رئيس التحرير: عادل صبري 10:11 صباحاً | الاثنين 26 أغسطس 2019 م | 24 ذو الحجة 1440 هـ | الـقـاهـره °

إسراء إمام تكتب: جرسونيرة.. سينما "الردىء بدون فيلم"

إسراء إمام تكتب: جرسونيرة.. سينما "الردىء بدون فيلم"

20 يناير 2014 09:58

ثمّة أفلام رديئة، ولكنها تظل تحمل بين طياتها نوعا من الجاذبية، وشيئا من المتعة التى قد تتسم ببعض من الرخص والعشوائية، إلا أنك تُبقى على انطباعك المزاجى عنها فى إيجاب بغض النظر عن قيمتها الفنية، وهذه النقطة فى حد ذاتها قد تُحسب لها، وتضعها بشكل أو بآخر فى خانة ثالثة تبتعد عن الفنى وغير الفنى على المستوى التقنى والحرفى.

 

على سبيل المثال عدد من الأفلام القديمة التى اشترك فى بطولتها محمد عوض وحسن يوسف ويوسف فخر الدين وغيرهم، أفلاما تحمل مسحة من الارتباك، والكثير من مواطن الضعف، ولكنها على الرغم من كل ذلك لها رونق ما، وجاذبية ترسم على شفتيك الابتسامة، وتفسح لذاتها مكانا من ذكريات فى رأسك لبعض مواقفها أو ايفهاتها اللفظية، مغمسّة بفرحة ما، تقفز لروحك بمجرد تعرضك لجزء من الفيلم.

 

بينما ما باتت تنضح به السينما المصرية الآن من أفلام رديئة، تبدو وكأن صناعها يستميتون فى جعلها رديئة فقط بغير أن يسبقها كلمة فيلم، فتظل شيئا بخسا لا مسمى له، ولا طائل منه، تضرب كفا بكف وأنت تشاهده، وتشعر أن القائمين على إنتاجه، قد تناوبوا فى نبتجيات على مراقبته لا فى صنعه، أحضروا الممثلين، وجهزوا الديكور، والموسيقى، والحوار، وو، ومن ثم اطلقوا عنان كل تلك العناصر معا، وأخذوا يرتقبون من بعيد، البعض منهم غفا، والآخر انشغل فى الطعام، وثالث داهمته مكالمة تليفونية، فتداخلت الموسيقى مع الحوار طوال الوقت على نحو يدعو للخرف، ومن ثم بُترت المشاهد فلم يتبين لها بداية من نهاية، وعاث الممثلون فسادا داخل المشهد، فمنهم من بدأ يتصرف على هواه ويرتجل ارتجالا مقيتا، ومنهم من كانت منشغلة بعرض أنوثتها أمام الكاميرا، ومنهم من أراد أن يختبر حنجرته فى الصياح.

 

بحق إن السطور السابقة هى الوصف الأمثل لفيلم جرسونيرة على وجه الخصوص، رغم أنها قد تتلاقى مع أفلام أخرى مثل القشاش مثلا، وهو نموذج آخر رائع يعتبر من تجليات سينما "الردئية بدون فيلم"، أى إن كان لن يتطرق للماضى فالحاضر أشد وطأة على كل حال.

 

علاقة سامح وندى

على الرغم من أن بنية فيلم كهذا تتطلب الكثير من الجهد فى العمل على علاقة ندى وسامح، والتى على خلفيتها تتحرك جميع الأحداث، بعدما يدخل أحد اللصوص"منذر ريحانة" إلى الفيلا، ويبدأ فى مراوغة العشيقين وإقامة نوع من الحرب النفسية ضدهما، بحيث تتضح الهوة فيما بينهما، إلا أن كل ذلك لم يحدث، واكتفى السيناريو بأن يقنع المشاهد طوال الوقت بتفخيم أى رد فعل ما بين الطرفين ليفى بالغرض فى تسريب الإحساس بأن هذه العلاقة على وشك الانفجار، فلاذ إلى استخدام الشكليات، وافتعال المشاجرات، الدموع، البكاء، وكلمات الحب، والكثير من الادعاءات والتى تبدو جلية من دون خجل فى مظهرها الخداعى بغير أى تجميل.

 

فضلا عن استخدام تعليقات ندى كصوت للراوى، الأمر الذى يعد من أهم الأدوات التى استخدمها السيناريست لوهم المُشاهد، والتصعيد بذائقة حواسه عنوة صوب مشاعر ليس لها أى أرض ثابتة. ليتحول إلى مُتتبع غشيم لما يقول الراوى، "أنا وسامح بنحب بعض" "أنا وسامح بينا مشاكل" وهكذا، فلا تنم المشاهد الأولى بينهما على أى مفاتيح تدع المشاهد يتفكر ويحكم على تلك العلاقة من تلقاء ذاته، وإنما انطلقت الثرثرة وكأنها وسيلة لملء فراغ الوقت لحين دخول اللص إلى الفيلا.

 

وبعد حدوث ذلك بالفعل، تستمر ندى فى صوتها على الخلفية، وتغمر المتفرج بالتخمينات والإقرارات وفق مهمة واحدة تنحو دوما لتشويه صورة سامح، بطريقة لا تتماشى أبدا مع ما يفصح عنه الموقف الحقيقى الذى يحدث على الشاشة، "حسيت أن أنا لوحدى، وإن هو خايف على نفسه" "حسيت أنه ضعيف" على الرغم من أنه لم يقم بما يستدعى أن توصمه بمثل هذه الاتهامات، وكان يبدى من الخوف عليها الكثير فى عدد من تصرفاته، كما أن موقفا كهذا يحمل فيه غريبا السلاح على اثنين يقيمان وحديهما فى عقار بمنطقة مهجورة، لا يستدعى بالضرورة أن يقوم أحد الرهائن بمداهمة هذا اللص والتصدى له، فأين المنطق من كل هذا؟.

 

غير أن ما كانت تطلبه ندى حدث بالفعل وقتما طلب الدخيل أن يقيم علاقة جنسية معها، وعلى الرغم من أن سامح كان مكبلا وقتها، إلا أنه حاول الدفاع عنها، فالسيناريو هنا مثال جميل لمعنى الترقيع الذى لا يفقه شيئا من منسوجه، إنها حالة الهذيان التى تُشبه تماما توصيف علاقة ندى وسامح، بأنهما حبيبين، بالرغم من أنك لا تشعر بذلك فى ولا كلمة من كلمات ندى عنه أو إليه، فوجود كل منهما كان شكليا، ليُكملا الإطار فى الصورة ويساهما فى تقدم الحدث، فهم شخصيات لا وجود لها من الأساس وبالتالى العلاقة بينهما بدت غير مشروعة هامشية تحمل من الفزلكة أكثر من الحقيقة الملموسة.

 

طريقة التنفيذ

يبدأ فيلم جرسونيرة تتراته بأغنية fever، ومن مبادئ صناعة أى فيلم، مراعاة أن التفاصيل التى يقدمها للمُشاهد تحمل دلالة ما، ولكن صاحب الفيلم هنا لا يفتأ أن يضرب بكل هذا عرض الحائط، لأن أولا موسيقى أغنية fever ناعمة شديدة الهدوء، توحى بكثير من الاستقرار النفسى وشىء من النشوة والسعادة، وهذا ما لن تكتشفه مع بداية أول مشهد من الفيلم، عندما تسرد غادة عبد الرازق عن علاقتها بالسفير سامح "نضال شافعى"، فهى على الرغم من إقحام بعض تفاصيل علاقتهما الجنسية التى انتهيا منها لتوهما على خير وسلام، إلا أنها تحمل فى كلماتها مزيدا من التوتر الذى يكشف عن علافة متصدعة يُثقل كاهلها وفير من التراكمات السلبية، وهذا كان السبب الأول الذى يدعو للغرابة من ناحية استخدام هذه الأغنية فى التترات.

 

أما الثانى فهو تنافر المود الذى خلّفته الغنوة سواء شئنا أم أبينا على بداية أول مشهد وبين حالة الميلو دراما الشديدة التى يستحيل إليها بعد ثوان معدودة، فتستمع فجأة إلى مزيكا بالغة البؤس وترى دموع ندى التى بزغت فجأة_ بعد قطع غريب فى المشهد_ وهى تشكو لسامح فيض كيلها من حياتها معه، فهو الرجل الذى يغدقها بالهدايا وخلافه فى سبيل أن تستمر فى معاشرته. مثل هذه النقلة الحادة فى مشهد واحد دون مراعاة لأى شىء وبغير تمهيد درامى لا تحدث حتى فى أفلام الكارتون.

 

نصف الفيلم الأول يمثل على جل عيوبه جزءا متماسكا إلى حد ما عن ما يأتى به النصف الثانى من تشتت، وفقر فى القدرة على مجاراة تلك الحبكة التى تحتاج إلى مزيد من التكثيف، فيطلب اللص معاشرة ندى إثر شعوره بالإثارة بعدما أقامت هى وسامح علاقة جنسية أمامه أمرهما هو بفعلها ليصورها ويأخدها ضد السفير كإدانة وحماية، وكأننا فى حاجة لأن يتم تفسير رغبة رجل كهذا فى امرأة ماهى إلا أسيرة له، فيتفوه اللص لسامح "مش قادر أنا على آخرى.. حس بيا" والأدهى أن بعد التدقيق والحرص على وصف هذه المعاناة، تقوم ندى بالرقص حوالى ربع ساعة لهذا الرجل الذى أكلت منه رغبته وشربت قبل ثوانى!، فهو الآن يطيق أن يرها تتلوى أمامه كل هذا الوقت، وبعدها يأخذها إلى الحمام ويعاشرها هناك وكأنه يخشى على شعور سامح من أن يلقيه هو بالحمام بينما ييبقى هو وندى على الفراش، ليكون هذا الحدث هو الحشو المناسب لمنطقة خواء سبقته وأخرى تلته فى هذا الجزء من الفيلم، فمن قبله يتبارز اللص وسامح على طاولة القمار لتحديد ما إن كان فى مقدرة الدخيل أن يعاشر ندى أم لا، لماذا؟؟ وهذا الرجل يملك السلطة الكافية لأن يقوم بذلك بدون هذه الهراءات، لا يهم المهم أن يمر هذا الفضاء الذى يحاوط بنية السناريو بسلام.

 

أما الجزء الأكثر سخافة هو ما يلى مغادرة الدخيل، فتجد حوارا طويلا مجوفا ومملا بين ندى وسامح، فى عدة أماكن بالشقة، يتبادلون نفس الاتهامات ويتشنجون بحرقة، ويتمايلون ما بين الحب والكره والانتقام والأهم من هذا كله إيفاء الغرض بإضاعة الوقت، ومن ثم ينتهى المشهد هنا ليبدأ ذاته فى مكان آخر وآخر، والطريف أن تعليقات المتفرج العادى فى السينما هى التى يمكن أن تعبر بحق عن يمكن للمرء أن يشعر به فى هذا الموضع من الفيلم، تعليقات عفوية من عينة "أنا زهقت"، "وبعدين"، "هم كل شوية يتخانقوا ويتصالحوا تانى!".

 

وبعد كل هذا تأتى المفاجأة الكبرى، أن ندى واللص على شراكة واتفاق بكل ما حدث، وهو ما ينفى دراميا الكثير من مبدأ المعالجة التى تم تقديم الفكرة من خلالها، أهمها نبرة الراوى، التى كانت تلوك طوال الفيلم بخوفها وفزعها وانطباعاتها لما يحدث، هى باطلة تماما فكيف تم استخدامها من الأساس طالما هى كاذبة، فنبرة الراوى يتم اللجوء لها لتوضيح مشاعر الشخصية الذاتية والحقيقية عن نفسها، فهو أسلوب يُطلعك على صوتها الداخلى الذى ينغلق عليه صدرها، فعلى أى أساس كانت تسرد ندى؟؟ولمن إذن؟؟ بينما كانت هى تضمر أفكارا مغايرة تماما فى ذلك التوقيت، لا يبقى احتمال سوى أنها قامت بتضليل المُشاهد، هى على علم أصلا بوجود المشاهد إذن؟؟؟ إنه خطأ درامى فادح لم يسبق لأى مُبدع فى الفشل استخدامه من قبل.

 

الصورة

العزاء الوحيد فى جرسونيرة، هى الحركة البانورامية للكاميرا فى أكثر من مشهد، بسلاسة ويسر تتحرك الكاميرا لتكسر فكرة المكان الواحد الذى يضم الأبطال الثلاث، فتلهث وراء الدخيل وترصد حركته فى لقطات طويلة من دون قطع، كما أنها كانت حريصة على تنويع الكادرات، من واسع لضيّق حسب الموقف، مع ميلها لاستخدام الكادرات الفوقية بمهارة.

إلا أنها انتهجت طريقة الدوران بافتعال فى المشاهد الأخيرة لمشاجرات سامح وندى، إلى درجة قد تصيب المشاهد بالغثيان، وكأن سوء المشهد نفسه غير كاف لأن يُدعم هذا الشعور.

 

آخر كلمتين:

_ تنظر ندى فى تحد إلى سامح، بينما يقف قبالتها حاملا أنبوب الغاز، مهددا إياها هى وشريكها وقد كبلهما استعدادا لنيته فى قتلهما خنقا، وبينما يقف كبهلوان ليلوح ويصرخ فيهما، تلتقط ندى ولاعة إلى جانبها بكل روية وهدوء وتباطؤ وتشرع بالفعل فى استخدامها، وينتهى الفيلم على موت الجميع، أين سامح وقتما تناولت الولاعة بكل هذا الاطمئنان على الرغم من أنه يقف أمهامها مباشرة؟؟، لا يجب أن تسأل عن شيء فى مثل هذه الحالات. فهكذا كانت النهاية وعليك أن تقبلها كما أضعت وقتك وشاهدت الفيلم بأكمله.

_ منذر ريحانة أكثر من فى الفيلم اجتهادا، فهو سعى فعليا لأن يخلق وجوده، ويضيف إلى الدور، حتى وإن بدا ارتجاله غير موقف فى أحيان كثيرة إلا أنه لم يكتف بكونه أمام الكاميرا ليقبض أجره فى النهاية، بل قرر أن يكون ممثلا يؤدى شخصية اتضحت رغبته وبذله الكثير لأن يقدمها بتميز، فى الوقت الذى كانت فيه غادة عبد الرازق مجرد امرأة تهتم بأن تستعرض أنوثتها ومن قبلها ملابسها الغريبة، أما نضال الشافعى فهو لا يفقه أن يكون ممثلا من الأساس، إضافة إلى أنه لا يليق بدور سفير أبدا.

روابط ذات صلة

إسراء إمام تكتب: "فيلا 69".. عن خداع الموت

إسراء إمام تكتب: الحياة السرية لـ"والتر ميتي"

خبير يهودى: جيوش الربيع العربى ستعجز أمام إسرائيل بعد عامين

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان