رئيس التحرير: عادل صبري 03:18 صباحاً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

أحمد مطر.. دمعة على جثمان الحرية

أحمد مطر.. دمعة على جثمان الحرية

فن وثقافة

الشاعر العراقي أحمد مطر

أحمد مطر.. دمعة على جثمان الحرية

كرمة أيمن 17 يوليو 2014 11:24

“اعلم أن القافية.. لا تستطيع وحدها إسقاط عرش الطاغية.. لكنني أدبغ جلده بها.. دبغ جلود الماشية!.. حتى إذا ما حانت الساعة.. وانقضت عليه القاضية.. واستلمته من يدي أيدي الجموع الحافية.. يكون جلدًا جاهزًا.. تصنع منه الأحذية!”... عندما كتب تلك القصيدة كان يتوقع بأن يحدث التغيير بالشعر.. إنه الشاعر العراقي أحمد مطر.

 

ولد أحمد مطر في مطلع الخمسينيات في قرية "التنومة"، إحدى نواحي "شط العرب" في البصرة بالعراق، عاش فيها مرحلة الطفولة قبل أن تنتقل أسرته، وهو في مرحلة الصبا، لتقيم عبر النهر في محلة الأصمعي.


أكمل أحمد دراسته الابتدائية في مدرسة العدنانية، ولشدة سطوة الفقر والحرمان عليه قرر تغيير نمط حياته لعل فيه راحة له وخلاصا من ذلك الحرمان، فيسارع للانتقال إلى بغداد، وبالتحديد إلى منطقة الزعفرانية ليعيش في كنف أخيه الأكبر "علي”.


وفي سن الرابعة عشرة بدأ مطر يكتب الشعر، ولم تخرج قصائده الأولى عن نطاق الغزل والرومانسية، لكن سرعان ما تكشّفت له خفايا الصراع بين السُلطة والشعب.


فدخل في المعترك السياسي من خلال مشاركته في الاحتفالات العامة بإلقاء قصائده من على المنصة، وكانت هذه القصائد في بداياتها طويلة، تصل إلى أكثر من مائة بيت، مشحونة بقوة عالية من التحريض، وتتمحور حول موقف المواطن من سُلطة لا تتركه ليعيش.

 


ألقيت بنفسي مبكرا في دائرة النار..

عندما تكشفت لي خفايا الصراع بين السلطة والشعب..

ولم تطاوعني نفسي علي الصمت أولا..

وعلي ارتداء ثياب العرس في المأتم ثانيا..

فجذبت عنان جوادي ناحية ميدان الغضب..

 

ولم يكن لمثل هذا الموقف أن يمر بسلام ، الأمر الذي اضطر الشاعر ، في النهاية، إلى توديع وطنه ومرابع صباه والتوجه إلى الكويت ، هارباً من مطاردة السُلطة .
 

وفي الكويت عمل في جريدة "القبس" محرراً ثقافياً، وكان آنذاك في منتصف العشرينات من عمره، حيث مضى يُدوّن قصائده التي أخذ نفسه بالشدّة من أجل ألاّ تتعدى موضوعاً واحداً، وإن جاءت القصيدة كلّها في بيت واحد .


راح يكتنز هذه القصائد وكأنه يدوّن يومياته في مفكرته الشخصيّة، لكنها سرعان ما أخذت طريقها إلى النشر، فكانت "القبس" الثغرة التي أخرج منها رأسه، وباركت انطلاقته الشعرية الانتحارية، وسجّلت لافتاته دون خوف، وساهمت في نشرها بين القرّاء.

وفي رحاب "القبس" عمل الشاعر مع الفنان ناجي العلي، ليجد كلّ منهما في الآخر توافقاً نفسياً واضحاً، فقد كان كلاهما يعرف، غيباً، أن الآخر يكره ما يكره ويحب ما يحب، وكثيراً ما كانا يتوافقان في التعبير عن قضية واحدة، دون اتّفاق مسبق، إذ أن الروابط بينهما كانت تقوم على الصدق والعفوية والبراءة وحدّة الشعور بالمأساة، ورؤية الأشياء بعين مجردة صافية.


وقد كان أحمد مطر يبدأ الجريدة بلافتته في الصفحة الأولى ، وكان ناجي العلي يختمها بلوحته الكاريكاتيرية في الصفحة الأخيرة.

تكررت مأساة الشاعر مرة أخرى، حيث أن لهجته الصادقة، وكلماته الحادة، ولافتاته الصريحة، أثارت حفيظة مختلف السلطات العربية، تماماً مثلما أثارتها ريشة ناجي العلي، الأمر الذي أدى إلى صدور قرار بنفيهما معاً من الكويت، حيث ترافق الاثنان من منفى إلى منفى.
 

وفي لندن فَقـدَ أحمد مطر صاحبه ناجي العلى، ليظل بعده نصف ميت، وعزاؤه أن ناجي ما زال معه نصف حي ، لينتقم من قوى الشر بقلمه.


وكان سبب انتقال أحمد مطر إلي لندن عام 1986 عدم تنازله عن مبادئه ومواقفه، فضلا عن رفضه التقليل من الحدة في أشعاره التي كان ينشرها في القبس، وهو أمر لا تستسيغه الكويت والمنطقة كانت تمر بحرب طاحنة، إلا انه بقي يعمل في مكاتب القبس الدولية.


ومن لندن سافر أحمد مطر إلي تونس ليجري فيها اتصالات مع كتابها وأدبائها، فرجع قافلا إلي لندن ليلقي فيها عصا الترحال ويستقر فيها بعيدا عن وطنه، وسرعان ما تسوء علاقته مع القبس، ولاسيما بعد أن فتحت "القبس" له قوس الخيبة مع قصيدة "اعد عيني" وقصيدة "الراحلة"، فصارت جريدة "الراية القطرية" متنفسه، وعن هذا الموضوع يكتب أحمد مطر لافتة بعنوان ( حيثيات الاستقالة ) جاء فيها:


آيتها الصحيفة

الصدق عندي ثورة..

وكذبتي

إذا كذبت مرة

ليست سوى قذيفة!

فلتأكلي ما شئت، لكني أنا

مهما استبد الجوع بي

أرفض أكل الجيفة

آيتها لصحيفة

تمسحي بذلة

وانطرحي برهبة

وانبطحي بخيفه

أما أنا..

فهذه رجلي بأم هذه الوظيفة!


عن حياته في بريطانيا كتب أحمد مطر :"أنا في بريطانيا دولة مستقلة، نمشي علي قدمين، نشتاق إلي أوجاع احتلالها ونهفو إلي المعركة من جديد لست سعيدا لأني بعيد عن صدي آهات المعذبين لأني احمل آهاتهم في دمي، فالوطن الذي أخرجني منه لم يستطع أن يخرج مني ولا أحب أن أخرجه ولن أخرجه".


وعن الشعر يقول أحمد مطر: إن الشعر ليس نظاما عربيا يسقط بموت الحاكم،كما انه ليس بديلا عن الفعل، بل هو قرين له، انه نوع من أنواع الفنون من مهماته التحريض والكشف والشهادة علي الواقع والنظر إلي الأبعد، وهو بذلك يسبق الفعل ويواكبه ويضيء له الطريق ويحرسه من غوائل التضليل.

 

فالشعر مهم لنا نحن العرب، ولولا ذلك لما حفيت أقدام المخابرات المركزية الأمريكية في سعيها من اجل تدميره بأيدي المغول الجدد.
 


وتوقع أحمد مطر أن يحصل التغيير بالشعر فقط، لذلك كتب قصيدة بعنوان "دور":

 

اعلم أن القافية..
لا تستطيع وحدها إسقاط عرش الطاغية..
لكنني أدبغ جلده بها..
دبغ جلود الماشية!..
حتى إذا ما حانت الساعة..
وانقضت عليه القاضية..
واستلمته من يدي أيدي الجموع الحافية..
يكون جلدًا جاهزًا..
تصنع منه الأحذية!

 

اطلق عدد من الثوريين في العالم العربي على أحمد مطر لقب "ملك الشعراء"، لأنهم وجدوا في ديوانه "لافتات"، مبتغاهم لمحاربة الأنظمة الفاسدة.
 

لأحمد مطر ديوان كبير مطبوع طبعه الشاعر في لندن علي نفقته الخاصة ونشره في مكتبتي "الساقي" و "الأهرام" تضم المجموعة الكاملة سبعة دواوين بعنوان "لافتات".
 

وتضم بعض الدواوين الشعرية الأخري، منها "إني المشنوق أعلاه ديوان الساعة"، فضلا عن بعض القصائد المتفرقة التي لم يجمعها عنوان محدد، مثل: "ما أصعب الكلام العشاء الأخير لصاحب الجلالة إبليس الأول"، وهناك قصائد أخري نشرها وما زال ينشرها الشاعر علي صفحات جريدة "الراية القطرية".


ومن أهم أشعاره " إهانة، حالات، عقوبات شرعية، مشاجب، حتى النهاية، إلى من لا يهمه الأمر، المظلوم "، وألف عددا كبير من القصائد السياسية مثل " دمعة على جثمان الحرية، كلب الوالي، السلطان الرجيم، انتفاضة مدفع".

قصيدة "حالات":
بالتمادي..
يصبح اللص بأوروبا..مديرًا للنوادي
وبأمريكا..زعيمًا للعصابات وأوكار الفساد
وبأوطاني التي من شرعها قطع الأيادي
يصبح اللص..زعيمًا للبلاد

 

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان