رئيس التحرير: عادل صبري 01:46 مساءً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

المسرح .. المسكوت عنه فى إبداعات نجيب محفوظ

المسرح .. المسكوت عنه فى إبداعات نجيب محفوظ

فن وثقافة

مشهد من مسرحية النجاة

المسرح .. المسكوت عنه فى إبداعات نجيب محفوظ

محمد عبد الحليم 30 أغسطس 2014 14:34

نشر للأديب العالمي نجيب محفوظ 8 نصوص مسرحية، الخمس الأولى منها في جريدة الأهرام ما بين شهري أكتوبر وديسمبر من العام 1967 وضمت إلى مجموعة من القصص القصيرة التي نشرت أيضا بنفس الجريدة وفى كتاب حمل عنوان واحدةٍ من هذه القصص وأشهرها وهو "تحت المظلة" في عام 1969، وتلك النصوص هي "يحيي ويميت" و "التركة" و "النجاة" و "مشروع للمناقشة".

وظهرت المسرحية السادسة من أعمال محفوظ المسرحية وهى "المطاردة" ضمن مجموعة "الجريمة" عام 1973، والسابعة "الجبل" والثامنة "الشيطان يعظ" ضمن مجموعة حملت ولأول مرة اسم واحدة منها وهى "الشيطان يعظ" عام 1979.

هذا ما أورده الناقد المسرحي الكبير الدكتور حسن عطية في دراسته الجديدة التي نشرتها أكاديمية الفنون في شهر يونيو الماضي تحت عنوان "تخطيط لدراسة سوسيولوجية .. شخصيات مسرحيات محفوظ بين سلطة الكاتب وسلطة المجتمع".

والدكتور حسن عطية من كبار النقاد في مجال المسرح، نال الدكتوراة في فلسفة الفنون من جامعة "الاوتونوما" الاسبانية، وهو عضو مجلس إدارة المعهد الدولي لمسرح البحر المتوسط، وله دراسات عدة في القصة و الرواية، وصدر له بالإسبانية كتاب عن "عالم نجيب محفوظ"، وسبق أن عُين عميدًا للمعهد العالي للفنون المسرحية.

ولفت الناقد الدكتور حسن عطية مدير مجلة الفن المعاصر إلى أن خمسا من عالم نجيب المسرحي، تدخل في النطاق الزمني الذي عبر عنه محفوظ باعتباره فترة فقدان الاتزان الفكري والروحي، واللجوء لأسلوب الكتابة العبثية، وبسهولة يمكن إدراج النص السادس "المطاردة"، رؤية وأسلوبا ضمن هذه المرحلة، باعتبارها ممتدة إلى ما قبل نصر أكتوبر 73، فتظل مرارة الهزيمة عالقة بها، رغم مرحلة الصمود والتصدي وحرب الاستنزاف وتغير النظام السياسي، وتدور أحداث هذه المسرحيات الست دوما في لحظات الغروب وإقبال الليل، وداخل مكان محدد، وموضوع أساسي هو الحياة والموت، وشخصيات رئيسية هي الرجل والمرأة، أو الفتى والفتاة، على حين تأخذنا كل من المسرحيتين الأخيرتين "الجبل" و "الشيطان يعظ" لعالم ما بعد النصر والمحاسبة، ويختلفان عن سوابقهما في غياب التجريد عن موضوعاتهما، وحضور الأسماء المعرفة ، ولجوء الأخيرة لعالم ألف ليلة وليلة الفانتازي.


 

وقال حسن عطية في دراسته الجديدة: "وسط العالم السردي الذي تفرد به نجيب محفوظ بمكانة سامية في مجال الرواية، فضلا عن تميزه في مجال القصة القصيرة، ومع تواجد الحوار بكثرة في العديد من أعماله السردية، طرق محفوظ حقل الكتابة الدرامية للمسرح في مرحلة متأخرة من مسيرته الإبداعية، منتجا ثمانية نصوص فقط خلال عقد ونيف من السنين"، ما بين نهايات عام 1967 وبدايات عام 1979.

وأوضح أنه رغم أن مسرحيات محفوظ هى جزء من عالم صاحبها الإبداعى، تقرأ فى ضوء الرؤية الكلية لهذا العالم الإبداعى، غير أن كتابته لها فى عقد زمنى هام وخطير فى تاريخ المجتمع المصرى وفى إبداع محفوظ نفسه، حده الأول هزيمة يونيو 1967 التى زلزلت المجتمع المصرى وكاتبنا الكبير، وواسطة العقد قبيل اندلاع حرب أكتوبر 1973، وما شاب هذه الفترة من توتر عام فى المجتمع، وبين المثقفين خاصة تجاه موضوع اللاسلم واللاحرب، وحده الآخر توقيع معاهدة السلام مع العدو الإسرائيلي في مارس 1979 والتي زلزلت بدورها المجتمع مرة أخرى وغيرت من حركته حتى يومنا هذا، وهو ما يعنى أن هذه المسرحيات معبرة بالضرورة عن هذا الزمن المتوتر بين الهزيمة على يد إسرائيل والحرب معها، فالسلام والاعتراف بوجودها، وفهم هذه المسرحيات فكا لشفراتها وتفسيرا لعلاماتها في ضوء مرجعها الكامن في سياقيها الاجتماعي والثقافى فى زمنها، وأيضا في ضوء السياقين الاجتماعي والثقافي لزمن التلقي الآني، والذي يخلق جدلًا بين سياقات مختلفة وأزمنة متباينة، ووعى حقيقي وآخر زائف بهذه السياقات والأزمنة معًا.

وقال الناقد الدكتور حسن عطية: إن هناك ميلا لدى كثيرين لتلقي أجواء مسرحيات محفوظ التجريدية وشخصياته المجردة وموضوعاته المطلقة على هدى رؤى تيار "مسرح العبث"، خاصة أن محفوظ نفسه اعترف في زمن لاحق بأنه تأثر فعلا بهذا المسرح.


 

وتوقف الناقد حسن عطية عند ثلاث نقاط في قراءة نصوص محفوظ في سياق إبداعها الاجتماعي والثقافي، وهى: تيار مسرح العبث الذي ظهر بقوة في خمسينيات القرن الماضي في أوربا، وهزيمة يونيو 1967 المزلزلة للعقل العربي في مصر، والتي أفقدت محفوظ على حد قوله اتزانه النفسي والفكري، ودفعته للاعتقاد بأن الشكل الواقعي لا يصلح للتعبير عن هذه الحالة، التي رآها "أقرب إلى العبث"، وعالم نجيب السابق واللاحق، ورؤيته للحياة والمجتمع، ونظامه الخاص في الإبداع، وموضوعات إبداعه الأثيرة، ومفردات قاموسه الخاص، ومدى "انطباق الشكل على المضمون" في إبداعه عامة.

وقال الدكتور حسن عطية: "يثير عنوان مسرحية "مشروع للمناقشة" منذ البدء فكرة أن ثمة مشروعا يعرضه صاحبه للنقاش حوله لحسم أمر ظهوره للناس، وهو مشروع إبداع نص للمسرح، ويجرى حدثه الدرامي في حجرة إدارة مسرح شهير، يطرح محفوظ داخلها رؤيته الفلسفية للحياة ولعملية الخلق بصورة عامة، ورؤيته الفنية للمسرح وعملية الإبداع داخله، فيقدم فى البداية العالم الذي يواجهه الكاتب المبدع، وهو عالم مجسدي العرض المسرحي"

وأضاف أن محفوظ توقف نحو ست سنوات عن الكتابة فى حقل المسرح، حتى فاجئنا بمسرحية "المطاردة" عائدا بها لعالم المطاردات والمتابعات العبثية، ومديرا حدثه الدرامي حول رجل قوى البنية أسود الثياب يبدو كالقوة الغاشمة غير المعروف مصدرها ولا هدفها، يطارد شقيقين يمثلان بثيابهما لونى الحياة الأبيض والأحمر.

وقال: "كتب محفوظ آخر مسرحيتين له، وهما "الجبل" و"الشيطان يعظ"، بعد أن عاد إليه اتزانه الروحي والفكري، وتحرر من وطأة الهزيمة الكارثية، وشاهد التغير في النظام السياسي، ولمس مآسي الانفتاح الاقتصادي، وأدرك خطورة بعث الجماعات الدينية السلفية المتطرفة للقضاء على كل التيارات التقدمية، فبدا الواقع أمامه ليس أكثر بياضا ورونقا من قبل، لكن أسبابه مدركة، ومن ثم قام ببناء مسرحيتيه بناء كلاسيكيا، وأجرى وقائعهما فى أماكن محددة المعالم واقعيا وتاريخيا، ومنح شخصياته أسماء معرفة، ودفع بمشاهد القتل خارج فضاء المسرح، وجعل اللغة المنطوقة متطابقة مع فكر وحال الشخصيات الواقعية، وفتح الطريق لنهايات محددة لا لبس فيها، ونشرهما فى نهاية مجموعته القصصية التى حمل عنوانها اسم الثانية منهما وهو الشيطان يعظ".


 

وقال الناقد حسن عطية: "عادت الحارة المحفوظية في مسرحية "الجبل" لدلالتها القديمة، لتتسع للمجتمع بأكمله، وإن غابت عن فضاء المسرح، تاركة كهف فوق سطح المقطم يحتل الوجود المرئي، والذي تحتله بدورها جماعة نصبت من نفسها قضاة للحارة، تحاكم من تراه مخالفا لأفكارها وتنفذ فيه حكمها بعصيها، فيدور الحدث الدرامى داخل هذا الكهف المظلم، الذى يضم فى البداية خمسة من الشباب يحملون أسماء "حلمى" و"رمزى" و"حسنى" و"إسماعيل" ثم رئيسهم الذى يحمل اسما يبدو للوهلة الأولى يهوديا وهو عساف، غير المتداول فى قائمة الأسماء المصرية".

وأضاف: "يستدعى هذا الاسم إلى الذهن وقتها والآن اسم العقيد الإسرائيلي عساف ياجورى الذى أسرته القوات المصرية مع كتيبته للدبابات فى اليوم الثالث لحرب أكتوبر 73 ، غير أن ذاكرة نجيب محفوظ وعقله الواعى فضلا استخدام هذا الاسم للإشارة الدالة على مصدر فكر هذه الجماعة القابعة بفضاء المسرح، وهو لقب الدكتور محمود عساف سكرتير حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان وأمين تنظيم المعلومات "جهاز المخابرات" في جماعة الإخوان وصاحب كتاب "مع الإمام الشهيد حسن البنا" مؤسس الجماعة ومرشدها الأول، فضلا عن ميل محفوظ دوما لاستخدام أسماء ذات دلالة خاصة بشخصياته المختارة".

وقال: "يبدو القائد عساف باطشا بآرائه على غير هدى، حادا فى سلوكه دون تبصر ، قاتلا بيديه دون رحمة ، قائدا مجموعته التى تعيش وسط الحارة المسالمة، ناصبا من أعضائها قضاة ما دام العدل لا يجد من يقيمه كما يعلنون، ويرون أن ما يفعلونه من قتل لغير المؤمنين بأفكارهم هو رسالة تعاهدوا عليها لإزالة الظلم من على الأرض، معلنين أنهم قضاة لا محامون فى معارضة واضحة لعنوان كتاب "دعاة لا قضاة" للمستشار حسن الهضيبى المرشد العام الثانى للإخوان المسلمين، وذلك فى إشارة واضحة للجذر الممتد بين جماعة الإخوان المسلمين والجماعات المتأسلمة الجديدة، والاختلاف فى ذات الوقت، العلنى على الأقل، بين مفاهيم الجماعة الأساسية ورؤى الخارجين من عباءتها".


 

وقال الكاتب حسن عطية إن الحدث الدرامى في مسرحية "الجبل" ينطلق بقتل الجماعة فى البداية لرجل يرتدى الملابس البلدية ، يبدو أنه تاجر ، ثم آخر فى ملابس بلدية أيضا ، يبدو أنه مالك، دون إيضاح لما ارتكبوه من مظالم أو أخطاء يستحقون عليها القتل ، ممن لا يملكون حق محاكمتهم، والذين يمضون من جريمة إلى أخرى، حتى يؤثر القتل ذات يوم على البعض من أعضائها، فيضعف حسنى أمام دفاع الرجل المقتول، فيراجعهم بالعقل ويفكر فى الانسحاب، حينذاك يتخذ عساف قرارا فرديا يقتل به حسنى خنقا خارج المسرح لعدم إطاعته لأمر الجماعة".

وأوضح أن " شخصيات هذا النص تخضع لسلطة الكاتب تماما، والمستمدة من رؤية الجماعة الثقافية المستنيرة التى ينتمى إليها والتى أدانت التطرف وتكفير المجتمع، لذا لم تمتلك الشخصيات هنا الفكاك من قبضة الكاتب الموجهة لحركتها طوال الحدث الدرامى، فبدت ككائنات متحركة فى فضاء المسرح تمسك خيوطها يد الكاتب من خارج المسرح، تلعب كل شخصية دورها بسرعة ثم تخرج أو تعجز عن المتابعة، وتظل الشخصية المحورية القائد عساف هو محور الفعل وطرف الصراع الداخلى، فى مواجهة المجموعة بأكملها".

أما مسرحية "الشيطان الحظ"، فقال الناقد البارز الدكتور حسن عطية إنها تأخذ مسارا مختلفا عن بقية مسرحيات "محفوظ"، إذ تلجأ لأجواء تاريخية، تعود فيها لأواخر القرن السابع الميلادى وأجواء فانتازية تستمدها من حكاية "مدينة النحاس" المغلقة على نفسها والعصية على الفتح كما جاء بحكايتها فى "ألف ليلة وليلة"، فتستخدم بالنسبة للأجواء التاريخية أسماء شخصيات حقيقية، وتجرى وقائعها فى زمن "موسى ابن نصير" بالمغرب، طارحة فكرة "اليوتوبيا المضادة"، التى تقدم وجها مناقضا لمدن العدل والحرية والتسامح والتقدم التى حلم بها الفلاسفة والأدباء على مر العصور.


 

اقرأ أيضًا:


 

رؤوف مسعد: أدب نجيب محفوظ كشف فساد الأنظمة

"محفوظ.. علامة مضيئة" بقصر الأمير طاز

عمار علي حسن: "الإرادة" سر عبقرية نجيب محفوظ

حضور متجدد لنجيب محفوظ بالأعلى للثقافة

الهلال تنشر مخطوطات نادرة لأولى روايات محفوظ

يحيى شاهين سى السيد السينما المصرية

إطلاق الدورة الثانية لجائزة نجيب محفوظ للترجمة

سمير عبد الباقي: تم تكريمي بعد إنتاج 170 كتابًا

أحمد شلبي: علينا مواجهة تهميش 15 مليونًا من ذوي الاحتياجات الخاصة

المجلة ترصد مظاهر رمضان بأدب نجيب محفوظ

نقاد: الهوية السبب وراء نشوب الحروب في العالم

ليالي رمضان الثقافية تحتفل بذكرى انتصار أكتوبر

الشافعي: يجب أن تؤرخ وزارتا الثقافة والدفاع للعمليات البطولية

الروائية سلوى بكر: في مصر نتعامل مع الثقافة بعقلية طقسية

تبسيط رواية ميرامار للشباب بقصور الثقافة

أسامة أنور عكاشة.. نجيب محفوظ الشاشة الصغيرة

أثر ماركيز في الأدب العربي بصالـون نجيب محـفـوظ

فلسطين قضية محورية في حياة ماركيز

هيئة الكتاب تصدر قراءة في رواية اللص والكلاب

مسرح-ملك-للممثل-الواحد">الثلاثاءمسرح-ملك-للممثل-الواحد">.. مسرح-ملك-للممثل-الواحد">انطلاق مهرجان مسرح ملك للممثل الواحد

الحجار يختتم فعاليات مهرجان الأوبرا الصيفي بالإسكندرية

سوء الإقبال يؤخر ندوة المهرجان القومى ساعة كاملة

مسرح-تنعي-محمد-آل-علي">الهيئة العربية للمسرح تنعي محمد آل علي

مسرح-ملك">فتح باب التقديم لمهرجان الممثل الواحد بمسرح ملك

بالصور.. قاسم إسطنبولي بمدريد غدًا دعمًا لغزة

مسرح">بالصورمسرح">.. مسرح">تكريم أبو الخير على قهوة بلدى بالمهرجان القومي للمسرح

انطلاق فعاليات مهرجان المايم بساقية الصاوي.. 18 أغسطس


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان