رئيس التحرير: عادل صبري 07:26 مساءً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

إسراء إمام تكتب: "الحرب العالمية التالتة" والبصمة اللاذعة للثلاثى القادم

إسراء إمام تكتب: الحرب العالمية التالتة والبصمة اللاذعة للثلاثى القادم

فن وثقافة

فيلم الحرب العالمية الثالثة

إسراء إمام تكتب: "الحرب العالمية التالتة" والبصمة اللاذعة للثلاثى القادم

إسراء إمام 21 أغسطس 2014 14:47

"هذا الفيلم ليس مسروقا من فيلم (night at the museum).. لكنه شبهه أوى أوى".. هذه هى الكلمات التى اختار أن يبدأ بها الثلاثى (فهمى وشيكو وماجد) فيلمهم الأخير "الحرب العالمية التالتة"، والتى تحمل صفة الهزلية اللاذعة التى يحملونها طوعا فوق أكتافهم فى كل أعمالهم السابقة، السمة التى تخصهم وتضعهم فى خانة مغايرة، لا تتقيد بمخرج أو منتج، فتمضغ وجود اسم السبكى وتحيده على الهامش، تُلزمه قواعده وتعيده إليها سالما كمجرد مدير للشئون المالية.



 

هى الكلمات التى تعلن عن اعتزازهم بشطحاتهم، واحترامها، فحينما تعنونت خيالاتهم تحت اسم فيلم بن ستيلر الشهير اختاروا أن يسجلوا اعترافهم على تترات فيلمهم، على الرغم من أن أفلام أشهر وأحدث قد تم الاستلهام بفكرتها، ولم يتم الإشارة إليها بشكل صريح من قريب أو من بعيد. فهذه الجملة تعتبر حتى فى سخريتها ومواربتها سبقا لم نره على تترات فيلم مصرى منذ وقت طويل.

عالم مواز

الطريف أن هذا الاقتباس هو أقرب دليل على موهبة هذا الثلاثى الواعد، لأنه يبرهن على امتلاكهم عالمهم الخاص، محاكاتهم المذهلة الممسوكة على الرغم من شططها، والمنضبطة على قدر هذيانها.

والنجاح هو أن تملك عالمك الموازى، العالم الذى يُحصن صاحبه ضد الشتات الذى يفرضه عليه السوق أحيانا، تقلبات الطلب، وتدخلات المنتج، والطلة التى يحبسه فيها الجمهور إن انحسرت موجات أفكاره بهذا العالم الذى من المفترض أن يملكه، وهذا بالضبط ما حدث مع "أحمد مكى" بعدما كان من أكثر نماذج الأبطال إحكاما على عالمه، فتراجعت مؤشرات نجوميته فى الوقت الذى تخلى فيه عن ملامح هذا الإطار الذى يلائم مقاس موهبته، صعد على المسرح ليواجه الجمهور بدون جعبته السحرية، واستعار ممن فى الكواليس كل ما كانوا يجودون به، لكى يدعموا نمرته ويرفعوا عوائد ربحها، والنتيجة أن المهرج لم يكن ولو لوهلة قادرا على التعرف على حاله، فكيف للجمهور أن يعرفه. "مكى" فى سمير أبوالنيل، بالتأكيد نفس الـ"المكى" الذى ارتأيناه فى إتش دبور وطير أنت، ارتعشت أنامل ساحر العرائس، وتمزعت أطراف الدمية لتفقد تناغمها.

هذا الاقتباس يُبرز صمود مدرسة هشام وشيكو وماجد، أمام حبكة أفلام بن ستيلر (وهو من النجوم التى تمتلك ذائقة خاصة، وشكلا مميزا للمحاكاة). الفكرة ذاتها، ولكن الإدارة تنبئ عما هو أكبر من فيلم ممتع، بينما تُبرز قيمة العقلية المنفذة، تخلق لها ملامح وصياغة ومحددات، مقبولات ومرفوضات، تبرز أسلوبا متكاملا، وطريقة من الطرق الفريدة التى سُجلت باسم هؤلاء الثلاثى، وتصلح بجدارة لكى نضعها فى مجابهة مع أساليب أخرى من ضمنها أسلوب ستيلر فى نفس الفيلم. وهذا ما لا يمكننا القيام به مع أفلام بعينها، اقتبست فكرة أجنبية لتصنع منها فيلما مصريا، حتى وإن اختلفت تماما فى التناول، وغلفت الحبكة بطابع مصرى أصيل وعُقدة مغايرة، لأن الاقتباس هنا، سيكون - حتى وإن كان ممتعا ناجحا - مجرد نموذج لحالة صناعة مفردة، لم تقم على أساس بعينه له نكهته المألوفة، وبناؤه المعهود. وهذا بالضبط ما يُميز ثلاثى البصمة اللاذعة.

السيناريو

لو أننا أمام بطل آخر بصدد تحويل هذه الفكرة إلى فيلم مصرى، لضربته هو وبقية الصناع المشاركين ألمعيتها، ومقدرتها المبهرة على إزاغة العين، والانسياب صوب استغلال مقوماتها الملهية والمبهرة، فما الأفضل من أن تجعل أبوالهول عاشقا للدخان (السجائر)، وبوب مارلى (بيحشش)، وإلخ... ومن بين كل هذه المغريات التى بالطبع ستملأ وقت ساعات عرض الفيلم، ستنمحى ملامح النكتة ويبهت وقعها، ويتحول المشاهد من المتعة الصاخبة والانخطاف المؤقت إلى دروب حامية من السخط والملل، وهذا ما لم ينجر إليه الثلاثى كالكثيرين من قلبهم الذين حاولوا أن يعبثوا مع أفكار مثيلة.

ولكن الذكاء هنا أن يتم التعامل مع الفكرة بحنكة وهدوء، بحيث يتم الاستفادة من مقوماتها الخاصة، وفى الوقت نفسه إخضاعها تحت التصرف بدون أن تأكل نيرانها منطقية صنعها من الأساس. ولهذا نجد فى سيناريو فيلم الحرب العالمية التالتة خطوطا درامية لها بدايتها وتراكماتها وسوابقها، كعلاقة خميس (أحمد فهمى) بوالده، وتغذيتها بتفاصيل تخصها لها وقع كوميدى قادر على استحضار الإيفيه، علاقة أخرى كعلاقة نيفرتيتى بولدها توت عنخ أمين، العلاقة التى فى تواريها عن العيان يتجسد شىء من ملامحها المرضية والمانحة الابتسامة دون افتعال. تاريخ المتحف نفسه، وشكل إدارة الحياة فيه. وشخصية مثل شخصية هويدا (إنعام سالوسة) التى لن نرها أبدا بمثل هذه المتناقضات فى أى سيناريو آخر، السيدة المسنة التى تملك نزعة واضحة لا يخطئها القلب والعين للشر، وفى الوقت ذاته تعشق الطبيخ وتجر خلف أذيالها فى كل مكان أطباق الطعام والخبز وصينية لنقش الكحك. وأهم من كل هذا هو الجهد المبذول، لكى تبدو حبكة الفيلم بأكمله، على الرغم من كل كرتونيته، مقنعة.

دخول خميس المتحف لأول مرة كان بالصدفة البحتة، وتوريطه فى معاودة الذهاب إلى المتحف ابتعد عن هذا المنطق التلقائى ولم يقربه ثانية، وفى تضافر محبوك، استغلت كل الخطوط الدرامية المرسومة بعناية لتعيد خميس إلى المتحف، وتُذيبه فى إشكاليات الاستمرار والوجود إلى جانب التماثيل حتى نهاية الفيلم. وهنا تظهر أهمية بناء تاريخ ملموس لحكاية تماثيل المتحف، وخلق حكاية ماضية تخص صراعاتهم السابقة، فتظهر شخصيات مثل هتلر، وتتبين طبيعة تعاونه مع هويدا، وفى الوقت نفسه، تتلاحم مع الخط الذى تم وضعه مسبقا لشخصية علاء الدين، وإبراز الذكاء فى الإصرار على كون شخصية كرتونية مثله موضوعة فى مصاف تماثيل تاريخية (على الرغم من عدم تنغامية شخصياتها ومكاناتها وعصورها) وهو مجرد أسطورة كرتونية طفولية بعض الشىء. إن كل ما تم تضمينه فى السيناريو كان له معنى، وظيفة فيما بعد، ودور قوى ومهم فى الحبكة. فنحن هنا ليس بصدد الالتفاف حول الفكرة، وإنما تطويع أفخم فكرة وفقا لأسلوبية صانعيها.

منهاج الكوميديا

إنه ذات المنهاج الذى يطل به فهمى وشيكو وماجد، لم تضف إليهم الفكرة، وإنما هم من أصبغوا عليها لونهم المميز فى تخليق وإلقاء الإيفيه، فنجد مثلا شخصية خميس، بدقائقها الخاصة، فى تباطؤ الفهم، والتصدى لأمور أصعب من قدراتها، والفطرة الخاصة بتكوينها فى خفة الدم. كلها صغائر تميز شخصية خميس دون غيرها، وإن تشابهت مع شخصية عصفور فى مسلسل الرجل العناب، فهى تختلف تماما مع الشخصية التى كان يقوم بها فهمى فى فيلم ورقة شفرة أو فيلم سمير وشهير وبهير أو حتى بنات العم. ففهمى قادر على إضحاكك وهو يرتدى أكثر من حُلة، بنفس المنهاج ولكن باختلاف تام يعتمد على صغائر الشخصية، وكذلك يفعل زميلاه، فنراهم قادرين على خلق الضحكة، مهما اختلفت طبيعة شخصياتهم، التى يتقصدون دوما تبادلها فيما بينهم، فنجد شخصية الأبله فى فيلم ورقة شفرة يؤديها شيكو، بينما يظهر بها هشام ماجد فى سمير وشهير وبهير، وكذلك فهمى نراه فى عقلانية ورقة شفرة يختلف تماما عن بلادة عصفور فى الرجل العناب أو خميس فى الحرب العالمية التالتة. هى قدرة أخرى من قدرات هذا الثلاثى، ألا تعهده فى شكل معين ولا قيد بذاته. على عكس الكثيرين من نجوم الكوميديا، الذين ينحبسون داخل شخصية بعينها، أو يتعمدون المغالاة فى تغيير الشكل الخارجى للشخصية معتمدين على الأسلوب ذاته فى الإضحاك، ضاربين بمكنون شخصياتهم عرض الحائط، فلا نراهم يُغيرون ولا يتغيرون.

آخر كلمتين:

- فيلم "الحرب العالمية التالتة" ليس فيلما خرافيا فى جودته، خارقا ليس له مثيل، بينما يأتى اختلافه كله من تماسك أسلوبيته، وإصقالها للبصمة اللاذعة لهذا الثلاثى الذى يحق لنجوم الكوميديا مهابته فيما هو قادم.


 

اقرأ أيضا:

إسراء إمام تكتب: الفيل الأزرق...الميلاد الجديد والمأزق المؤجل

إسراء إمام تكتب: دهشة.. والتفوق على حُرمة اللحظة الواحدة

إسراء إمام تكتب: X_men:Dayes of future past... جودة لا تنفي النسيان

إسراء إمام تكتب: Maleficent.. المشعوذة وفن صناعة الأسطورة

حلاوة روح.. الكذبة التي تدفعك رغم كل شيء للتورط فيها

أفلام العيد شعاع نور بظلمات السينما المصرية


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان