رئيس التحرير: عادل صبري 05:56 مساءً | الأربعاء 15 أغسطس 2018 م | 03 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

إسراء إمام تكتب: الفيل الأزرق...الميلاد الجديد والمأزق المؤجل

إسراء إمام تكتب: الفيل الأزرق...الميلاد الجديد والمأزق المؤجل

فن وثقافة

مشهد من فيلم الفيل الأزرق

إسراء إمام تكتب: الفيل الأزرق...الميلاد الجديد والمأزق المؤجل

إسراء إمام 17 أغسطس 2014 07:09

وجدت الحدوتة كى تُحسن التعبير عن حالها، تتموضع على حافة جيدة للانطلاق، وتشد على وتر الوصل، حتى تبلغ النهاية فى خطوات رشيقة، محيدة العثرات والخيبات وارتخاءات الإيقاع المحمولة على أكتافه. حينما نصطف لسماع حدوتة ما، لا نهتم بنوعها بقدر شغفنا بكمالية جمالها، وقوعها فى أنفسنا موقعا حلوا، ومدى خفتها كضيفة على أوقاتنا. هل حملتنا معها إلى خارج الزمن، أم انحشرت معنا فى مجالنا الذى نتوق للتحليق على مبعدة منه.

"الفيل الأزرق" مادة فيلمية تنغلق على حدوتة جيدة، لها الحق فى أن يتمهل الجميع فى حكمهم عليها، يتخلون فى تذوقهم لها عن نبرة التعالى على نوعها، والتشاكى بكون دونها من المواضيع الأثقل هى الأحق بنصيبها الإنتاجي. "الفيل الأزرق" تجربة مغايرة، حقك عليها يتوقف عند حد تقييمك لطزاجة مضمونها وتوفيقه، وواجبها عليك احترام طينتها وخانة تصنيفها على مبعدة من منهج تطبيقه.

جرأة

اختار الفيلم أن يتتبع خُطى الرواية المأخوذة عنها بنفس الاسم للكاتب أحمد مراد، فهو فى الأغلب لم يلجأ إلى التغييرات إلا على مستويات طفيفة للغاية طوال الفيلم، متخليًا في وضوح عن نقطة فارقة ذُكرت فى نهاية الرواية، بدت هى الاختلاف الأبرز بينها وبين السيناريو. هذا التتبع ينتمى إلى مدرسة يختلف عليها الكثيرون عند الحديث عن تماس الأدب مع السينما، يرفضونها باعتبارها الأكثر استسهالا وقلة حيلة، وبعيدا عن نفى هذه الاتهامات العامة فى غير سياقها الآن، هذه الطريقة فى التناول فى حالة "الفيل الأزرق" بالذات قدمت عددا من الملامح الإيجابية، التى دعمت طلة الفيلم، وقوّت من مواضع استحسانه.

فموضوع الرواية الأساسي، يدور حول واقعة لها وجه خرافي لا غنى عنه، لا يتجرأ أى كاتب على الإقرار به، وإن اقترب منه يتحرش به تحرشا غير مشروع، ويعود أدراجه مسرعا، خوفا من الاتهامات المضنية بالتخريف ونشر الخزعبلات. بينما رواية "أحمد مراد" أرست خطها الرئيسى على واقعة تمس العالم السفلى بجرأة وبغير تردد، دفعت به كخيار لا غنى عنه لحل العقدة المطروحة.

حينما تقرأ "الفيل الأزرق" تستهجن مخيلتك أن ينقلها صناع الفيلم بكافة تفاصيلها على الشاشة، تنفى عنهم بحكم العادة هذه الجرأة الغير مسبوقة فى الحديث بمثل هذا التفسير حول هذه المنطقة، التي لم يتموطأ على أرضها سوى عدد نادر من الأفلام أشهرهم "التعويذة" و"الإنس والجنس". وهذه أولى النقاط الإيجابية التى تُحسب فى صالح الفيلم.

يحيى (كريم عبد العزيز) الطبيب النفسى الذى يعود للعمل بعد غياب، إثر حادثة مقتل ابنته وزوجته، فيصطدم بتحقيق طبي حول تورط صديق قديم فى حادثة قتل لها أبعاد نفسية، ويحتدم الصراع حول طبيعة الحالة التى يعانيها شريف الكردى (خالد الصاوى)، هذا الصديق الغريب الأطوار، فاتحا مجالات عدة لتأويل معاناته. ورغم أن الرواية خلقت توازنا قويا ما بين احتمالين شديدي الثراء أحدهما يفيد بوقوع شريف تحت تأثير مس شيطانى له أصل تاريخى، والآخر متعلق بيحيى ذاته، مُتسق مع فاجعته والتباس شكل حياته من بعد الحادثة، إنه الخيار الثانى الذى لا ينفى وقوع الأول ويتبرأ منه، بينما يُثرى متاهة طرح الحدث، والتوغل فى نفس وعقل المُشاهد.

نهاية سيناريو الفيلم، اختارت أن تشد من أزر الخيار الأول، وترفع مستوى التحدى إلى سقفه، وتنتحى صوب جاذبية إقرار العالم السُفلى والاعتراف بوجوده، على عكس من نهاية الرواية التى ساوت بين الخيارين بتفاصيل منمقة تصبّ فى مصلحة كل منهما على سواء بدون تحيز. وبدون مقارنة بين النهايتين، تتبدى هذه الجرأة التى أطل بها الفيلم، على ساحة تناول باتت تخشى أن تتحيز لمثل هذه المعالجات، وتطرحها بهذا الوضوح والتجلى، وتعتبرها جزءا من الحل الأساسى للمشكلة الدرامية المطروحة.

جماليات

تأتى فى المقدمة الطريقة التى تم تنفيذ بها الفيلم مرئيا، هذه الحساسية المُرهفة التى تعامل بها مروان حامد صوب كل تفاصيل السيناريو وشخصياته وحوادثه. توظيف صغائر الأمور فى صالح دعم أجواء المَشاهد، وتحمية حالة التوتر التى تُغلفها، مثل (المفاتيح التى ظل سامح يعبث بها أثناء التجوال مع يحيى فى قسم 8 غرب)، (شكل ولحظة حضور بحر الدماء الخارج من الحمام وقت محاولة شريف الانتحار)، (أول ظهور لنائل) ..إلخ. هذا بالإضافة إلى الديكورات والكادرات التى تواكب النبض المكتوم المُقبض لقسم 8 غرب، وتنفيذ مشاهد هلوسات يحيى وقت تناوله حبوب الفيل الأزرق (تمددات الحجرة، ذكاء توظيف المزيكا ..زخمها من عدمها، خروج الكلب الأسود من قلب السجادة، لقطات عالم المأمون بحضوره الهاذى المُشَوش). إلى جانب الكادرات المبهرة التى تعاملت مع كافة مشاهد غرفة العزل بنضج ملحوظ، اختصر كثير من الكلمات، وكان خير مجسد لغاية وجود المشهد من أساسه.

لم يَغفل السيناريو تفاصيل الشخصيات، والبناء الدرامى البطيء، والذي يأتي ضرورة لحدوتة يحيى وقصة حبه مع لُبنى أخت شريف. صار بنفس الصبر الذى لم يأخذ من حالة اللهاث التى يُعرض بها الحدث ويتطور. أجاد هندمة أوجاع يحيى، وتوُحش وشهوانية نائل. كما برع هشام نزيه، متجليا بمعجزة أخرى من معجزاته الموسيقية المعهودة.

كريم عبد العزيز لم يقفز على ظهر يحيى بهتانا وزورا، وإنما منح مأساته الأداء الأنيق الذى يليق بها، وأصبغ على قسمات عشقه للبنى الحُلة التى لامست حقيقة هذا الوله وتأزمه، يكفيك أن تراقبه فى أولى لقاءاته مع لبنى، أو تشهد على عينيه وهى تواقع وجودها أينما حلت. أما خالد الصاوى، فمن غيره يملك مثل هذه العيون النفاذة، التى بزخت بهيئة نارية وقت حضور نائل، واستقرت كصفحة بحيرة لم يمسسها حجر وقت وجود شريف.

عثرات

ثمة بعض المَشاهد التى لم يكن لوجودها مبرر، مثل المشهد الذى ذهب فيه يحيى للمكان المعتاد للعب والسهر بعد التشكيك فى كونه مريضا، وخاصة ان السيناريو لم يذكر تفصيلة _تحذير الخادمة الزنجية الموجودة بنفس المكان _ليحيى.

لم يتم تقديم شخصية مايا بالتفصيل الذى تتطلبه، فظهر السيناريو معتمدا على الخلفية التى يعلمها قارئ الرواية عن مايا، شكل وجودها فى حياة يحيى، وطبيعة علاقتهما.

اختيار "نيللى كريم" فى دور لُبنى لم يكن موفقا على الإطلاق، لُبنى إمرأة شهية، حضورها واشى، له نفحة أنثوية عامة أكد عليها نائل، وهذا ما لم يفصح عنه حضور نيللى، وبالتالى خسر خط التلاقى بين لُبنى ويحيى الكثير من الألق، وبدى كاهلا ثقيلا لم تفلح ردات فعل كريم عبد العزيز القوية وحدها فى أن تسنده إلى النهاية.

آخر كلمتين:

_ "الفيل الأزرق" ميلاد جديد ومأزق مؤجل لكريم عبد العزيز .


 

اقرأ أيضًا:

إسراء إمام تكتب: دهشة.. والتفوق على حُرمة اللحظة الواحدة

إسراء إمام تكتب: X_men:Dayes of future past... جودة لا تنفي النسيان

إسراء إمام تكتب: Maleficent.. المشعوذة وفن صناعة الأسطورة

مكنون ماكبيث.. التكثيف فى صورته الشكسيبيرية

حلاوة روح.. الكذبة التي تدفعك رغم كل شيء للتورط فيها

أحمد مراد: لم أسرق الفيل الأزرق..وهذه أدلتي


 



 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان