رئيس التحرير: عادل صبري 01:38 مساءً | الثلاثاء 14 أغسطس 2018 م | 02 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° غائم جزئياً غائم جزئياً

إسراء إمام تكتب: أسرار عائلية.. الفيلم الذى ينتمي لعنوانه

إسراء إمام تكتب: أسرار عائلية.. الفيلم الذى ينتمي لعنوانه

02 فبراير 2014 09:26

 " عن قصة حقيقة"

جملة دوما ما تكون مكسب مزدوج النفع لصناع أي فيلم، من ناحية توفر دعاية جيدة على شباك التذاكر، بينما على جانب آخر وهو الأهم ترفع الحرج عن عدد من السقطات في مسار الحدث الذى يقدم الفيلم على سرده، والذى قد تشوبه بعض اللامنطقية أو شيء من المغالاة، فيتوه الحقيقي بين المفتعل، ويتشتت الذهن لبرهة من الوقت حيال ما يتم أخذه على مُنتج الشريط الفيلمي النهائي..

وفى فيلم "أسرار عائلية" يتبدى ذلك التناول المرتبك ما بين المصارحة الكاملة، وبين الاتكاء على ضرورة توريط المُشاهد عاطفيا مع القصة، وكأنها الوسيلة الوحيدة التي لن يضطر من خلالها أن يحكم على ذلك الشاب ذو الميول المثلية، إنها الورطة التي وقع فيها النصف الثاني من الفيلم، والتي حرص على أن يبين من خلالها صفو نية هذا الشاب في ألا يكون ما عليه، ومنح المُشاهد إشراقة الأمل بأن تعاطف الآخرين مع هذا المخلوق يمنحه القوة لأن يفيق ويعود إلى صوابه، إنها إذا مؤازرة مشروطة، مدفوعة الأجر، لا تتماشى مع الصفة الإنسانية وإنما مظهرها المثالي، والسؤال هنا .. ماذا إن كان المثلى يقبل ذاته كما هو، ولا يعتبر طبيعته مرض وجب الشفاء منه ؟، حينها يبزغ الوجه الحقيقي لهذه الشفقة ويتضح ما تحمله في مضمونها من عدم احترام، ففي مجتمعنا ومجتمعات أخرى الأولى أن نكِن احتراما لأحدهم قبل أن نغدق عليه بإحسان المشاعر، الأمر يُشبه تماما مدى تقبلنا لمرضى الإيدز حينما يرتبط بكيفية الإصابة به ..

وهنا تأتى جملة "عن قصة حقيقة" لتطل برأسها من جديد، وتُبرأ صانع الفيلم من قصديته الإشارة لأية مفهوم بعينه يخص هذه القضية، وتؤكد على تناوله قصة هذا الشاب بكل ما تحتويه من تفاصيل تخصه هو دون غيره، لا يعمد إلى تعميمها عنوة، ولا يتطرق فيها لمناقشة حال الشواذ جماعا، فهو اختار نموذج يُعبر عن نفسه دون الآخرين، يتناول تفصيلا وقائع حياته بين أسرة أجاد التعامل مع ابراز تفاصيلها والعمل على نسج علاقاتها وحالتها هي على وجه الخصوص، وقد أتت جملة على لسان آخر طبيب نفسى استعان به الشاب، أفادت بتأكيد معنى عام يأتي في صالح صناع الفيلم إذا ما واجهاتهم هذه الاتهامات السابق ذكرها، فالطبيب كان حريصا على أن يدفع عن الشاب الحيرة بخصوص شذوذه، مؤكدا أنه لا يهم ما يُقرر أن يكون عليه وإنما المهم ان يقبله ولا يقف منه موقف المتردد، فهو لم ينصحه بضرورة ألا يكون شاذا وإنما غايته كانت تحريضه على التصالح مع ذاته، وعلى الرغم من تضاءل هذه التفصيلة أمام ما يمرره الفيلم من شعور بالخزي لكون المرء شاذا، فهذا لن ينفى وجودها. كما سيبقى الجدل غير محسوما بالنسبة لشكل المعالجة طالما بقيت جملة "عن قصة حقيقية" والتي تُبيح في رأيي تمرير مشاعر _مروان "محمد مهران"_ كيفما اتفق لها، لتحمل اسمه وتضع ألف خط تحت حكايته هو فقط .

وعلى أى حال يكفى الحديث حول هذا اللغط الذى لن ينتهى، ولنكتفِ بتناول الفيلم فنيا  

عائلة مروان

قدم السناريو الشخصيات في صورة منمقة، عمل على إتقان تشذيبها، لتبدو متوهجة وحقيقية، فالعالم من حول مروان تم ادراجه في الحدث بحذق، وبات المُشاهد شاهدا على معاناة تلك الأسرة بأكملها، والتى قامت في أساسها على عدد من المشاعر المتضاربة التي ساهمت فيها اشتباكات كل شخصية مع الأخرى، لتٌخلّف تاريخا نفسيا مقيتا قادر على إحداث صدع بائن بينها وبين أوقات السلام والطمأنينة التي يجوز وصفها بالديمومة. فما قدمه السيناريو في نصف الفيلم الأول على وجه الخصوص، تكوين بانورامى محبوك ومعبر عن هذه المناوشات التي تخيم على طبائع أفراد الأسرة وتفرض دون غيرها شكل علاقاتهم وأجواء المنزل حولهم، فالمشكلة فيما بينهم ليست ملموسة مادية، والشخصيات لا تتطرف في صفاتها، والتأزم الجاثم على أجواء المنزل لم يفرضه الأمر السيئ فقط وإنما حتى الإيجابي ساهم في بلوغه الذروة أسفل غطاء سميك من الهدوء الوقتي، الذى بين الحين والآخر يسمح لأن تشتعل جذوة الجرح من تحته بعض الوقت ..

فالسيئ من طباع الأم انغمس مع الجيد في طباع أمنية ابنتها، كما تصادم إنكار الذات الذي تنتهجه أمنية والذي بلغ بها إلى حد الغرور أحيانا مع خصوصية مروان، حينما باتت تٌعطى لنفسها حقا في التلصص عليه بغرض حمايته، فهى تتملص من نفسها إلى حد الملائكية الزائفة والتي تستفز في بعض الأحيان الجميع حتى مروان على الرغم من انه يعد بمثابة أقرب أفراد البيت إليها. وعلى هذا المنوال حافظ السناريو على تركيبة الشخصيات وتركها تعبث بمصيرها. وعلى الرغم من هذا قد أبدى تقصيرا ملحوظا في صياغة شخصية سامح، الأخ الأكبر لمروان، فهو الشخصية التي تم التعامل معها في بداية الفيلم بسطحية شديدة، لم تٌبدى عنها سوى انطباعا سيئا على الدوام، والباقي مُغيب عن الصورة، وإن تم ذلك لصالح الأحداث التي ستنكشف فيما بعد والتي تُبين أن سامح أحد أسباب شذوذ مروان لتعديه عليه جنسيا أيام الطفولة، فإنه يظل تناولا ساذجا اختلف عن طبيعة استغراق السيناريو _والذى يحسب له_ صوب الشخصيات، منحازا هذه المرة لطرح آخر يخدم الحدث فيما بعد لا علاقة له بشخصية سامح، التي بدت مشوشة للغاية، فتارة تبدو قوية عنيفة، وأخرى مرتعبة لا تقوى على النطق بينما يصبغ حديثها لسان مُتلعثم وقصة مفتعلة تثير الحنق في نهاية الفيلم حينما اعترف للدكتور في انهيار أن ثمّة من انتهكه جنسيا وهو طفل . بخلاف شخصية الأب التي تم تقديمها وحياكتها بحرفية داخل مجتمع الأسرة رغم غيابها في النصف الأول من الفيلم، وإنما سرعان ما قام السيناريو بتفعيل دورها في تصعيد الخناق الذى تشهده علاقات الأسرة وبعضها، فالبنية التي ألقى بها في البداية بشكل قوى لكل شخصية ساهمت في إضفاء حقيقية على المحنى الآخر الذى تدرجت إليه طبيعة الحياة في المنزل، وهو ما انتهى في النهاية لتدعيم شعور مروان بانفصاله تلقائيا عن كل هذا "الوشيش" المحيط به، فتجسيد مشاكل عائلته لم يكن تصويرا لأسباب شذوذه على قدر ما كان عامل من عوامل شعوره بالغربة وتيهه عن نفسه في المقام الأول.

معاناة مروان

فى حالة القبول بأن السيناريو التزم بتقديم حالة مروان الحقيقة كما هى، فيمكن اعتبارها معاناة نفسية من الرعيل الأول، الشذوذ فيها جانب من الجوانب المعطوبة التي أصابت نفس الشاب، والتي كانت في حد ذاتها سببا أيضا لتدهور حالته النفسية الغير مستقرة من الأساس، هي حالة معقدة جدا، لا يمكن وصفها على إنها ممثلة لطبيعة الشذوذ الجنسي، على قدر ما هي تُمثل شذوذا آخر نفسيا، عبر عنه الطبيب النفسي الأخير لمروان تعبيرا موفقا حينما كان يدفع به دوما لإعادة تواصله مع ذاته التي فقدها منذ وقت ..

وقد أجاد السناريو التعامل مع رحلة مروان النفسية الشاقة، بين انتقاله من طبيب لآخر في صورة معبرة، بداية من الطبيبة الأولى والتى وصّف حضورها وتعاملاتها توصيفا دقيقا يدعو للرثاء والسخرية من هذه التركيبة الإنسانية التي يغلب عليها الجهل والرغبة في الادعاء والتنظير، ومن بعدها يأتي النموذج الامبالى في الطبيب الثاني والذى لا يتعدى كونه شبيها باليافطة التي وضعت على باب مكتبه، يصبغ ذاته بصبغة العليم ببواطن الأمور، ويلخص تشخيصه في كلمتين وروشتة أدوية.

تماما كما صور السيناريو مضايقات المدرسة، وما تركته من أثر في نفس مروان جعلته يتقوقع داخل ذاته أيام الجامعة مما أدى لسوء حالته النفسية وتطور مشكلته مع الشذوذ، وما تلاها من تبعات ملاقاته لبعض الأشخاص عن طريق الإنترنيت، وفى هذا الجزء تحديدا لم يكن الفيلم واضحا بخصوص الوقت الذى قرر فيه مروان أن يخوض علاقة جسدية حقيقة وفعلية، فمن غير معقول على حسب ما جاء على لسان مروان أن تكون هذه اللقاءات دوما خالية من التفاعل الجسدي، وخاصة أنه في بداية الفيلم تم تقديم علاقة وثيقة بين مروان وأحدهم، أعطت دلالة واضحة على أن ما يجمعهما كامل، وهو الأمر الذى يدعو للغرابة حينما أبدى مروان امتعاضه وقت ممارسته الجنس مع مازن وكأنها لأول مرة، فهذه الجزئية برمتها لم تكن متماسكة على الإطلاق.

مناطق صعود وهبوط

كثير من المشاهد التي قُدمت لتُعبر عن مزاجية الشخصيات جماعا في اتقان، مثل مشهد اجتماعهم على طاولة الغذاء، وغيرها من المشاهد التي عبرت بالذات عن علاقة الأم بأمنية ومروان، هذا الصراع الخفي بين الأنثيين، ومثل هذه العلاقة المضطربة ما بين الحب والامبالاة وفرض السيطرة بين مروان وأمه، إنها أكثر مناطق الفيلم تألقا وحقيقية، بحيث كانت قادرة على نسج فتيل هذه العلاقات المحمومة وهى حريصة على تبيان مشاعر الحب التي مازالت تغمرها بدون أى تأثر، فترى الأم في مشاهد معينة تغدق بحبها على الإثنين، فتتلهف على محادثة أمنية على الهاتف وقت سفرها، وينخلع قلبها لمعاناة مروان وقت اعترافه أمام والده بمشاكله النفسة دفعة واحدة، فالأم هي أكثر الشخصيات التي تناولها الفيلم بتفصيلية مُنجزة انعكس بفضلها جمالا على باقي أجواء المنزل طوال الفيلم..

بينما جاء التحول الليّن الذى أظهره الأب في معاملته لمروان اسطوريا بعض الشيء، وخاصة بعد أن سبق وظهرت مثل هذه الروح الجامدة التي تحملها تلك الشخصية في جوفها، فتحولها بمنتهى السهولة إلى مثل هذه الطواعية والانطلاق تطرفا من الصعب قبوله، هذا فضلا عن الاضطراب الذى مر فيه هذا الجزء الأخير من الفيلم، بين خوف مروان من سفر والده، وانزلاق قدمه مرة أخرى في الشذوذ، ومن ثم النهاية  التي اختارت أن تغض البصر عن كل هذه المعلومات المبتورة، التي لم تقدم جديدا للسياق وشوشت على نية النهاية وكفى.

آخر كلمتين:

_"أسرار عائلية" فيلم يشبه اسمه وينتمى إليه بقوة، في وجهة نظري يُعبر عن حياة أسرة بعينها على مراحل عمرية مختلفة، ويختص من دونها فردا ليعكس من خلاله عقبات هذ الهدد الذى ألم بها على مدار زمن.

_مشهد المواجهة بين الأب وابنه، من المشاهد القوية التي بنى لها السيناريو جيدا، لتأتى بهذه القوة سواء على مستوى الكتابة أو الأداء

_موسيقى راجح داوود اكسبت الفيلم ثِقل درامى مميز، على الرغم من تشابهها جملة مع ألحان راجح في أفلام سابقة.

 

روابط ذات صلة:

إسراء إمام تكتب: لامؤاخذة.. كوميديا إنسانية بدم جديد 

إسراء إمام تكتب: "فيلا 69".. عن خداع الموت 

إسراء إمام تكتب: جرسونيرة.. سينما "الردىء بدون فيلم"

إسراء إمام تكتب: الحياة السرية لـ"والتر ميتي

 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان