رئيس التحرير: عادل صبري 07:09 صباحاً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

طالع نازل...ومبدأ التواكل

طالع نازل...ومبدأ التواكل

فن وثقافة

بوستر فيلم طالع نازل

طالع نازل...ومبدأ التواكل

بقلم.. إسراء إمام 06 أكتوبر 2014 15:38

إذا امتلك أحدهم فكرة عن حدث مكثف يقع في مكان واحد وله توقيت محدد، إذن فهو قد قطع نصف الطريق لكتابة سيناريو جيد، أما إذا ما احتكم على فكرة تقع في مكان واحد وفى يوم واحد حول عدد من أشخاص لا تربطهم صلة واحدة ( أى يسعه اختلاق العدد الذى يشاءه من الشخصيات وبالتالى الحواديت)، إذن فهو عند أول خطوة فى طريق ممهد لإعداد فيلم جيد.

هذه الطمأنينة، في حد ذاتها خطرة للغاية، قد تودى بوعى صاحبها إلى نقطة لا يفقه فيها مدى جودة إنتاجه. تدفعه للاغترار بالمظهر الفقاعي الهش الذى تمنحه اياه بمجانية مبدئية، قبل أن يتورع هو ليبلغ ذروة اجتهاده. فيبقى بريق الفكرة، ليغلف مناطق فراغات عِدة، وكثير من مواطن الضعف فى سيناريو لم يسعَ للمزيد.


 

الفيلم اللبنانى "طالع نازل" من الأفلام التى اتخِمت بفكرتها، اغترت بمحيط عيادة الدكتور النفسى المحتشد حولها عدد من المرضى، وتركت لهم ساحة الثرثرة، فى يقين غريب، من أن هذه الثرثرة ستفصح عن نفسها، وتكشف بشىء من الشعوذة عن المعاناة المتوارية خلف كل منها، كنوع من تتمة العطايا التى تغدقها ألمعية الفكرة على السيناريو.


 

تواكل

رغم أن السيناريو اكتفى بعدد محدود من المرضى، إلا أنه أخفق فى صياغة معاناتهم بالمفهوم الذى يخلق حالة فيلمية متكاملة، فبدا بوح كل مريض منفصل بهوجائية عن ما يجيش به الآخر، وكأننا بصدد مشاهدة عدد من الأفلام القصيرة المتوالية، وليس ثمة حالة معينة تجمعهم فى سياق واحد، لتقوى من شوكة الإحساس بالفيلم كله، وتحقق له شىء من المصالحة مع المتفرج. فالفيلم افتقر لما يؤكد على شخصيته، ويمنحه إطلالة واحدة لها سماتها. وهذه المتطلبات التى قد يفكر أحدهم بهامشيتها، قد تكون سببا من الأسباب التى تحمل على كاهلها وبمفردها فشل فيلم ما.


 

إنها حالة تواكل واضحة على نضارة الحكاية القادمة، الاعتماد على الدماء الدافئة التى ستضخها الشخصية القادمة فى مسار الحدث، ومن هنا تبدأ الشخصية بسرعة فى بخ ما يحمله صدرها، وبنفس العجالة تفرغ منه، وتغادر فجأة، ليأتى من بعدها. فلا يعد أمامنا أكثر من خيار الإحساس اللاشعورى بأن هؤلاء الأشخاص ما هم إلا ممثلين فى فيلم. فالممثل، لا يقصد الدكتور فى حديثه، وإنما دوما يتوجه إلينا وهو يبعثر كلماته هنا وهنا، وما الذى يدفع المتفرج ألا يظن هذه الظنون، طالما لا يوجد ملمح واحد لأى علاقة قريبة تجمع هذا المريض بالدكتور النفسى الذى يتضح من الحديث أنه يتردد عليه بإستمرار. الدكتور يجلس مكتوف الأرجل والأيدى مثلنا، يستمع بسذاجة أبله إلى ما يتجشأ به مريضه، وإن قاطعه بسؤال فكأنه يقول فى معنى سؤاله "استمر فى حكيك للكاميرا، وها أنا ذا أصطنع سؤالك والاهتمام بك".


 

فذلكة

بين فواصل الحكايات، يظهر عدد من الأشخاص فى الأسانسير، وكأنهم يعرضون فقرة الاستراحة والانتقال للفقرة القادمة. منهم من يغنى، والآخر يُقبل حبيبته ..إلخ، وأقرب دفاع يمكن أن يتفوه به المخرج "محمود حجيج" عن هذا الحشو الـ (بلا طعمة) باللهجة اللبنانية، أن لكل منا معاناته الخاصة التى يمكنه أن يفرغها أمام مرآة الأسانسير بدلا من الدكتور النفسانى، كل منا يجد طريقه ليتملص منها، على مبعدة من باب عيادة الطبيب. نعم الإجابة ذاتها جذابة، ترمى إلى مزيد من العمق، ولكن إشكاليتها لا تقف عند استيعابنا لمغزاها من عدمه، وإنما فى إلصاقها بالفيلم بهذه الفوضوية، دون بذل أية جهد فى فهم مبدأ طرحها، العمل عليه برعاية أنضج، وتطويع أهمية معناه فى العناية بسرده، بما يبعد عنه تهمة (الفذلكة الفارغة).


 

امتدت هذه الفذلكة إلى الصورة، فاحتفظ المخرج بالكادر الغير كامل للمرضى، فمثلا يطير شكل رأسهم أحيانا، وأحيانا أخرى يتبدى نصفهم السفلى فقط . غير أنهم التزموا بتعبيرات وجه مصطنعة، وردات فعل مغالية، إضافة إلى حركاتهم الجسدية الانفعالية الكاذبة (وهو الأمر الذى فاق الإحتمال)، على سبيل المثال وعندما كان أحد المرضى السوريين يحكى عن معنى البوح بالنسبة له، مال بجسده لآخره نحو الخلف تعبيرا عن الانطلاق، فى حركة أقرب للأداء المسرحى الخاوى، رغم أن الحوار فى هذا المشهد دونا عن مشاهد الفيلم بأكلمه كان الأكثر جمالية وصدق.


 

النهاية ولحظة المواجهة

حُجة ليلة رأس السنة والتى تدور فيها الأحداث، لم تُمثل الذريعة الكافية لكى تنقذ الفيلم من لحظة الكشف المخزية قبيل النهاية بمشاهد قليلة. وهى الأوقات التى ظل السيناريو يدور فيها حول مساحات الفراغ التى خلقها فى السابق، يعيد ما قاله، ويقول ما يعيده. يلتقط لقطات مختلفة للمرضى وهم يمارسون مرضهم  فى توازى بالاحتفال برأس السنة. فنجد أحد المرضى يرص المانيكانات التى يقوم بإصلاحها ويجبرهم على الأكل والاحتفال معه، فى شو استعراضى رائع، يحاول بكل الطرق فى شفقة أن ينال استعطاف المتفرج. بينما تستمر آنا (أحد المرضى) فى التجول بالشوارع فى غيبوبية غير مقنعة، لا تجد شيئا لتفعله، فحتما هذه هى النتيجة الطبيعية لشخصية لا تمتلك سوى كلمات غامضة، ملقاة فى غير ذات أهمية على سمع طبيب نفسى، لا تقف على أرض ثابتة، بينما خُلقت من عدم ولن تضيف إلى حضور الفيلم سوى العدم.


 

ولأن ليس ثمة ما يمكنه أن يسعف الموقف، فها هى الحيلة الأقدم التى يظهر فيها الدكتور ذاته صاحب مشاكل أسرية، فنجد زوجة الطبيب تختلق نزاعا هاويا متوقعا للغاية، لا يمنح الفيلم قبلة الإنعاش المنتظرة.

آخر كلمتين:

_ "طالع نازل" .. اسم لفيلم يمكنه أن يكون أفضل مما كان.


 

اقرأ أيضاً


 

Approve for adoption.. هوية مشوهة وطفل لا يقنع

إسراء إمام تكتب.. The fault in our stars.. حالة أقوى من الفكرة

إسراء إمام تكتب..As above so below..الرعب في صورة أكثر تنقيحًا

إسراء إمام تكتب..عن فيلم "عن يهود مصر" ..سطور من التفكر والتساؤلات

إسراء إمام تكتب.. "جوازة ميري" عشوائية لا يجوز تسميتها فيلم

إسراء إمام تكتب: "الحرب العالمية التالتة" والبصمة اللاذعة للثلاثى القادم


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان