رئيس التحرير: عادل صبري 08:59 صباحاً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

مكنون ماكبيث.. التكثيف فى صورته الشكسيبيرية

مكنون ماكبيث.. التكثيف فى صورته الشكسيبيرية

فن وثقافة

بانر العرض المسرحى مكنون ماكبيث

إسراء إمام تكتب

مكنون ماكبيث.. التكثيف فى صورته الشكسيبيرية

05 مايو 2014 16:59

الطرح الذكى، لا تتوقف عنده ألمعية العمل الفنى برمته، وإنما تمتد لتشمل إيقاعه، ومدى اليقظة المتطلبة لإخراجه بالصورة المأمولة، والشرط الأخير من أهم ما يمكن التعويل عليه بخصوص تلك المسألة، فليس كل من المبدعين يمتلكون مثل هذا التنبه لكل جزء داخل العمل الذى يقدمونه، يقتدرون على أن يرونه بعيون المتفرج وشعوره، ويفصلون ذواتهم عنه ليقيمونه على مبعدة من أحكامهم الخاصة.

وعرض "مكنون ماكبيث" يتمتع بتلك المَلكة، التى تضمن فى حد ذاتها وبشكل مبدئى حيوية ونضارة تأهِب أى عرض من كسر الجليد سريعا بينه وبين جمهوره.

 

يعود مركز الإبداع الفنى، لتقديم رؤية أخرى للرواية الأشهر لشيكسبير "ماكبث"، ولكن هذه المرة ثمة لمحة شجن قوية، وخيط درامى أساسى لا غنى عنه، واللمحة الكوميدية هنا متوارية تم تضمينها بحذق فيما بين الحدث، لتزيد من بهاءه وحدة وقعه وتخلق جوا حميميا ذكيا بين الجمهور وبين العرض وممثليه .

 

  • ماكبيث ومكنون

يقوم العرض فى أساسه، على التوازى فيما بين خطين للسرد، أحدهما يتناول فاجعة أحد الممثلين الذى يصاب بحالة عصبية إثر موت زوجته وهم فى غمار أداء مسرحية ماكبيث، ليتوقف به الزمن عند تلك اللحظة، ويظل حبيس هذه الشخصية إلى الأبد، أما الخط الثانى للسرد فيبدأ مع إدراك الدكتور المعالج لمأساته ومحاولة مسايرته فى إعادة تقديم العرض الذى كان .

 

التشابك فيما بين الخطين، بدى إنسيابيا ناعما، مع حرصه الملفت على مراعاة المنطق، فالدكتور شارك مريضه أداء المسرحية بأكثر من شخصية، مما خلق العديد من الفرص لتضفير الإيفيهات الكوميدية فى مكانها الملائم، والذى لم يضر أبدا بالجو المقبض للعرض بأكمله.

 

وبالنظر إلى شخصية الطبيب، فهى الشخصية التى بدورها كانت المحرض الأساسى لقيام كل شىء، ولهذا كان لابد لها أن تتمتع بلمحات إنسانية قوية، وهو ما تبدى عليها بالفعل، فمبدئيا فضولها هو ما دفع بها لكى تطلع على نسخة النص الأصلى لمسرحية ماكبيث، وهو ما عجل بمصادفة إعادة تقديم العرض برمته مشاركة بينه وبين مريضه، وهذا الفضول فى أساسه قائم على التعاطف الملِح مع مأساة المريض، الإلتحام مع معاناته، والتشاغل بحالته بصورة أكبر من كونه مجرد مريض قابع فى غرفة مقابلة من غرف المكان الذى يشرف عليه. هذه السمة الرحيمة التى ينغلق عليها صدر الطبيب، هى ما أودت به إلى إستمراء مجاراته لمريضه، والإستماتة فى التجويد من أدائه، برغبة منفصلة عن أى خطة مبتغاه من وراء ذلك، إنه الشغف وما دون شيئا، الشغف صوب اقتحام عالم هذا البشرى المسكين، الذى غادر إلى هناك ولم يشأ العودة، فالطبيب ترك ذاته تتورط بكل طواعية فى مشاركة هذا البائس عالمه. هذه السذاجة المغمورة بالطيبة والوداعة حافظت عليها المخرجة وسام أسامة فى شخصيته، فأودعتها مقاليد كل شىء بخباثة شديدة، فتفاخم وقع الحدث من تحت رأس قلة حيلتها، وانقلب الختام لمأساة حقيقية بسبب نواياها الطيبة.

 

ثمة بعض الترهلات التى اتضحت عند النقل إلى إعادة تمثيل النص الأصلى لماكبيث، وخاصة فى الديالوجات الوحيدة التى يتلوها المريض وهو متلبس شخصية ماكبيث، هذه الديالوجات التى استطالت رغم وصول معناها، فأثرت على إيقاع العرض بهذه المناطق على وجه الخصوص. أيضا هذا التناول السريع لشخصية الليدى ماكبيث، وظهورها بشكل تقليدى للغاية لتعبر عن وجه الشر والتحريض فى مشهد دفعها لماكبيث على قتل ضيفه للإستحواذ على العرش، فعلى الرغم من بذل الكثير من الجهد ليبدو هذا المشهد مختلفا عن طريق العناية بتضمين رمزيات قوية فى حركة الممثلين جنبا إلى جنبا مع الحوار، إلا أنه خرج ليحمل نكهة مألوفه معتادة.

 

  • الديكور والإضاءة

الإضاءة من أكثر عناصر هذا العرض إبهارا، فبها اتسعت خشبة المسرح أضعاف حجمها، ومنحت العرض فخامة وتأثيرية قربت المسافات بينه وبين الجمهور، فالأحداث كلها فى مكان واحد، فغرفة الطبيب كانت ذاتها هى الغرفة التى يعتنى فيها بمريضه وهى أيضا الساحة المسرحية التى تم فيها تقديم العرض من جديد، فكان لابد للإضاء أن تلعب هذا الدور فى إضفاء الصبغة الملائمة على شكل المكان فيما بين كل مشهد وآخر، هذا إلى جانب ديكور ندى عبد المجيد الذى تبدى فى بساطته أيقونة مختزلة، تجمع ما بين الواقع والخيال، واقع معايشة الطبيب لمريضه والذى تمثل فى الفراشين الموضوعين على الدوام بمنتصف الغرفة، جدار الملاحظات المعلقة التى يلصقها الطبيبب إلى جوار مكتبه. وأخرى تخص خيال المريض مثل هذه الخيوط السميكة الممطوطة فى جمالية وغموض فيما بين مخادع النوم وجوانب المسرح، فأدت غرضين مزدوجين أحدهما كان تقوية جماح أخيلة المتفرجين، والبعث فى داخل نفوسهم شعور بالسجن الذى يحبس المريض نفسه فيه بطريقة لا شعورية.

 

  • آخر كلمتين :

- الإعداد الموسيقى الذى قدمه محمد عبد الستار، جاء هو الآخر ليحمل المتفرج على الإنتقال بنعومة ما بين الواقع الذى يجمع الطبيب بمريضه، والهلاوس التى تمتلأ بها رأس المريض.

- "مكنون ماكبيث" من العروض التى تكمن براعتها فى بساطتها، سواء فى قلة عدد شخصياته، والكيفية التى تم بها استغلال ذلك فى إثراء الدراما، أو على مستوى أطروحته المكثفة التى تمت محاكاتها فى إتقان يستحق الإشادة.

 

اقرأ أيضًا:

شكسبير">"ماك نون" رؤية جديدة لروائع شكسبير

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان