رئيس التحرير: عادل صبري 05:29 مساءً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

«شيء عابر».. تكنيك قصصي يحلق في سماء الخيال

«شيء عابر».. تكنيك قصصي يحلق في سماء الخيال

فن وثقافة

غلاف الكتاب

«شيء عابر».. تكنيك قصصي يحلق في سماء الخيال

كرمة أيمن 27 أبريل 2018 20:17

ببصمات جديدة وبتكنيك قصصي يحلق في سماء الخيال، أصدرت الكاتبة سمر الزعبي مجموعة قصصية جديدة بعنوان "شيء عابر"، عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان.

 

تضم المجموعة اثنين وعشرين نصاً قصصيًا، تميزت بالتجديد من حيث الأسلوب والموضوعات، وازدادت قصص "سمر الزعبي" تكثيفا، واعتناءا بالصور، والتحليق في الخيال، وحوارتها تزاد تعبيرا.

 

وبدأت الكاتبة تكنيكها القصصي، مع سطور المقدمة، وتقول فيها:

قال: «اعدمي بطلَك»، فجعلْتُه البطلَ والحكايةَ والرّمزَ والحبكة.. لو غابَ شخصُه يجتاحُ عطرُه السّطورَ، تجد ربطةَ عنقه في نَصٍّ ولو لم يرتَدِها، أو أوراقَ قصائده التي لم يكتبها بعدُ، وفي نصٍّ آخر يدوسُ عليها فأُسقِطُ المشهد، قد تجد مفاتيحَ بيته التي أضاعَها منذ الحرف الأوّل، أو سـيارتَه التي تنقلُهُ وأنثاهُ من نصٍّ إلى آخر، قد يتوقّفان عندَ حدوده، لكنّ العجلات ستمضـي حتى النهاية، وإن غابَ هذا كلُّه أو غيره فإنّه حاضـر في شعورها تجاهَه.. ينضُج ويكتمل كيفما اتّفق، فمَن مثله لا يُعدَمُ".

 

تختصر الكاتبة، الأحداث التي تستغرق في الواقع زمنًا طويلًا، واقعيا وشعوريا، بعبارتها المكثفة، وسردها المتواتر، الذي يجعل الزمن أكثر فاعلية، وأكثر وقعًا وتأثيرًا.

 

وفي قصة "رفعت": حددت "سمر الزعبي" الزمن بالساعة والدقيقة يضفي على الأحداث توترًا، يجعل أنفاس القارئ تتلاحق في ملاحقتها، ومتابعة سيرورتها، ومع ذلك فهي لا تروي ظمأ القارئ، إذ تترك نهاية قصتها مفتوحة، دافعة القارئ لمزيد من المتعة في إعادة قراءة الأحداث والنتائج.

 

وتقول الكاتبة: "الأشياء الكبيرة، مثل انتحار فتاة بسبب قصة حب، تبدو شيئا عابراً في زخم الحياة المتسارع الذي لا يرحم، فكن هي قاسية الحياة".

 

وأشياء الحياة عابرة، هي التيمة الرئيسية في مجموعة سمر الزعبي، وتقول في قصة "ترويض":

"لم يفكِّر يوماً أن يخرج، اعتاد زوجتَه، غيرَ المفعمةِ بالأنوثة، اعتاد حياتَه، وتصالحَ مع مجرياتها منذ زمنٍ بعيد، يقلِّب بصـره بين النساء، كلُّ شـيءٍ عابر، إلاَّ هي، شغفته حباً، تلك التي تمنَّى لو ترخي جدائلَها على كتفيه، ترتجف إحدى يديه لـمَّا يراها، يبتلع الكثيرَ من الكلام، ويكتفي بابتسامة تهتزُّ على طرفٍ من شفته، ونظرةٍ كسـيرة، لا يحلُّ لغزَها أحدٌ كزوجته".

 

وسمر الزعبي، كاتبة أردنية حاصلة على جائزة رابطة الكتاب الأردنيين في حقل الرواية عن مخطوط "مدائن الندم"، وجائزة سواليف الأدبية في القصّة القصيرة عن نص "عدسة".

 

وترجم لها نص "وأخيرًا" عن طريق مسابقة "ألف ليلة وصحوة" للقصّة القصيرة إلى الّلغة الإنجليزيّة والإسبانيّة، وصدر لها مؤخرًا مجموعة قصصية "تنازلات" بدعم من وزارة الثقافة الأردنية 2017، عن الآن ناشرون وموزعون في عمان.

 

وتعكس قصة "خبر" ذروة تطور المستوى الفني لدى الكاتبة، ومن أجواءها نقرأ:

 

"أقود بزهو، ولِمَ لا؟ قضـيتُ ليلة أمس في كتابة نصٍّ أختم به مخطوطي «شـيء عابر»، فقد أشار علي النّاشـر أن أُضـيف نصّاً للمجموعة كي تبدو بحلّةٍ أفضل.

أُوقِفُ السـيارة، وبدل أن أشغّل الغمّاز اليمين، يومضُ ضوءُ الغمّاز الآخر.. أتسبّبُ بإرباك السـير، ويشتمني أحدهم، لا آبه به، أغادر السـيارة وأسحب نسخة ورقية من المخطوط، أقلّب صفحاته بحرص متأكدةً من تسلسلها، ثم أعاود الانطلاق.

 

كأنّ الشواخص تغيرت! لا أدري، لكنها تدفعني باتّجاه غير معتاد، ربما هنالك إصلاحات.. ألمح بطل قصةٍ كتبتُها ذات مرّة، نعم، ها هو بطل «هزيمة»! ما زال هزيلاً، لكنه شخصٌ افتراضـي! كيف لي أن أراه يذرع الشّارع؟ يا للعجب! ربما أرهقَ سهري ليلة أمس بصـري.
 

تصطفّ سـيارةٌ أمامي عند أحد المنعطفات، وحينما أتجاوزهُا أرى أبطالاً آخرين أعرفهم، فذاكرتي لا تخونني أبداً. يا إلهي! ما هذا الهذيان، وإلى أين تقودني الطريق العمياء هذه، عليّ أن أسـرع كي لا أفوّت موعدي مع الناشـر.

 

صرت بمحاذاة غابة تنتهي بعدها الطريق الرئيسـية، فماذا أفعل؟ سأدمّر الشواخص أثناء عودتي، لكن أيُّ عودة! أراني أتقدّمُ جوقةَ زوامير مزعجة لا تفسح المجال للتراجع.. طريقٌ ترابية، حجارةٌ تتخطّاها العجلات بصعوبة، ثم ساحة فارغة تتوسط أشجاراً ضخمة، وإذ ببطلة «هزيمة» تقف واضعةً يداً فوق أخرى في المنتصف..

 

أتوقّف مجبرةً وقد حوّطني السائقون. تفزعني نظراتهم وهم يغادرون سـياراتهم، أترجّل، فيتجمّعون حولي دفعة واحدة يلومونني:
 

- من هما البطلان الجديدان؟

- لمَ جعلتِهما يحتفيان بقصّةِ حبٍّ هنيئة، فيما أبكيتِنا ذلاً، وحرقتِ قلوبنا؟

- مَن أنت كي ترسمي أقدارنا؟

- لم نذق طعماً للراحة، ولم ننعُم ببهجة لقاء! فيما يمارسان الحبَّ بحرية!
 

لم أنبس، أتحنّط مكاني، أتأمّل حالهم المزرية، ملابسهم غير المُرتّبة، أجسادهم الهزيلة، اللحى الطويلة، والشعر المبعثر.. يااه، ألهذا الحدّ أنا قاسـية! الحزن في تقاسـيمهم وشمٌ، ماذا فعلت؟ ماذا فعل الحب بهم؟..


يتكاتفون على ضـربي وربطي بالحبال، تنهالُ فردة حذاء بكعب عالٍ على رأسـي، أغيب عن الوعي، وعندما أستيقظ أجد المخطوط بين أيديهم، كلٌّ منهم يغيّر في أحداث النص الذي يخصّه، ولا يكتفون بذلك، فقد أعمت الغيرةُ قلوبَهم.. يقلبون النصّ الأخير:


أبو البطلة يقرأ محادثاتها مع الحبيب، يطّلع على الصور التي تجمعهما في وضع فاضح، فيعدمها من دفتر العائلة، وتؤول بها الأحداثُ حبيسة أربعة جدران، فيما تكتشف زوجةُ البطلِ الخيانةَ، وتفضح أمر المراسلات، والصور، بالأخص تلك التي التُقطت على السـرير، وأرى -فيما أرى- القاضـي يحكم لصالحها، يتداول الناس الصور، تضـيع هيبة البطل، يفقد احترام أبنائهِ، يحاول أن يستعيدَ مكانتَه، سمعتَه، حبيبتَه التي تصغره بعشـرين عاماً، التي أُعدمت من دفتر الحياة هذه المرّة،  ولا يكتفون:

فما أزال محجتَزةً في مكان أجهله، أنتظر حفلَ توقيع الكتاب أملاً في أن يُطلَق سـراحي، لكنّ النّاشـر يتواطأ معهم على ما يبدو، ليحصد الشهرةَ بعد الخبر الصحفيّ الذي نشـرته الصحف:
 

"شخوصُ "شـيء عابر" تقيمُ حفلَ توقيع المجموعة القصصـية في ظلّ غياب الكاتب".

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان