رئيس التحرير: عادل صبري 10:04 صباحاً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

هشام نزيه.. مشعوذ الموسيقى العربية

هشام نزيه.. مشعوذ الموسيقى العربية

فن وثقافة

هشام نزيه

إسرار إمام تكتب:

هشام نزيه.. مشعوذ الموسيقى العربية

إسرار إمام 13 يوليو 2014 11:38

في الموروث المتعارف عليه للتذوق الموسيقي، يقتصر جمهور مؤلف الموسيقى على فئة محدودة لها سماتها، هي وحدها من تميزه وتنسب له موسيقاه، تتنصت إليها وتهرع وراء حضور صاحبها في مكان تواجده وإقامته الحفلات أحيانا. قصدت أن أؤكد على جملة (المؤلف الموسيقي) لأنهم بطبيعة الحال قليلون، وشتان ما بينهم وبين المُلحن والمُوزع الموسيقي، وهذا بالضبط ما لا يعيه المتلقي البسيط، الذي يتوه في توصيف كل من يشبع أذنه بجملة لحنية مستساغة. هذا العام، تجاوز "هشام نزيه" هذه المعضلة، وسبق منطقة الاشتباك تلك بخطوات واسعة، دب بقدميه على قلوب اللاوعى وأيقظه، ومَوضَع العديد من الأسئلة على لسان الغافل قبل المدرك، "من هذا المشعوذ الذي صاغ موسيقى مسلسل السبع وصايا؟"، "على يد من خٌلقت هذه التعاويذ اللحنية الجُهنمية؟"، طرقات على الحجر الأصم نقلته من مستوى التذوق في صمت، إلى التهافت على المعرفة، والانتقال إلى مستوى أرقى من الاستيعاب. إنها السابقة الأولى من نوعها التي ستحُسب لنزيه هذا العام، أما سوابقه الموسيقية فالحديث عنها يطول ويطول.

 

إبداع يتنفس فتكون موسيقى هشام نزيه، الرجل الذي يسقي جملته اللحنية من روحه الممتلئة، ويضفي عليها قدرًا من نفسه، فالشعور لديه يبدأ قبل الفكرة، وإن كانت أفكاره اللحنية لا يضاهيها شىء. هو فنان المعادلة غير المنتظمة، والكيميا اللامحسوبة.

 

لماذا هو المشعوذ دون غيره؟

الموهوبون كُثر، ومُبدعو الموسيقى على الرغم من قِلتهم تتبدى عبقرياتهم التي لا يستطيع أحد إنكارها، منهم "تامر كروان" الذي يغرد هذا العام بمعزوفته المنغلقة على نواح العود وشكوى الكمان في ملحمة تعتلي تتر مسلسل "سجن النسا"، ولكن نزيه دون غيره على الرغم من كل شىء هو وحده من يستحق هذا اللقب، لعدة أسباب، أولهم، أنه لم يخذل مُريديه أبدا، فأقل ما أبدعه "نزيه" كثير، وأقوى ما أنتجه خارج عن نطاق الوصف، بداية من "سهر الليالى" ومرورا بـأفلام "الساحر"، "السلم والتعبان"،"عن العشق والهوى"، "تيتو"، "بلبل حيران"،"إكس لارج"، "إبراهيم الأبيض"، والمسلسلات "شربات لوز"،"نكدب لو قلنا مابنحبش"، "نيران صديقة" وأخيرا "السبع وصايا". فى كل عمل مما سبق، هشام نزيه يتواجد بقوة، وإن اختلفت نسب الإبهار، تبقى عند معيار مرتفع لا يقع سقفه، ولا يُظلم كهفه البعيد المترامي على حافة الواقع، دوما يبقى عند مرتبة الحُلم لا يهوى ويكاد حتى بأطرافه ليلمس الأرض. ثمة دوما جملة لحنية مُلهمة، تستهويها الأذن، تألفها وتواقعها موقعا حُلوا، يُستدَل منها على بصمة نزيه وإمضاءه، فلا يمر اسمه على تترات العمل مرة دون أن تمر موسيقاه على قلبك.

ثانيهم، قدرته على أن يستولد نفسه من جديد دون أن يفقد هويته، وهى الموازنة التى لم يضبطها غيره، فدونه من العباقرة وإن تميزت موسيقاهم، تبقى على وجهها المألوف، قد تتشابه على المتلقى أحيانا من فرط قربها لمثيلاتها من أعماله، بينما فى المقابل، يخلق نزيه من أدواته الموسيقية حالة تختلف تماما عن سابقاتها، فنراه يستخدم نفس الآلة بروح مغايرة، ويخلق منها دنيا إضافية لا تمت بصلة للدنا التى أدلفنا إليها من قبل، فمثلا إن تصّنّت للكمان فى فيلم "ابراهيم الأبيض" ومن ثم قارنته بكمان "عن العشق والهوى" وفعلتها مرة أخرى مع كمان "إكس لارج"، وأخرى مع "نيران صديقة"، ستجدها هى ذات الآلة، ولكنها تنطق بلهجات مختلفة، بلكنات مختلفة، ودقات قلب مغايرة تواكب دقات قلب صانعها. وجه آخر من الاختلاف يمكله نزيه، فبنفس رقى الحُلم، يُحلق بك سواء كانت الموسيقى خفيفة بها نزعة كوميدية كأفلام "بلبل حيران" و"إكس لارج" ومسلسل "شربات لوز"، أو أخرى تميل لإيقاع راقص كـ"السلم والتعبان"، وثالثة تحمل طابعا ملحميا مثل "ابراهيم الأبيض"، ورابعة تحكم لجام كلمات صوفية ثقيلة القيمة والشكل مثل"السبع وصايا"، إلخ.. فقط هشام نزيه من يمكنه أن يتقافز فوق ألوان الموسيقى بخُف واحد، عارفا بمساربها ومسالكها لا يُضيع نفسه فيها، بل يجدها مرات ومرات.

ثالثهم، قدرته الملفتة على تطويع آلات غربية لتُفصح بلسان عربى، فالجيتار الإلكتروني متواجد في أعمال كثيرة لنزيه، أقربها "السبع وصايا"، ولكنه تحت يد نزيه يتحدث بلغة صوفية شديدة الأصالة، يفك طلاسمها فى رضا، وباستحسان المُستمع، والنيل من أطياف مخيلته، مُحدثا غرضه فى يسر العارف بخبايا الموسيقى، والمتمم لميكانو اللغز بإبداعه الخالص، واضعا موهبته فوق رقبة الآلة التى يستخدم إليها، لا يلجأ إليها لتنجده وتكون الجزء الأكبر من الإيحاء. وحده نزيه من يفعل ذلك.هو وحده بحق.

آخر كلمتين:

إليك يا صانع البهجة، ولك يا وقود الروح، يا من يزوره اللحن فى المحراب، وتوانسه الموسيقى فى عزلته البعيدة، ابقى معنا دوما كما نأمل، واطربنا بما ننتظر منك. إلى (هشام نزيه).


 

اقرأ المزيد

 


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان