رئيس التحرير: عادل صبري 11:53 مساءً | السبت 23 يونيو 2018 م | 09 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 38° غائم جزئياً غائم جزئياً

إسراء إمام تكتب.. The fault in our stars.. حالة أقوى من الفكرة

إسراء إمام تكتب.. The fault in our stars.. حالة أقوى من الفكرة

فن وثقافة

مشهد من الفيلم

إسراء إمام تكتب.. The fault in our stars.. حالة أقوى من الفكرة

إسراء إمام 08 سبتمبر 2014 15:50

"لقد أعطيتني أبديتي الكبيرة في أيام قليلة"..

"أول سؤال يسألونه لك فى الطوارىء، تقييم الألم الذى تشعر به من خلال الأرقام من 1 إلى 10، فى وقت ما كنت أشعر بصدرى يحترق، وقواى تتراخى عن مجرد النطق، فأشرت للممرضة بالعدد 9، وحينما استفقت فيما بعد، أخبرتنى أننى مقاتلة شرسة لأننى قيمت أقصى درجات الألم بالعدد 9. فى الحقيقة أنا لم أقيم ألمى بهذا العدد لأننى شجاعة، ولكننى فقط كنت أدخر العدد 10 لوقت آخر، وقت مماثل لفقدانى (اوغسطس واتر)".

هازل فتاة مصابة بنوع غريب من سرطان الرئة، يستوجب احتفاظها لخيط رفيع من الأوكسجين مثبتًا أسفل أنفها، ينتهى بأنبوب ثقيل تسحبه مع ذيل خطواتها إلى كل مكان، مثلما تجتر القليل الباقى من عمرها فوق كتفيها كالحِمل. رغبتها فى الاحتضار تتسارع، وزهدها للحياة يتفاقم مثلما تتورم الخلية السرطانية برئتها، حتى يظهر "أوغسطس واتر" بحياتها، ليظل جسدها كما هو فى طريقه للفناء، بينما تذرع روحها مسافة فضفاضة من الرضا والشَبع.

The fault in our stars، فيلم لا يلقى بفكرته فى حِجر المشاهد، يكومها صماء، وينتهي حرصه عند إفادته بها، بل يتأملها ويُبلورها، بمنطق سمائي يلفظ العقل، ويندرج بدرجة أكبر تحت خانة الشعور، يتفلسف بأناقة نافضًا نبرة التحذلق المتوقعة فى أفلام شبيهة، يصوغ حدوته فى بساطة وسحر على الرغم من موضوعها المألوف، والذى تم تناوله من قبل بأكثر من منطلق.

الفكرة

إنها ليست أيقونة معاناة مرض، تحكى عن كيفية مجابهة الموت، والحث على الشجاعة قبيل دنو موعد حضوره، أو انتزاع دموع الشفقة والتعاطف مع أصحابه. إنها قصة عن الكمال، حدوتة عن دافع من دوافع الطمأنينة. شبكة من العلاقات المرسومة بعناية، علاقات التفت حول عُنق الأزمة، نبتت حول أصولها، اكتسبت هيئتها على حسب فاعلياتها ومسارها.

عن الفيلم والكتاب والحبكة الهجينة

يقوم السيناريو على كتاب جون جرين، الذى يحكى حدوتة هازل بكل تفاصيلها كما جاءت فى الفيلم، حدوتة استوحاها المؤلف من مقابلته لفتاة تُدعى Esther Earl، والمريضة بنفس نوع الورم السرطانى الذى ظهرت به شخصية هازل. الإحكام البارز فى خط سير السيناريو، وإجادة خلق التشابك فيما بين علاقاته وحوداثه، يعتمد كليًا على الكتاب، كما سارت جماليات الفيلم بأكمله وفقًا لهذا النهج، فيما عدا أداء الممثلين والقدرة على خلق حالة متناغمة مع مضمون حدوتة جون جرين، سواء باستخدام الموسيقى أو شكل التقطيع المونتاجي، أو تحضير المتفرج تحضيرًا صحيًا لاستيعاب مادة الكتاب، وتوصيلها فى بلاغة وافية، يُهيأ للمُشاهد فيها أنه اطلع على سطور هذه الرواية، واختبر مواقفها مقروءة، ولم تتوقف سعة إدراكه لها على المستوى المرئى.

الملفت لم يتلخص فى تفاصيل الشخصيات نفسها، بينما حل فى الصياغة المتقنة لشكل عوالمها. فـ هازل، تعيش كابوس الاحتضار في صمت، وهى تعيد قراءة كتاب تعشقه حد الجنون مرات ومرات. أيضًا، هيئة حياة والدها ووالدتها، وقد انطبعت قتامة مأساة ابنتهما على طبيعة عيشهما، وعلى الطريقة التى يحتضناها بها، وكأن كل شىء فى الكون يتمحور حولها. كذلك جاءت القسمات الطفيفة، والتى تم الإفصاح عنها بخصوص حياة أوغسطس كافية، تقدم دلالة جيدة للمتفرج حول أولويات أفكاره، وانتماءاته الفكرية. التى لم تكن تتلاقى بالضرورة مع مفضلات هازل. بينما بدت منفصلة عن قدرته الهائلة فى أن يُكمل نقوصات هذه الفتاة بالرغم من نضجها على المستوى الفعلي، وهذا بالضبط ما دفع هذه العلاقة الفريدة بأن تبلغ ذروة استقرارها، بمعنى أن كل من هازل وأوغسطس يتممان بعضهما، ولا يتلاقيان فيما يتشابه بينهما.

فـ هازل تعشق كتابًا روائيًا فلسفيًا، وأوغسطس تعود على قراءة قصص الترويع والإثارة. هازل تقف عند منطقة محدودة من التعامل مع الواقع، أما أوغسطس فيمتلك البراح الواجب توافره فى ظروف مشابهة، لاحتضار لم يتبق عليه سوى القليل.

مع كل هذا يأتى عنصر آخر، لا علاقة له بالشخصيتين ليُساهم فى إرساء قاعدة علاقتهما، وإزكاء سيرها بغير تعثرات. هو الموقف الذى حدث مع كاتب هازل المفضل، والذى تذهب من أجله فى زيارة لأمستردام مُصطحبة معها "أوغسطس"، الذى كانت _ تعتبره وبناء على مأساة مرضها _ مجرد صديق، رغبة فى حمايته منها، ولكن هذا الاعتبار يتغير بدوره بعد المصادمة التى عرضها لها، فإن هاوتن (كاتبها المفضل)، حينما عنفها بأسلوبه الفظ، وصراحته التى تقترب من حد الوقاحة، مواجهًا إياها بأنها لا تأبى ألا تغادر منطقة وقوفها، رغبة فى وطء خطوة أخرى إلى الأمام، بل تترك منطقة مهمة من تفكيرها متمركزة حول سؤال، تتوق بشدة لأن يجاوبها إياه: "ماذا سيحدث لباقى أبطال كتابها المفضل بعد موت شخصيته الرئيسية"؟ هذه الفكرة مُلهمة ورئيسية، قام عليها العمود الأساسى لحبكة الفيلم، وفى ايجازه الغير مُخِل، يُمكننا أن نستوضح كم الإرباك الذى حققه مرض هازل فى نفسها، وشكل تفكيرها.

جرأة وحرية أوغسطس وحدها، ما كانت لتفتح بابًا من النور فى حياة هازل دون تعنيف "فان هاوتن" وحديثه عن الأبدية، ذلك الحديث الذى اقتطفت منه فى أول فقرة بالمقال، والذى وصفت من خلاله هازل تأثير حبيبها أوغسطس على حياتها.

عن شكل السرد

وهي من المميزات التى تُحسب لصالح الفيلم، على مبعدة من سيطرة كتاب جون جرين. ففى بداية الفيلم على سبيل المثال، يأتي مشهد تتحدث فيه الأم والطبيبة عن اكتئابية هازل، يتوازى مع هذا المشهد مقاطع أخرى تروى فيها هازل شكل حياتها، ورؤيتها للعالم الصغير من حولها. إن مثل هذه البداية الحماسية، خلقت طلة لاهثة وقويمة تعبث بشغف المتفرج، وتدفع به ليتورط مع الحالة المطروحة. تمامًا مثل الافتتاحية التى أطل بها الفيلم فى لقطة لعينين هازل وهى تتوحد الكادر، ومن ثم يتضح أن تلك اللقطة ذاتها مقتطفة من مشهد النهاية. إلى جانب التصوير البطىء الذى رُصدت به اللقطات المتوالية، وقت نوبة هازل المرضية قبل السفر، والتى رغم قِصر مدتها إلا أنها جسدت حالة من الذعر، والقتامة، بـ طلتها المكتومة، العابرة ظاهريًا والعالقة على مستوى التأثير.

آخر كلمتين:

_ Shailene Woodley من مقومات نجاح الفيلم، ليس فقط بأدائها السلس، بينما فى طلتها الموائمة فطريًا لروح هازل كما كتبتها سطور جون جرين.

_ من المشاهد السخيفة والتى لا تتلاقى مع الفكرة التى يطرحها الفيلم، المشهد الذى يجتمع فيه الأصدقاء الثلاثة (هازل، ايزاك، أوغسطس) لقذف البيض صوب منزل مونيكا، صديقة إزاك الماضية، والتى أخبرته أنها لن تقوى على استكمال علاقتهما بعدما يجرى عملية لاستئصال عينيه، مقاومة للخلايا السرطانية، فمن حق أى شخص أن يتدارك وعد قطعه بسذاجة، وأن يقوى على مواجهة ذاته، ومن أمامه بشجاعة مثلما فعلت مونيكا، وبالتالي تصرف الأصدقاء، كان طفوليًا، قاطعًا لسياق دراما الفيلم بشكل مؤرق، ومتناقض مع طريقة تفكيرهم الواعية التى سبق وعرضها السيناريو.


 

اقرأ أيضًا:
إسراء إمام تكتب..عن فيلم "عن يهود مصر" ..سطور من التفكر والتساؤلات

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان