رئيس التحرير: عادل صبري 07:04 مساءً | الجمعة 25 مايو 2018 م | 10 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 39° صافية صافية

إسراء إمام تكتب..عن فيلم "عن يهود مصر" ..سطور من التفكر والتساؤلات

إسراء إمام تكتب..عن فيلم عن يهود مصر ..سطور من التفكر والتساؤلات

فن وثقافة

فيلم يهود مصر

إسراء إمام تكتب..عن فيلم "عن يهود مصر" ..سطور من التفكر والتساؤلات

إسراء إمام 07 سبتمبر 2014 15:25

حدوتة يهود مصر...

هل يمكن لأحدهم الجزم حول ماهية هذا الموضوع؟، طبيعة توصيفه؟. لأى الفئات يليق إدراجه؟، وعلى أى أساس تنطلق نقطة سرده؟. بإعتباره جزء من التاريخ السياسى؟، أم ملمح إنسانى واجتماعى؟. وجه من الوجوه السابقة لمصر؟، أم تبعات حالية لفوضى كانت ؟. إن كنت تملك الخيار فى تزكية أسلوب صياغة هذه الحدوتة، فماذا ستختار؟، أن تقرأها فى كتاب، أم تشاهدها فى فيلم؟، وإن كنت تميل إلى السينما، فأيهما تفضل فيلم روائى أم تسجيلى؟. حدوتة يهود مصر، موضوع شديد الإلتباس، يطوى فى جعبته عدد من الإغراءات، التى تبدو مُلهمة لأى مُبدع فى التناول، ولكنها فى الوقت ذاته، مُلغزة، كالشِرك المنصوب، تتربص بمن يجرؤ على الدنو منها، توصد عليه بيبان متاهتها. فهى تحمل طرفا من كل لون، قتامة التاريخ، حميمية الحالة الإنسانية، وبرودة المعلومة الموثقة. والعمل الفنى أمام تلك التفرعات المتناقضة فى بعض نقاط، يقف مبهوتا، محايدا إن لم ينل منها قبل أن تناله، وتقسم ظهر روايته.

عن يهود مصر..الجزء الأول

مجهود غير مسبوق قام به المخرج أمير رمسيس، ليوثق الحدوتة داخل إطار سينمائى جرىء فى طرحه وأفكاره. دسامته تكاد تُجزم أنه أوفى بجمع كافة المعلومات المتوفرة عن هذه الفترة الهامة من التاريخ. ولكن عند التفكر بوجهة نظر أخرى، سنجد أن الفيلم افتقر إلى نوع من الدفء الذى لا يمكن نفيه عن طبيعة الحدوتة الأصلية (كما ذكرنا من قبل). وبالرغم من المحاولات المضنية التى بُذلت فى إطلاق عفوية الرواة (الشهود من اليهود) أمام الكاميرا، إلا أنهم ظلوا مرتبطين بكونهم مجرد أيقونة رمزية لإستخلاص حقيقة بعينها. بل تبدت، أحاديثهم الجانبية عن فترة معيشتهم فى مصر، تائهة مُقحمة التوظيف فى شكل مادة السرد، التى اكتنزت بالإقرارات المعلوماتية، لدرجة أكلت وجود المادة السينمائية، فألزمتها مقتصرة على طريقة استخدام الموسيقى، والقطعات المونتاجية. بينما تراجع دور الكاميرا، ووقف حد عملها على التقاط صورة الرواة، وإعداد بعض الكادرات المتبعثرة فى الصورة المرئية المصاحبة للحديث عن أماكن بعينها (كادرات شواطىء اسكندرية وشوارعها على سبيل المثال)، والتى تم تضفيرها مع الصور الفتوغرافية ومقاطع الفيديو القديمة. فبدت ضيقة التأثير متعجلة الطابع.

الرغبة فى الجمع بالتوازى فيما بين الحقائق التاريخية عن الحوادث والشخصيات (على المستوى الفنى والإجتماعى والسياسى)، ومحاولة مزجها مع الحالة الإنسانية التى يتضمنها حكى الرواة عن حياتهم السابقة فى مصر، كونت إيقاع لاهث، مُثقل، لا يقف ليتمهل ويتأمل. ليس ثمة وقت لهذا. فبدا المضمون مزدحم، يطفر حديثا، ويكتنز معلوماتية. بالطبع لها قيمتها على مستوى التوثيق، وهيبة أصوليتها وتفردها، واحترام العمل علي تنقيحها. و ولكن السؤال هنا إلى أى مدى حققت هذه المادة الفيلمية غرضها سينمائيا؟، وهل خلقت الحالة المتناغمة التى يُمكن تخيلها عن الفيلم السينمائى الذى يتعرض لمثل هذا الموضوع المعقد؟، هل أرضت غرور مُخيلتك ؟، وتنامت للحدود التى قطعها شغفك مرئيا وشعوريا؟. إنها المُعضلة التى لم يقوى على كسرها سوى أفلام تسجيلية قليلة، تنتصب فيها أسلوبية المخرج بشجاعة أمام قوة الموضوع الذى يخوض فيه، يغلبها وينال منها قبل أن تبتلع كاميرته وحسه السينمائى فى متاهة خيوطها المتشابكة.حتى وإن ضحى فى سبيل ذلك بعدم بلوغ كمالية المادة المعلوماتية.

عن يهود مصر... الجزء الثانى

هنا تبدل الحال تماما، تكثفت الحالة المراد سردها. فبدت تُفصح عن حالها من تلقاء نفسها ، وتترك متنفسا لعين أمير رمسيس كمخرج. فالحديث فى هذا الجزء تناول خيطا ملموسا، غاية أكثر شفافية، واختزال جامع مانع. فرصد المخرج "أمير رمسيس" حال نساء الطائفة اليهودية الحالية فى مصر، مرتكزا فى تناوله على حواديت ماجدة ونادية شحاتة هارون، بنات اليهودى "شحاتة هارون" المناضل عن حقوق مواطنته إلى آخر رمق.

ففى أحاديث ماجدة ونادية نتعثر بكل مقومات الفيلم السينمائى الباقى روحانيا، حتى مع احتوائه على القدر المعقول من المعلوماتية، وإرساءه لخلفيات ثقافية تاريخية وسياسية على نحو تلقائى. فبين كلماتهما الحارة، وإفادتهما الواسعة، تعرضنا لظروف أسرية مُلهمة، حالة إجتماعية وإنسانية قوية، وجه تراثى وحضارى فعال. فإنتقلنا مع ماجدة لرؤية أكثر من معبد، برزت فيها كادرات رمسيس بشكل ملحوظ، وثّقت صمتها وركونها على مر سنوات عِدة، وهى تنغلق فى سكون وترقب على حديث لم يقال، لملمه رمسيس بعدسته وألقى لنا به لنعمل على تفكيك أحاجيه وماورائياته. نظم رمسيس هنا أنفاسه كصاحب رؤية، والتى سبق وأهدر معظمها فى الجزء الأول، فإنتسب إليه هذا الجزء بمقدار أكبر، وبالرغم من عمق وجودية أبطاله أمام كاميراه، إلا أنه أطل وسط حضورهم، وخلق لنفسه من بينهم شىء يخصه ويُعرّفه.

العلاقات فيما بين أفراد الطائفة، شكل الوثائق التى تتعامل معها ماجدة، الخلفيات عن نوعية التعامل المتبادل بين شحاتة هارون وأسرته، إحساس ماجدة ووصفها لعاتق مسئوليتها فى الطائفة، المشاعر التى تغلف وتمزج فى عفوية كل هذا ببعضه، ارتفع بالفيلم إلى نقطة سرد متماسكة، لها بداية ووسط ونهاية، حتى أبعد شطحاتها تتسق فى تناغم مع نقطة البدء.

تجربة "عن يهود مصر" بجزئيها، تجربة تحمل من المباردة والإقدام ما يدفعنا لإحترامها وتذكرها، تنطوى على جهد ودأب ما يثير الإعجاب والإشادة. ولكن الجزء الثانى بالأخص، يعتبر وجه من وجوه التسجيلية المختلفة الأقرب والأبقى. التسجيلية التى تثور على قوالب معهودة، وتمنح المعلومة فرصة لظهور مغاير على شاشة السينما.


 

آخر كلمتين:

_ لا أعتبر الجزء الثانى مُكمل للأول، بل أعتبر كل منهما تجربة قائمة بحد ذاتها. لها روحها وأبجديتها المغايرة.

_ موسيقى الجزء الأول من جمالياته البارزة، أما موسيقى الجزء الثانى فتشبهه، تطل بنفس الهدأة والثقة والتمهل.


 

اقرأ أيضًا:
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان