رئيس التحرير: عادل صبري 06:57 مساءً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

إسراء إمام تكتب: "فيلا 69".. عن خداع الموت

إسراء إمام تكتب: فيلا 69.. عن خداع الموت

فن وثقافة

أفيش فيلا 69

إسراء إمام تكتب: "فيلا 69".. عن خداع الموت

إسراء إمام 28 ديسمبر 2013 16:56

هل تفكرت يومًا ماذا تمثل لك اللحظة الحالية، بكّم تُقدرها، وعلى أي أساس تتعامل معها، وكم هي وثيقة علاقتك بها، إن لحظة تمر عليك فلا تحتسبها من الوقت شيئًا هي عمر آخر يتسرب من بين يديك، هي هوية تُعبر عنك، تفقدها في زخم انشغالك بما هو قادم، وتباكيك على ما مضى، إنها الحياة التي تختار ألا تعتاشها وتمضى مهرولا وراء حيوات أخرى لا تملك منها مثقال ذرة، فتكون كمن أضاع العشرة عصافير من على الشجرة ومعهم العصفور الذي يقبض عليه الكف.

 

هذه هي الحقيقة التي يضعك أمامها فيلم "فيلا 69" فيتركك في مواجهة مع بطله حسين "خالد أبو النجا" وهو يحيا لحظته الآنية، ويمضى حريصا على ألا يقتحم شبح الماضي خصوصيتها، أو يدع حسابات المستقبل تعكر صفوها، فلا يهم أن تعرف المزيد عن حياة حسين السابقة، تفاصيل علاقاته مع أشخاص لم يعد لهم وجود من حوله، أو حتى مازال حضورهم يخيم على مخيلته أو يكبس على واقعه، ولا فارق أن تعرف ما الذي سيحدث في وقت قادم بعدما يتجاوز حسين فترة احتضاره، وإنما عمل السيناريست المبدع محمد الحاج على أن يختزل لك معنى حقيقي للحياة من قلب أنياب الموت، ويبرهن لك أن القدرة على العيش موهبة متفردة لا يملكها إلا القادرون.

 

السيناريو

 

حسين، هو المُكتسب الأبرز من هذا السيناريو المكتنز، ولهذا لا يسعنا سوى أن نتطرق له في البداية، ليس لصفاته الإنسانية المميزة الظاهرة، مثل المغالاة في العنف على الرغم من طيبة القلب، خفة الدم المُغلفة ببعض المراوغة والغِلظة، العناد والتمادي في عدم الاستسلام، ولكن بسبب ما تحمله هذه الشخصية من قوة قادرة على تحريك جميع مكونات السيناريو الباقية، سواء على مستوى الشخصيات أو الأحداث، فالجميع من حوله يظنون أنه شخص ليس من السهل التواصل معه، وفي الحقيقة تراه أكثرهم قابلية في تكوين العلاقات، فتراه ينال بسهولة ثقة وحب صديقة سيف، فضلا عن علاقته الوثيقة بخادمه عبد الحميد، وهناء الفتاة التي تعمل على تمريضه، وحيدر الشاب الذي يعاونه في عمله، وسيف ابن أخته، وأخته ذاتها على الرغم من كل ما يتبدى من توترات في علاقتهما إلا أن لها أساسًا متينًا من الثقة والقرب.

 

فحسين قادر على صياغة علاقات حيوية بكل ما يحيط به، ليس البشر فقط، فهو يحرص دوما على أن يطعم القطط حتى في الوقت الذي لا يجدها أمامه فيه، فيقوم بكل عفوية بالـ "بسبسة" عليها حتى تأتيه، وبنفس الحيوية والشغف يراقب التمارين الرياضية لجاره متتبعا اياه بالورقة والقلم ليحسب منجازاته البدنية بردات فعل رجل تتلبسه الحياة من شعر رأسه لأخمص قدميه، لا يهاب شبح الموت الذي يقترب وإنما يتوق بشهية معمِرة لمجاراة منافِسه. وهو أيضًا من يُحب كل شيء على عِلاته، فهو يقيم علاقات متأصلة حتى مع ذرات التراب التي تسكن الفيلا وينهر أخته نادرة "لبلبة" حينما يجدها في أحد الصباحات تطوعت لتزيلها عن أسطح وجدران المكان.

 

حسين أقواهم، الجميع يهرع حينما تقترب اللحظة الموعودة، فترى عبد الحميد الخادم يهرب ويطلب من أخته نادرة العناية به، كما فعلت تماما سناء "أروى جودة" الفتاة التي تربطه بها علاقة تحمل الشبهتين العاطفية والإنسانية، فهي ما إن عرفت حقيقة المرض التي ظلت لنا مبهمة للنهاية اختارت ألا تواجه، وألا تعود لزيارته، على الرغم من أن الحقيقة التي يمكنك أن تفطن إليها وعلى حسب رواية سناء، أن حسين عاود مكالمتها بعدما انقطعت علاقتهما قبل شهر، وهى نفس المدة التي انقطع فيها عن الذهاب إلى مكتبه، و التي يمكن أن نستشف أنها التوقيت الذي علم فيه باحتضاره، فهو أشجع من ألا يختار أن يكون بقربها عكس كثيرون يختارون في توقيت حساس كهذا أن يبتعدوا للحفاظ على الصورة الصحيحة للبدن والروح أمام أقرب الناس، وعلى الرغم من كل هذا كانت سناء أجبن من أن تُحقق رغبته وأن تجارى قدرته على المواجهة. حتى طلبه من نادرة طوال الوقت أن تغادر كان بدافع الغضب أكثر منه بدافع الخوف، فهو في حقيقة الأمر يرغب في وجودها ولا يخشى وقت انهياره أمامها أو أمام سيف حفيدها.

 

حسين أكثرهم تأثيرا، فبمعرفته القليلة لسيف وصديقته غيّر طبيعة علاقتهما المتأرجحة ما بين الصداقة والعاطفة، وعلى الرغم من وجوده المتفاوت في حياة سناء إلا أنك تشعر بحياتها وهى تتمحور حوله، فهو بالنسبة لها أكبر مما هي تمثله له، وهو عنصرا فعالا في تكوين شخصية حيدر مساعده، سواء في تأثيره عليه إنسانيًا عن طريق التواصل فيما بينهما أو فيما فعله قبالة نهاية الفيلم، حينما تنازل له عن حصته بالمكتب، هل لك أن تتخيل تأثير شخصية مثل حسين على التكوين النفسي لحيدر في حياته المقبلة، فهو من كان يصطحبه أثناء رحلة مراقبة جاره، وهو أيضا من كان معه وهو يبسبس لقططه، فتراه يتندر علي طبيعته المتقوقعة قائلا "مابتعرفش تبسبس، جتك خيبة". حتى الفيلا هو الأكثر تأثيرا عليها، فتراها متخمة بذكرياته، وأرواح شخوصه المفضلين، فهى باقية طالما ما بقى، والحاج تركك تتوقع مصيرها بعد رحيله في جملة جاءت على لسان حسين قالها لسيف " كان عندنا فيلا في المعمورة، عمرك ما هتعرف هي كانت جميلة قد إيه، لأن نونتّك (نادرة) هدتها لما كنت أنا مسافر". حسين، هو من قام بخداع الموت، هو من هزمه وركبه وقسم ظهره، حينما قرر أن يختزل كل تفاصيل الحياة من حوله، ليحياها ألف مرة، الكُتب التي يملكها، سيارة والده، خيالات أصدقائه القدامى، وعلاقاته الوثيقة بواقعه، آلاف من الأعمار التي أعتاشها بفرحة خاصة، بلغ فيها الكمال حينما قرر أن يتخطى تردده في الخروج من المنزل بنهاية الفيلم، فأنهى خُدعته بجدارة وأزهق أنفاس الموت الهزيلة الباقية.

 

السيناريو ضارب في بساطته، فعال حتى في صمته، صاغ كل الشخصيات كيفما ترائي له، بإحساس وعفوية، لم يقولب التناول، ومضى يطرح رؤيته الإنسانية بكل حرية، ودون اثقال على الدراما التي نبعت أكثر من داخل الشخصيات، ولم تعتمد على حدث بعينه، وبرغم أن الصيغة الأساسية صيغة إنسانية من الطراز الأول، لم يستغلها السيناريو لأنه أقوى من ان يفعل، واجتهد في تأسيس بطانة ثرية، للمكان والأشياء والأشخاص، كان للأغاني توظيفًا جيدًا في الربط بينهما. فسيناريو الحاج، سيناريو مُلهم، يبدو أكثر عمقا في نظرته المكثفة الغير مفصلة و التي تترك لنا المساحة الكافية للتعامل معها والشعور بها.

 

الصورة

 

إحساس المخرجة آيتن أمين، بسيناريو الحاج، جاء ملموسا جدا على الشاشة، والحقيقة أن الرغبة في أن توفي آيتن حقها في الإبداع بالصورة، يحتاج لمشاهدة الفيلم لمرات عدة، حتى يستطيع أن يزعم أحدهم، أنه ألّم بكل ما جاءت به صورة الفيلم، فالكادرات لم تكن اعتيادية، فقد استغلت آيتن أقل اللحظات عادية لتخلق منها كادر جمالي، مثلا وقت خروج حيدر من الفيلا اثر مشهده الأول مع حسين، يُظهر الكادر حسين على اليسار ساندا قرب النافذة التي يظهر منها حيدر يمينا وهو يغادر، الإضاءة مظلمة في شيء ما على وجه حسين بينما يأتي النور كله من الخارج، وهو المشهد الأول في مدلوله على أن حسين يواجه قدرا غامضا نوعا ما، كادرا آخر يأتي مع بداية الفيلم، على المياه الصافية المائلة للون الأخضر خلف صوت حسين وهو يحتار في تعديد لحظته الأجمل في الحياة، إنه اللون الذي يُشبه فطرته النقية التي لم تخدشها كلماته العنيفة وتعبيراته التي قد يراها البعض فجة، و التي تتشابه تماما مع الحياة الجميلة التي عاشها ومازال يصر على معايشتها ولم يقوى المرض على هزمه فيها. وهكذا..

 

وقد نقلت الصورة في مشاهد الحوارات بأسلوب مغاير تماما، فلم تضطر طوال الوقت أن تلاحق وجوه المتحدثين، بينما اهتمت في أن تلتقط التعبيرات التي تريدها حتى وإن تجاهلت بشكل كامل وجه من يتحدث، مثلا رصدت ملامح حسين حينما كان يحتضن أخته نادرة، ولم تأت بلقطة واحدة لوجه نادرة، فتركزت على تلك القسمات التي تغيرت لمليون درجة حينما مسّها هذا الحضن. وفي مسحة لغرفة حسين يمكنك أن تلاحظ تمثال لرجل وامرأة في وضع القُبلة متوسطا موضعه على أحد الأثاثات، بينما حينما كان يتحدث حسين إلى سيف عن صديقته تقدم موضع التمثال ليجانب مقعد سيف، وكالعادة تجاهلت كاميرا آيتن بعض من جمل حسين في الحوار في سبيل أن تبرز سيف وبجانبه التمثال. وهكذا..

 

ثمّة كادر بعينه تكرر، وهو الكادر الذي يلتقط حسين جالسا في شرفته من خلف الباب الموارب المسدلة ستارته، هذا الكادر جاء في بداية الفيلم، وفي منتصفه، وتحديدا قبل أن يقرر حسين الخروج من المنزل ثانية، فهذه هي التفصيلة الوحيدة التي تُسرب شيئا من الخوف إلى حياته، وتُبقى قدرته على المواجهة ليست في تمام تألقها، وتصبغها بشىء من النمطية وتتهمها بالانفتاح أكثر على الماضي، (إذا لاحظت معظم بيبان الفيلا الفرعية دوما في وضع المواربة، إلا الباب الرئيسي). ومن ثم تأتى اللقطة على أسطوانات الجرامافون متكسرة تغرقها المياه في نوع من الهلوسات البصرية، ومن بعدها تُشاهد حسين وهو يبكى على استحياء حينما غادرته سناء (لأول مرة ترى دموعه)، ومرة أخرى وهو يجاور نادرة في السيارة القديمة، ثمّة شيء تغير في حسين، جعله يقرر الخروج من المنزل ليأتي قبلها الكادر الذي يرى وجهه فيه بالمرآه، أنه مستعد الآن لمواقعة الموت في مخدعه ولم يعد ثمّة ما يؤرقه.

 

آخر كلمتين:

 

_ فيلم فيلا 69 فيلم لذاكرة عُمر

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان