رئيس التحرير: عادل صبري 03:12 صباحاً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

إسراء إمام تكتب: دهشة.. والتفوق على حُرمة اللحظة الواحدة

إسراء إمام تكتب: دهشة.. والتفوق على حُرمة اللحظة الواحدة

فن وثقافة

مسلسل دهشة

إسراء إمام تكتب: دهشة.. والتفوق على حُرمة اللحظة الواحدة

إسراء إمام 26 يوليو 2014 20:05

حفنة من اللحظات هي العمر، الواحدة منها لا تقتسم مثيلتها نفس الملامح، لا تُنثر من بعدها ذات التأثير. وخصوصًا لحظات النشوة، على اختلاف مسمياتها، سواء كانت نتاج التحامنا مع الطبيعة، أو مُشهيات الحياة، أو الفن. هي لحظة واحدة، لن تعيد كرة حضورها، وتبتذل عبق بهجتها، تلك التي تقرأ فيها رواية أدبية تمسّك حتى النخاع، تشاهد فيها فيلما يتطفل على مخيلتك بجدارة، أو ينتزعك مسلسلا ما من عالمك.

 

 

ومسلسل "دهشة " من المسلسلات التي تفوقت على حقيقة تفرد هذه اللحظة، حينما أودت بمتفرجها لمنطقة محمومة من المتعة، سايرت فيها عبقرية العظيم "وليام شيكسبير"، فهشمت حُرمة الأسطورة التي خُلقت لتُعتاش مرة واحدة. ونصبت كافة أدواتها الدرامية لخدمة التجربة التليفزيونية بأكملها، فكانت النموذج الأمثل للطرح المُعشق حداثة في المضمون والتنفيذ، بعيدا عن البهرجة البصرية، وقريبا جدًا من التوازن المبهر فيما بين الحدوتة والصورة. وبالرغم من أن هذه الأطروحة لا تخلو من التحفظات، إلا أن طاقتها الإيجابية كانت من القوة التي دفعت بعراقيلها على الحواف، حيدت عثراتها، وهمشتها، مجددة دماء السرد، مانحة إياه قبلة الحياة التي لم تتوقف عند موضعها في النهاية، بل امتدت لتسع البدايات، وتملأ فراغات مرت وولت.

 

المعالجة

قدم الكاتب المبدع "عبد الرحيم كمال" معالجة ملفتة للعالم الشيكسبيرى، الأقيم فيها، كان عدم اعتماده على أجواء وخيالات هذا العالم، بل قصديته الاعتماد على قلمه في نفخ روحا مغايرة لشخصية لير وحكايته، حتى وإن استحضر الكثير من شخصيات شيكسبير في هئيات وأنفس منافية. هذه المقدرة على استحضار بصمة الصعيد بـ طلة خُرافية، اسطورية، تأبى مغازلة الأجواء المسبوقة التي تلجأ المسلسلات إلى إبرازها، بإدعاء إضفاء الواقعية، فتُعريها الشاشة في النهاية ليتبدى زيفها وتكلفها. فنرى الصعيد بقلم "كمال" يحمل الوجهين البعيدين من التضاد، قاسى لا يفتقر إلى العذوبة، هادىء ومشحون ازدحاما، قبيح لا يُنفى عنه الجمال. والتضاد دوما من سمات الحدوتة الحُرة المبدعة.

 

الشخصيات

تأتى في المقدمة، شخصية الباسل، هذه الشخصية الملفتة المنتمية بجدارة لجموح قلم"عبد الرحيم كمال"، الذي أسهب واقتدر في خلق تاريخا قيما لتركيبة هذا الباسل النفسية المعقدة. فهو الأخ الأكبر لأخت شقيقة وحيدة، ذاق معها مرارة حقد بقية الإخوة الغير أشقاء، تربى على الحرمان والنبذ، وَوُضع أمام مقدمة مدفع الفقر والمسؤولية، اختبر امتهان التروي وقلة الحيلة، فتعلم أن يقسى، يتسرع، يغتر، ينفض عن كاهله ما يُثقل فكره ولا يمس قلبه. وفي الوقت ذاته، لم يتخلص من الباسل الطفل، الذي تخلى عنه قديما ليضحي رجلا بين يوما وليلة، فظل الباسل الصغير بداخله يتربص بلحظات ضعفه المؤجلة ولحظات عشقه مع ابنته نعمة، تلك الابنة التي نشعر بها أقرب منها لأمه، وهو المُبرر الأقوى لهذه العلاقة الفردوسية بينه وبينها، فهو كمن يحيا معها طفولته المهدرة على أعتاب الشقاء. هذه النمانم الطفيفة، مثلت الحمل الأثقل والأهم لمنطقية حدوتة شيكبير التي اقتبسها عبد الرحيم كمال ليبني عليها حكايته، فإذا به يخلق لها مساحات فضفاضة من التفسير والتدقيق التي تُصّفى حُلتها النهائية، وتجعلها طيعة التصديق قلبا وقالبا.

على هذا المنوال تتوالى الشخصيات، رابحة، نوال، علام أبوضيف، مهران أبو ضيف، راضى، وحمدتو ابن الخالة سكن اخت الباسل، وهو الذي يستحق أن تتوقف عنده السطور قليلا، فهو الشخصية الدرويشة المعاقة التي لم يلجأ إليها المؤلف ولو مرة لاستشفاف الحدث، ولم يطوعها تحت قدم المنطقة التقليدية التي ينساق إليها وجود هذه الشخصيات في الحبكات، لتتنبأ وتأوِل، بل أطلقها هائمة، مُحبة، تحتاج إلى الرعاية مثل ما يتطلبه ذويها في الواقع. وعلى الرغم من هذا التأثير المفرط في حقيقته، إلا أن "عبد الرحيم كمال" لم يُفقد الشخصية طلتها المريحة، وألقها المبارك الرائق.

 

العلاقات فيما بين الشخصيات

أول العلاقات الملفتة، و التي عمل الكاتب على ملمحها الأساسي بأسلوب مغاير وخبيث، هي علاقة عامر ونوال، تلك الزوجة الشهوانية التي يحكم الجنس مصير علاقتها بزوجها، وتقود علاقتها بزوجها علاقتها بالعالم كله من حولها. منذ بداية الحلقات و"كمال" يؤكد على هذه المعلومة التي ستغير مسار الحدث فيما بعد، ملتجئا إلى لفتات بسيطة موحية، كمشهد يسألها فيه عامر "شايفانى ازاى؟" فتجيبه بينما وهى تهندم ثيابها وهيئتها "شايفاك وانت قاعد على نار مستنينى اخلص"، هو قصد في سؤاله المعنى البعيد (هيئته بعد المنصب والمال)، وهى ترمى إلى المعنى القريب (اشتياقه للقائهما الجنسي) عامر يضع عينه على النقود والهيبة، ونوال موضع نظرها حُضن الرضا من زوجها، وكلاهما يُمكن يد الآخر من مبتغاه ليبلغ هو حِلمه، فـ عامر ينّول نوال غرضها منه، ويداعب غرور الأنثى فيها، ليمهد طريقه سائغا إلى نقودها وهيبة أبوها، وهى تكبش من كيل النقود وشيبة الوالد الباسل لتتمرغ في فراش هانئ مع عامر. إنها العلاقة الأجمل من بعد علاقة الباسل ونعمة، هي العلاقة التي انغلقت على معناها وأصلها تحت كومة من التلميحات الذكية التي لم يخدشها سوى تفوه الباسل صراحة "والتانية سرير جوزها أهم عندها من كل حاجة" ففيما عدا هذا التلفظ، حمل الاتفاق الضمني بين نوال وعامر سحره وغموضه في هيئته العادية بين رجل وزوجة اجتمعوا على الأطماع.

 

علاقة راضي ونزهة، راضي الابن غير شرعي لعلام أبو ضيف أخو الباسل الأكثر تجبرًا، هذه العلاقة المصاغة على أساس من الغرابة، فـ راضي على الرغم من كونه مصرا على اصطحاب والدته نزهة إلى بيت أبوه، رغبة منه في الانتقام، لا يفعلها وفي نفسه ولو نصف غرض لإرضاء الأم، التي مازال منذ فترة قريبة يلتجأ لبيتها ويفيض إليها بنيته ومؤرقات صدره، بل يستعمل أمه كأداة تطهر وقع أصلها الدنس في داخله هو قبل الكل، ففي مشهد رائع كان بينه وبينها يُصرح لها في اعتراف قاسى أنه يمقتها بكل قطعة من قلبه، فهي الراقصة التي حملت به من سيد القوم، وسمحت بحضوره إلى دنياه ليحمل عار مهنتها طوال عمره، راضي يكره والدته ولكنه يداوم على وصلها، يحتقرها ويعمد على تعلية شأنها، إنها العلاقة الأكثر تعقيدًا ومدعاة للفكر.

 

الحوار

وهو من أروع ما جاد به قلم "عبد الرحيم كمال"، وإن كانت بصمة ستنعقد على وجه التاريخ الدرامي لمسلسل دهشة طوال العمر، ستكون بصمة الحوار. فـ "عبد الرحيم كمال" يطلق لقلمه العنان، ليتأمل، ويُشعر، يُقيم الحدث، يلفه بجرة جملة، ويبتلعه في توصيف موجز تنكسر من بعده أسنان الكتابة.

 

البناء الدرامي وأزمة المنتصف

رغم أن الحدث بدأ من نقطة مُلخصة موفية، إلا أنه واجه عدد من الترهلات، التي حملها إيقاع معطوب بعض الشيء. فواجه المسلسل بأكمله أزمة المنتصف، ولم تحتمل الخطوط الدرامية _على الرغم من التزامها بمسارها الصحيح_هذا الهدوء في التقدم بالحدث، حتى وإن كان مقصود لطبخ الدوائر الصغيرة المتحولقة حول بعضها، والمؤدية إلى الانقلابات العظيمة المتوالية التي شهدتها الحلقات الأخيرة.

 

ولكن، وكما ذكرت في المقدمة، قوة ما شهدته الأحداث بداية من طرد الباسل من منزل رابحة، غفر هذه المساحة المفرغة التي تحدثنا عنها، بل عاد منها بالكثير من التأملات والتجليات بعيدة النظر، مؤجلة الفاعلية. و التي دعمت التغيرات المهولة التي لقى بها السرد في وجوهنا، وضرب بها قلوبنا بلا هوادة، لتسقط الأقنعة عن وجوه الشخصيات، وتتعرى حقيقة المواقف وتحتدم حِدتها. فتظهر أقل الحكايات تقليدية، في سرد وتفصيل مبهر ومبدع، فنرى مثلا حكاية الخادمة كوكب مع أبو زيد زوج رابحة، وهى الأكليشية الأكثر تداولا في الدراما، (كسر الزوج لهيبة الزوجة القوية بتزوجه من خادمتها)، مع تتبع هذه الحدوتة وحدها سنجد قدرة "عبد الرحيم كمال" على نسج أطراف قصته، ومدى قدرته على ربطها لتحمية الحدث الرئيسي والتأثير فيه، فنرى نتيجة وقوع هذه الحادثة على رد فعل رابحة حينما أتاها الباسل طالبا الإقامة ب منزلها، في أكثر مشاهد المسلسل قوة. فـ حكاية كوكب وأبو زيد، قطعة من قالب الحدث الأصلي، وعندما يتم تناولها على مبعدة منه، لم يبهت وقعها على قدر ما يتوهج جمالا وعذوبة، فيكن غاية للمتعة بحد ذاته.

 

الإخراج

من دون كاميرا شادي الفخراني، لم تكن لتكتمل ذروة التذوق لنص "عبد الرحيم كمال". فهذه الصورة الخزعبلية لدهشة، عذوبة مناظرها وبرودة ظلمتها، هي من جسدت بجدارة التناقض الذي سبق وتحدثنا عنه. هذا بخلاف الكادرات المعبرة، الحاضرة دوما لتُعبر بحنكة عن مدى تأزم الحدث، أو التركيبة النفسية لشخصية ما. الحركة المتأنية للكاميرا و التي تناسب طابع السرد المتمهل، و التي ظلت على هدوئها حتى وقت اشتعال الحدث، مُحدثة تباين وصل بنا في النهاية إلى النتيجة المرغوبة.

 

الصورة حتى على المستوى الجمالي حققت غرضا يرتبط بالمضمون، فأصبغت عليه صبغة الأساطير، وأكسبته أناقة الحواديت في المخيلة. فالظلمة في بعض المشاهد كانت تبث نور ودفء، والنور في مشاهد أخرى استحضر حُرقة وضلال العتمة.

 

الطلات التي ادخرتها الكاميرا على اختلافها لتناسب نفوس الشخصيات، فتارة نجد راضي وهو جالس أمام بركة عكِرة من المياه تعكس صورته مسخ، وتارة نجد الكادر يتباطأ في التقاط وقفة رابحة، ويسهب في التحرك برهبة حتى يبلغ بأعنيننا كامل جسدها وهى تقف فوق السلم. إنها الكاميرا الأكثر حساسية، التي شهدتها الدراما حتى الآن.

 

التمثيل

لن يسع الفخراني بضع سطور في هذا المقال للإشادة بأدائه العصى على الاحتمال. أما حنان مطاوع، فهي الوجه الذي يطوى في جعبته الكثير من الانفعالات المتطرفة، والسريعة في تقلبها، وكذلك نبرة صوتها، ففي مشاهد، وحينما تقرر أن تبتسم وتعطى عن رابحة انطباعا مسالما، نجدها قادرة على أن تبعث في أنفسنا راحة على الرغم منا، وفي مشاهد أخرى تتبدى فيها رابحة بغلظتها وحقيقتها المرة نجدها متنمرة، قاسمة النظرات، حادة الحضور، مهيبة الطلة. ونبرة صوتها تجارى ذات القدرة على التلون، ففي مشهد مُلفت جلست مع بناتها تقص عليهم حدوتة بنبرة صوت ناعمة أنثوية شغوفة وهادئة، ومشهد آخر عبرت فيه لنعمة عن كرهها لها وللباسل بنبرة صوت تقطر حقدا وغلا ورجولة.

 

فتحى عبد الوهاب ينشط ذاكرتنا، ويؤكد على كونه موهبة لم تقدر قيمتها بعد، فهذه الحمية التي يمتلكها حينما يلعب دور ما، ترتسم على وجهه، ومع شخصية راضي بالذات، تتقافز عدد من الانفعالات على قسماته وعينيه، تأكل من نيرانية وقوة الكلمات التي سينطق بها. ففي مشهد انفعاله على غندورة، وقت طلبه الزواج من ابنتها غصب، تتراكم شحنات حرمانه ومعاناته النفسية فوق حُمرة وجهه وجمرات عينيه.

 

آخر كلمتين:

- خط الخالة سكن، في حكايتها الخاصة مع أبو الروس وأبو ضيف لم يكن على القدر المتوقع من الجمال.

- شخصيات "عبد الرحيم كمال" حتى الأقل منهم ظهور وحضور يملك سره الخاص، وتفاصيله المغايرة.

 

 

اقرأ أيضًا:

إسراء إمام تكتب: X_men:Dayes of future past... جودة لا تنفي النسيان

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان