رئيس التحرير: عادل صبري 10:04 صباحاً | الأحد 21 أكتوبر 2018 م | 10 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

أنغام جوليا .. تجمع فرقاء السياسة اللبنانية

أنغام جوليا  ..  تجمع فرقاء السياسة اللبنانية

فن وثقافة

جوليا بطرس - ارشيفية

أنغام جوليا .. تجمع فرقاء السياسة اللبنانية

الأناضول 09 سبتمبر 2014 06:07

وحدت الفنانة جوليا بطرس فرقاء السياسة اللبنانية وتناقضاتها، وعكست صورة المجتمع اللبناني المنقسم على نفسه، في عينة مصغرة جمعهم مسرح بلاتيا في بلدة علما القريبة من مدينة جونية الساحلية شمال بيروت على مدى يومي السبت والأحد الماضيين.

توحد الجميع ليلة الافتتاح ظرفيا في المكان: قوى "8 آذار" و"14 آذار" بشقيها الشعبي والرسمي من سياسيين أبرزهم وزير التربية الياس بو صعب، الذي كان نجم المشهد المطلبي في البلاد لأشهر حيث تولى مهمة التفاوض مع العمال وهيئة المعلمين ‎الذين تظاهروا عدة مرات في الأشهر الماضية لزيادة أجورهم، كما كان نجم الحفل باهتمامه شخصيا بالضيوف الكبار لحفل زوجته "السيدة" جوليا التي أرادت أن تكون "حكاية وطن" أسمى من كل الانقسام السياسي الحاد في لبنان.

 

بكثير من الحب، لاقت جوليا جمهورها، مرتدية فستانا أحمر، في حين كانت الشاشة الإلكترونية العملاقة خلفها تعرض ورودا وفراشات حمراء. صفق الجمهور كثيرا مستقبلا فنانته، وردت التحية بأغنية "طل وشرف قبل الكل بيلبقلوا هالاستقبال". هكذا خاطبت محبيها وهي تغني، تشاركها  فرقة اوركسترالية وترية من ١٢٠ عازفا عالميا، بقيادة المايسترو هاروت فازليان، ورافقها على البيانو الموسيقي اللبناني ميشال فاضل، كما حضر خصيصا من ايطاليا العازف ماريو ستيفانو على الاوغورديون وفرقة الرقص سيم من برنامج "آراب جوت تالنت" (Arabs Got Talents).

 

وبعد أن سكتت الموسيقى قالت: "طليتو(طللتم) وشرفتو(شرفتم).. أليس الغناء أفضل من الكلام.. لنغني معا".

 

هنا اختارت جوليا الغناء على الكلام، وكأنها تجسد فكرة الخوف لا الهروب، على حد اعتبار الناقد الفني والكاتب جهاد أيوب الذي أن "الخطورة في الفنان الملتزم هو قيامه بفعل التجاهل وهذا أمر قد يعتبره البعض شطارة في حين أن آخرين قد يجدوا فيه استغباءا لمحبي جوليا".

 

عندما وصلت جوليا إلى أغنية "أشرف إنسان"، انقسم الجمهور بين من بدأ بالتصفيق وقوفا وآخرين استقبلوا الكلمات بصمت، كأنهم غير راضين أن تتوجه فنانتهم المحبوبة إلى أمين عام حزب الله حسن نصرالله في هذه الأغنية، غير أن موقفهم هذا لم يمنعهم من التفاعل بحماسة مع أغان أخرى قدمتها حول الحب والرومانسية.

 

يوضح أحد الحضور، المتمايل على وقع انغام أغاني جوليا، أن موقفه السياسي مغاير لها لكنه يشارك في معظم حفلاتها "لأن الفن أكبر من أي إطار ولأن السياسة لا يمكن أن تحمل إلا التشاؤم تحديدا في بلد مثل لبنان". فيما ترى شابة أخرى أن الواجب الوطني "يقتضي المشاركة بأي حفل لأي فنان ملتزم لأن الوطن أكبر من كل التفاهات السياسية".

 

بعد أغاني الحب والعشق، جاء دور الجيش، في أغنية "أطلق نيرانك"، التي أثارت حين إصدارها عام 2012 لغطاً واتهمت جوليا بأنها غنتها دعما لجيش النظام السوري، ما اضطرها حينها الى النفي بشكل رسمي. خلال هذا الحفل، غنت الأغنية ذاتها متأخرا نوعا ما وكانت صورة الشاشة الخلفية لها للجيش اللبناني، في وقت كانت الانباء تتوالى عن ذبح جندي لبناني أسير آخر لدى الدولة الاسلامية (داعش). بدا أن التحية للجيش اللبناني جاءت متأخرة كما تساءل البعض من الحضور قبل أن يبرروا "أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا".

 

ولم تنسى جوليا القضية الفلسطينية، فغنت أيضا "الحق سلاحي"، وهي مهداة الى الشعب الفلسطيني و"المقاومة" في أي مكان ضد الاحتلال.

 

بالرغم من ارتفاع أسعار التذاكر نسبيا إذ تراوحت بين 30 دولارا للصفوف الخلفية و200 دولارا للصفوف الأمامية، إلا أن القاعة المخصصة للحفل والتي تتسع لـ 4 آلاف شخص فقد امتلأت بالكامل.

 

ومع الحالة الاقتصادية التي يعيشها عامة اللبنانيين، يصبح التساؤل مشروعا حول نوعية الجمهور المستهدف من قبل المنظمين، فربما كانوا يبحثون عن جمهور مختلف. هو ليس نفسه جمهور "الثورة" ولا "المقاومة" ولا "القضية"، بدا وكأن من أهداف الحفل رفع "المستوى" قليلا وأكثر ليتناسب مع "برجوازية الغناء الثوري الجديد" إذ "غالبا ما تكون الثورة أنشودة الفقراء فيما يكونون وقودها في معظم الأحوال".

 

هكذا كان خروج جوليا على تاريخها جديدها لعام 2014، فتوقيت الحفل "جاء في الوقت الضائع بين مهرجانات الصيف، ونهاية الموسم"، كما يشرح الكاتب الصحفي جمال فياض.

 

وقال فياض "لا أظن أن للوضع السياسي أي علاقة بتوقيت الحفل، جوليا أطلقت ألبوما غنائيا وتريد أن تصور أغانيها لتثبت أنها مطربة الجيل، مع جمهور كبير وأمام محطات التلفزة"، مشيرا إلى أن هذا "نوع من ترفيع حجم البرستيج الذي يمارسه كبار النجوم، وبكلفة مادية ذاتية".

 

وبخلاف هذا، يبرر جهاد أيوب أن ما يجري اليوم للفن الملتزم يتحمل مسؤوليته الشارع الذي أصبح "متطرفا فالتشويش غيب البصر وجعل هذا الفن  خرافة ودور الفكر والأدب أصبح مغيبا بإرادة المثقف العربي الغائب عن دوره".

 

وبسبب تغير نبض الشارع العربي، تحول الانفصام إلى واقع في أغاني جوليا "لأنه يشبه حال الشارع العربي المنقسم على دينه وحاله وقضيته"، بحسب أيوب الذي لفت إلى أنه "لم يعد هناك من قيمة للموقف الذي قد يتخذه الفنان خوفا من قطع الرزق، لكن في الوقت نفسه قد يتخذ الفنان موقفا متطرفا ويبالغ فيه حتى يغيب أو يجلس الفنان أو الأديب أو الشاعر خارج الحدث فيصبح تكملة عدد". ويضيف: "جوليا تبحث عن حقيقة لا تشبه الواقع لذلك وقع فنها في الانفصام حتى تتضح الرؤية".

 

منذ بداياتها حملت جوليا بطرس قضية الوطن في قلبها، فهي ابنة الجنوب اللبناني الذي خضع للاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1978 و 2000، كانت انطلاقتها مع أغنية "غابت شمس الحق" الشهيرة وقد غنتها في الحفل ملهبة مشاعر الجماهير، غير أن التزامها الفني بقضية شعبها والشعب الفلسطيني لم يمنعها من الخوض في أغاني الحب والعشق، وإن لم تبدل هذه الانعطافة مواقف جوليا الظاهرة والمخفية، إلا أنها غيرت واقعها المادي والاجتماعي ما دفع البعض إلى طرح التساؤلات الكثيرة عن طبيعة حفلها الأخير.

 

 يقول فياض: "لا أرى الموضوع يحتمل البحث في الانعكاسات، فالفن الغنائي اليوم محصور بالترفيه واللهو. أما الغناء الملتزم فقد ضعفت جماهيريته إلى أدنى مستوياتها. لا اعتقد أن الغناء الملتزم اليوم يحظى بما كان عليه في الستينات والسبعينيات سواء في لبنان أو العالم العربي.  فالغناء غير الترفيهي محصور بالغناء للجيش فقط، هكذا فرضت الظروف والوضع القلق الذي نعيشه في لبنان اليوم".

 

و يوضح فياض أن جوليا "نالت تأييد من يرون أنها تغني لهم لكنها لم تتفوق عندهم على المطربين والمغنين الذين يكتسحون سوق الغناء الهابط مثل أغاني ‘خرطش فردي’ (القن مسدسي)، و’بوسك بالتابوت’(اقبلك في النعش).. هذا هو السقوط السائد اليوم ولم تربح أغاني جوليا المعركة معه". ويتابع " في المقابل خسرت جوليا بعض جمهور ممن لا يؤيد توجهاتها السياسية المعلنة".

 

فتح عنوان "حكاية وطن" أبواب التفسيرات والتكهنات على مصراعيها، لكن الوقائع كانت مغايرة، إلى حد تأكيد وجهة النظر القائلة بأنه لا يمكن لأي فنان أو شاعر أو كاتب أن يحكي قصة الوطن منفردا، في أغنية أو قصيدة أو فيلما. وباستثناء اغنية "صلاة يا رب" التي أنشدتها متضرعة إلى الله،  طالبة منه حماية لبنان والوطن اجمع، كانت جوليا هي نفسها مع بعض الاختلافات التي فرضها واقع الحال في العالم العربي.

 

ويرى أيوب أن "جوليا تعيش اليوم على مرحلة سابقة من الحلم وهي لا تريد أن تقترب من الواقع الراهن وما يشهده من ثورات أعرابية خريفية ساهمت بتشتت بلاد العرب وتقسيم المقسم من جديد، وتوهان الشارع إلى شوارع واستغلال جرثومة التطرف الديني، وهذا سبب الخوف عند جوليا من أن تصرح، تبوح، تقول، عن نضال لم يعد يعرف هدفه".

 

انتهت حفلة جوليا، و"حكاية الوطن" الذي فكر الجميع أنها ستكون أساس المناسبة، ربما لم تكن سوى شموع أضاءها الجمهور بطلب من فنانته  التي قالت: "غنوا معي وضووا (اضيئوا) شمعة" للوطن فكان لها ما أرادت، وردد الجميع "كل اللي منحبن صاروا حكاية وطن.. دفعوا الثمن دم وغالي كان الثمن".

 

لكن في المقابل، ثمة من رأى أن "الحكاية" هي ألبوم جديد وضع في قرص مدمج "سي دي" كان معروضا على ستاندات خاصة بمبلغ 20 ألف ليرة لبنانية (13 دولارا أميركيا تقريبا)، ما حدا بالكثيرين إلى الإحجام عن شرائه ممكن بسبب سعره المرتفع نسبيا، مفضلين ابتياعه من خارج الحفلة.

 

 وفي الحالتين كانت الخلاصة إيجازا من فياض: "حكاية وطن.. تكاد تكون كلام مواطن يريد أن يعلن عن رأيه المستتر، لا أحد يستطيع أن يحكي حكاية وطنه بأغنية أو فيلم أو مسرحية، خصوصا إذا كان الوطن فيه مئة وجهة نظر، هذه حفلة فيها أغاني.. من يحبها ذهب ليسمعها ومن يؤيدها صفق لها، وتنتهي الحكاية وإلى اللقاء في العام القادم".

 

 

أخبار ذات صلة:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان