رئيس التحرير: عادل صبري 11:31 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

المبدع يوسف شاهين يتنبأ بـ 30 يونيو

المبدع يوسف شاهين يتنبأ بـ 30 يونيو

فن وثقافة

الراحل يوسف شاهين

المبدع يوسف شاهين يتنبأ بـ 30 يونيو

محمد عبد الحليم 27 يوليو 2014 16:17

أجمع عدد من النقاد وقطاع كبير من المتفرجين على تنبؤ المخرج الراحل يوسف شاهين بثورة 25 يناير في فيلمه الأخير "هيا فوضى"، إلا أن الكثيرين لا يعرف أنه تنبأ بما حدث في 30 يونيو وما بعدها من أحداث في فيلمه "عودة الابن الضال".

 

تغنى الثوار في ميدان التحرير خلال الـ 18 يومًا الأولى من عمر الثورة بأغنية "الشارع لنا"، التي ضمها فيلم شاهين، والتي كتبها الشاعر صلاح جاهين ولحنها كل من بليغ حمدى وسيد مكاوى، بالاشتراك مع ماهر العطار الذي قام بالأداء الصوتى لشخصية إبراهيم (هشام سليم) وأمين الموجي الذي قام بالأداء الصوتي لشخصية علي (أحمد محرز)، بالإضافة إلى ماجدة الرومى (تفيدة).

 

تبدأ الأغنية بجلوس عمال المصنع مع العائد "على" يحكى لهم فيها عن غربته وآماله الكبيرة التي بذل من أجلها دمائه ومواجهته لظلم أخيه الأكبر ومساومته على البقاء تحت إمرته.

 

ليصر العمال وأهل القرية على التعاون معًا في إنقاذ أنفسهم من هذا الواقع المؤلم، فيخرجوا في الشارع معلنين أن الشارع لهم في مظاهرة حاشدة يقودها على وبجانبيه تفيدة وإبراهيم على كوبرى يشبه كوبرى قصر النيل ليصل المشهد إلى ذروته ويشعر الناس ببلوغ حلمهم وسيطتهم على الشارع، وبالتالى سيطرتهم على القرار والسلطة، ليأتى العسكرى يرتدى ملابس الكاوبوى الأمريكى حاملاً سلاحه ليخيم الظلام على المشهد بعد أن كان في حالة سطوع، قائلًا:

”بس انته وهو..

ضربة في قلبك من جوه

شارع مانع صحبى كوارع

كاوبوى نار رمز القوة

يا له كله يخش الشق

ومفيش لأ

وشد ونأ

مفيش بغبغة هنا ولا نغنغة هنا ولا زأزأة هنا ولا فيه نأ

يا له كله يخش الشأ"

 

ووسط ذهول الجميع، يتراجع المتظاهرون وأولهم "على" الذي علقوا عليه الأمل ولا يبقى في الصدارة سوى الشابين تفيدة وإبراهيم، وهو ما حدث في ثورة يناير وما تلاها في السنوات الثلاثة، حيث خرج الشعب المصري مطالبًا بحريته عاقدًا آماله على نخبة ربما تنقذه، إلا أنها مع أول تلويح للسلطة بالسلاح عادت إلى جحورها مرة أخرى.

 

 

أخرج شاهين "عودة الابن الضال" عام 1976 من قصته بالاشتراك مع صلاح جاهين، وقام بتصويره في الجزائر، ويعتبر ذا طابع ملحمي حيث أفضى فيه صلاح جاهين كل مشاعره حيال الثورة وهزيمة 1967 وانتصار 1973.

 

تدور أحداث الفيلم حول علي الذي ترك عائلته وذهب يحقق أحلامه في مصر، ولكنه وقع فريسة في يد من يستغل أحلامه في مشاريع وهمية فيدخل السجن، وعندما يخرج منه يجد أخاه (طلبة) قد أخذ في يده موازين السلطة ويتحكم في عمال المصنع، ولكن علي بعد مروره بهذه التجربة المريرة لا يستطيع تقديم العون لعمال المصنع برغم اعتمادهم عليه ووعوده لهم.

 

الفيلم يمثل لحرب 1967 على أنها ناتجة عن استغلال رجال الرئيس ومن حوله لأحلامه مما جعلها تنتهي بالهزيمة كما وضح الفيلم في النهاية أن على الشباب نسيان ما حدث والاستمرار في الحلم وتحقيق هذه الأحلام داخل بلادهم.

 

ولد شاهين بالإسكندرية في 25 يناير 1926 من أم وأب لبنانيين من شرق لبنان في مدينة زحلة درس في كلية فيكتوريا كوليدچ إسكندرية، ليذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة المسرح معهد پاسادينا المسرحي (پاسادينا پلاي هاوس).

 

كان أول ظهور له في السينما كَممثل في فيلم "إسماعيل ياسين في الطيران"، بمشهد وحيد، حيث قال لإسماعيل ياسين الجملة المشهورة: "هايل يا سُمعة، كمان مرّة.. عايز ضرب واقعي."

 

أخرج شاهين فيلمه الأول "بابا اﻷمين" عام 1950، عندما كانت مصر لا تزال تحت الاحتلال البريطانى وتلاه بفيلم "ابن النيل" (1951)، الذي دعا إلى مهرجان كان السينمائي.

 

يعود اكتشاف الممثل العالمى عمر الشريف إلى شاهين بإحدى مقاهى القاهرة ليحصل الشريف على دور البطولة في فيلم "صراع في الوادي" (1953)، ليقوم بدور مهندس مزرعة ريفية يكافح ظلم المالك الإقطاعي، أما فيلمه "جميلة أبو حريد" (1958)، فقد ارتكز على كتاب جاك فيرج الذي صدر بعد فترة قصيرة من تعذيب هذه المناضلة الجزائرية ومحاكمتها على إيدي الفرنسيين.

 

كان فيلم "باب الحديد"، في العام نفسه، نقلة فنيه في مسار شاهين جسّد الفيلم اضطراب جمهورية ناصر الجديدة بشكل عام، من خلال مثلث حب متفجر بين ثلاثة أفراد يعملون ويقطنون في محور السكك الحديدية المزدحم بالمدينة.

 

أدى شاهين نفسه دور قناوي - بائع الصحف الأعرج بسيط العقل، الذي تحولت رغبته المُحبطة تجاه بائعة عصير الليمون العابثة إلى مأساة، ووفقًا لذكريات شاهين في فيله "حدوتة مصرية" (1982)، كان مقررًا أن يحصل على جائزة "أفضل ممثل" من "مهرجان برلين السينمائي" على هذا الدور، لكن الشك ساور بعض أعضاء هيئة التحكيم في أنه يؤدي فحسب الجانب الخاص بالعرج.

 

أما الجمهور المصري، فلم يكن جاهزًا بعد لهذا المزيج الحي الذي قدمه الفيلم من الواقعية الجديدة والكآبة، والحياة الجنسية، بل وحتى المقطوعات الموسيقية؛ وظلت مشاهدة فيلم "باب الحديد" محدودة بقدر كبير لمدة 20 عامًا.

 

أما مشروع شاهين الموروث فكان فيلم "صلاح الدين" (1963)، حيث قدم دفاع السلطان في القرن الثاني عشر عن القدس ضد الحملة الصليبية المسيحية رمزًا لملحمة ناصر حول القومية العربية، هذا على الرغم من أن شاهين الكاثوليكي، فضلًا عن الكُتاب اليساريين الذين يعملون معه، يرون صلاح الدين أيضًا نموذجًا للسلام والتسامح الديني.

 

إلا أن علاقة شاهين بالسلطة سرعان ما أصبحت أكثر توترا فقد تأخر فيلم "الناس والنيل" (1968-78)، وهو فيلم وثائقي عن بناء سد أسوان، لمدة أربع سنوات بسبب الرعاة المصريين والسوفييت؛ وذلك بعد أن ابتعد شاهين عن ميثاقهم حول صنع أسطورة وطنية، واتجه نحو تقديم صورة لتأثير السد على حياة الأفراد.

 

يتناول فيله "الاختيار" (1970) لغز جريمة قتل، بما يطرح تعاظم الانقسامات الفكرية في مصر في أعقاب حرب الأيام الستة المُفجعة – وهي الهزيمة التي ألقى فيلمه "العصفور" (1973) سببها على الفساد في المؤسسة السياسية، وقد منعت حكومة السادات عرض الفيلم لمدة سنتين.

 

لقد اتخذت قدرة شاهين على الربط بين الشخصي والسياسي خطوة أخرى إلى الأمام بتقديمه سيرته الذاتية من خلال رباعية الإسكندرية، حيث اتخذ هذه التسمية لأفلامه الأربعة لأن الإسكندرية هي المدينة التي ولد فيها، يروي فيلم "إسكندرية ليه" (1978) أحلام الصبي يحيى في أن يصبح مخرجًا، في فترة تفاوتت فيها الآراء بالقاهرة حول الاحتلال الألماني في عام 1942: بينما كان السكان المحليون يخطفون الجنود البريطانيين أو يتوعدونهم بأن "هتلر سوف يحولكم إلى راقصات"، يحلم يحيى بإخراج أفلام غنائية؛ كما تلتهب مختلف المشاعر غير المشروعة بين يهودي وشيوعي مسلم – بين عم يحيى وجندي بريطاني شاب، وكان الفيلم ممنوعًا أيضًا على نطاق واسع.

 

بعد أن أجرى شاهين جراحة القلب المفتوح المُضنية، عكف على تحويل هذه التجربة إلى فيلم سينمائي على شكل محاكمة حياة يحيى في فيلمه "حدوته مصرية" (1982)، وهو أكثر أفلامه شبها بالنمط الفلليني: فقد اتهم ضميره بخيانة مثالية شبابه، واستعرض علاقاته ومعالم مساره الفني على خلفية التحولات التي شهدتها مصر بعد الحرب. أما فيلمه "إسكندرية كمان وكمان" (1990)، فهو خيال موسيقى استعراضي تدخل خلاله مجمل صناعة السينما المصرية في إضراب عن الطعام من أجل الديمقراطية.

 

وفي يوم 15 يونيه 2008 أصيب شاهين بنزيف في المخ، ليدخل في غيبوبة أدت إلى دخوله مستشفى الشروق بالقاهرة لينقل بطائرة إسعافات ألمانية خاصه لباريس وتجرى له عملية جراحية بالمستشفى الأمريكي ليعود مرة أخرى إلى القاهرة يوم 17 يوليو ويظل في غيبوبة حتى وافته المنية في مثل هذا اليوم 27 يوليو عام 2008.

 

 

إقرأ أيضًا:

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان