية والإبراز، لغرض قد يعصى على المتفرج فهمه في وقتها. ولكن فيما بعد، وعند محاولة دكتور مان سرقة "الإندوريس" واقتحامها بالالتحام بها عنوة. ستتبدى قيمة المشهد الأول، والذي يُبين صعوبة إتمام هذه العملية. ومدى خطورة الخطأ فيها.

وأخيرا، وهو الجزء الأكثر دسامة والأجدر إشادة بخصوص السرد. هذه الجرأة الغريبة التي صمم عليها نولان في التعامل مع أطراف الحدوتة بعلمية مفرطة. حيث قوّم جنباتها ومنابتها على ركائن ومسميات فيزيائية وفضائية مبهمة بعض الشيء، لمن أراد المتعة القريبة. وفي الوقت ذاته مُحققة لحالة "النهم" لمن أراد السفر لما هو أبعد من الاستمتاع السريع بفيلم. مصطلحات معقدة، استخدمها نولان في الحوار مثل " الثقب الدودى"، "الثقب الأسود"، "الأبعاد الخماسية"، "النسبية الزمنية" وغيرها. وبعملية بحث صغيرة، سنجد مثلا كلمة "الثقب الدودى" _ومن بين مفاهيمها المتعددة_ لها مفهوم معادل لعملية طى الزمن، واختزاله، أي هي نظريا ظاهرة كونية تساهم فعليا في السفر عبر الزمن، هذا المصطلح الشائع الذي سبق واستخدمته عدد من الأفلام، دون الجرأة في اطلاق توصيفا علميا مماثلا لما أبرزه نولان.. ومع اختلاف حقيقة وجود هذه المسميات الكونية الفضائية كما رسمها لنا الفيلم، وعدم الاتفاق على مدى فاعليتها الحقيقة. فهى تظل مسمى نظرى متواجد دفعنا السيناريو للنبش عن أصله وفصله بالتفصيل. وهو ما يشير إلى مهارة نولان، في التوصل لحدث متخيل من تحت رأس مسميات علمية راكدة، قد يكون العمل الفعلى بها مستحيل (كتطبيق فكرة السفر عبر الزمن فضائيا من خلال الثقب الدودى). هكذا كانت كل المعلومات التي وردت بالفيلم، على غرار هذا الطرح الغير مسبوق في تجريده، والمبسط في الوقت ذاته إلى أقصى درجة، لمجرد أنه مُوظف تماما في مكانه، بعيدا عن محاولات التردد وتقديم التفاسير التي تُضيع مهابته الحقيقة، وهو ما جعله مؤثر للغاية في رفع مؤشر المتعة، وتدعيم الأجواء.

آخر كلمتين:

_ موسيقى هانز زيمر، تحمل على عاتقها ربع الطلة التي يخطف الفيلم متفرجة بها.

_"ماثيو ماكونهى" نحت موهبته على مشاهد سيناريو نولان، مضمنا خبرته التمثيلية التي ستشهد لصالحه بعدد السنوات القادمة من عمر هذا الفيلم.

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان