رئيس التحرير: عادل صبري 03:44 صباحاً | الاثنين 28 مايو 2018 م | 13 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 39° صافية صافية

بالصور والمستندات|«مجزرة المنابر الأثرية».. من المسؤول ؟

بالصور والمستندات|«مجزرة المنابر الأثرية».. من المسؤول ؟

فن وثقافة

المنابر الاثرية

بالصور والمستندات|«مجزرة المنابر الأثرية».. من المسؤول ؟

كرمة أيمن 25 أبريل 2018 18:20

الاتهامات المتبادلة بالإهمال ما بين وزارتي الآثار والأوقاف، كانت الشرارة التي اندلع منها قرار رقم 110 لسنة 2018، لاقتلاع 55 منبرًا من أعظم وأجمل منابر القاهرة الإسلامية من أماكنها وتخزينها في مخازن متحف الحضارة بالفسطاط، في انتظار قرار آخر يحدد مصيرها.

 

ومع  أول عملية نقل وتفكيك، التي كان ضحيتها منبر "مسجد ومدرسة أبو بكر مزهر" بحارة برجوان، ثار كل محب لتراث بلده، وعمت حالة من الغضب بين جموع الشعب سواء متخصصين أو غير ذلك.

 

لم ينكر أحد وقائع السرقات المتعددة التي نالت عدد من المساجد، وخاصة في السنوات الأخيرة، حيث تعرض حوالي 17 منبرًا من منابر مساجد القاهرة التاريخية لحوادث سرقات ما بين سرقات أجزاء صغيرة مرورا بسرقة أجزاء مهمة، وكان آخرها عام 2017 بسرقة 7 مشكاوات من مسجد الرفاعي، لكن هذا لا يعني تفريخ المساجد من محتوايتها وهويتها بعد أن ظلت صامدة طوال هذه السنوات.

 

ومع حالة الغضب العارمة، خرج الدكتور خالد العناني؛ وزير الآثار، ليؤكد عدم نقل أي منبر إلا بعد عرضه على اللجنة المختصة، وعرض كل منبر على حدة والوقوف على طبيعة كل واحد منها وحالته وآلية وطرق النقل لضمان سلامة القطعة الأثرية".

 

وأضاف العناني، خلال مشاركته في اجتماع لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب، أن هناك 55 منبرًا سيتم توثيقهم وتسجيلهم ونقل ما يمكن نقله.

 

ونوه أن ما تم نقله على أرض الواقع منبرًا واحدًا، للعديد من الاعتبارات التي تتمثل في أن هناك بعض المساجد مغلقة، وهناك بعض المنابر ضخمة، وأخرى يصعب نقلها من باب الحفاظ عليها.

 

ولفت العناني، إلى أن خطوة التسجيل تأخرت عشرات السنين، وتم بدء التسجيل مع بداية عام 2017، لتفادي عمليات السرقة التي تكررت شكل مستمر في الأونة الأخيرة.

إلا أن حديث وزير الآثار يتعارض مع الصور التي انتشرت لعملية تفكيك منبر "مسجد أبو بكر مزهر"، وكل صورة منهم بكثابة ألف كلمة، وتنقل الواقع دون تزييف أو تجميل، ليظهر المنبر وهو مفكك لأجزاء دون تغليف والتعامل معها وكأنها قطعة أثاث، ليس أثرًا ذات قيمة تراثية وتاريخية.

 

ويرجع تاريخ مسجد أبو بكر مزهر، الذي تم تفكيك حشواته، إلى عام 1480 ميلادية وتنسب المدرسة إلى زين الدين أبو بكر ابن مزهر، وكان ناظر ديوان الإنشاء فى عهد دولة المماليك الجراكسة.

 

ويعد المسجد من أجمل مساجد المماليك الجراكسة، ومنبر المسجد تحديدًا تحفة جميلة بما يحويه من أشغال خشبية وصدفية شديدة الدقة والجمال ويتميز أيضا بضخامة حجمه ودقة صناعته، كما أن المسجد بشكل عام تحفة في البناء خاصة استخدام السقوف الخشبية، ومن الأمور النادرة فى هذا المنبر إننا نعرف اسم صانعه وهو عبد القادر النقاش.

 

 

"مجزرة المنابر الأثرية" هكذا وصف الفنان والناقد إبراهيم وشاحي، فك ونقل المنابر الأثرية من المساجد التاريخية، قائلًا: "ليس من المبرر أبدًا أن تفك المنابر الأثرية بهذه البشاعة وبهذه الطرق الغير علمية.

 

وتساءل وشاحي، كم من الآثار الإسلامية خضعت لعمليات ترميم، ومن بينها ترميم المنبر أو دكة المُبلغ أو أى مُقتنى آخر يوجد بالمسجد الأثري، لانهم جزء لا يتجزء من الأثر.

 

ووصف قرار فك ونقل المنابر إلى مخازن وزارة الآثار قرار مُفاجىء وصادم جداً فى حق التُراث المصرى وفى حق المصريين جميعاً صناع هذا التُراث، فهو قرار يُمثل خطراً كبيراً على حضاراتنا ويُساعد فى طمس وغياب هويتنا ودفنها إلى الأبد.

 

وتابع وشاحي: "منذ عمر إنشاء هذه المساجد الأثرية والمنابر وجميع المقتنيات موجودة بها، ومروراً بلجنة حفظ الآثار العربية سنة 1881م ، إلى إنشاء المجلس الأعلى للآثار، ثم إلى تحويل الأخير إلى وزارة الآثار عقب ثورة يناير، لم يجروأ أحد أو يأتى بعقل أى مسئول بمثل هذا القرار الخطير.

 

وأضاف "ما لا يعرفه أصحاب هذا القرار والمؤيدين له، أن جميع مُتعلقات ومقتنيات المساجد الأثرية من منابر ودكة المُبلغ والمشكاوات والثُريات والتنورات والأبواب والشبابيك والأسقف المُزخرفة والمقرنصات هى جزء لايتجزء من الأثر، وأنها بمثابة الروح فى الجسد، وإذا افرغنها المساجد تصبح خاوية خالية بلا روح.  

 

واستنكر قائلًا: "ما الذى تركناه للمتذوقين من المصريين مُحبين وعاشقين التراث، هذه الآثار ثُمثل التاريخ الذي يستنشقون من خلاله رائحة وجمال الماضي، وينهلون منه القيم الأصيلة التي تركها لهم الأجداد.

 

ويرى أن المُدهش والرائع عقب إعلان هذا القرار الخطير هو التعاطف الذى لم يخرج من الكثيرين من المُتخصصين، بل خرج التعاطف من عامة الشعب من المصريين، وحالة الغضب الشديد التى صنعها أصحاب القرار لهم، متسائلًا: "أليس ذلك بكافى لإلغاء هذا القرار والرجوع فيه".

 

وأشار إلى أن القاهرة مدرجة من قبل "اليونسكو" ضمن قائمة التُراث العالمي بما تحويه القاهرة من مناطق أثرية وتاريخية، طارحًا تساؤل هام "بماذا تُصنف وتُدرج مدينة القاهرة بعد تنفيذ هذا القرار الخطير وبعد إفراغ وإخلاء مساجدها الأثرية من جميع مُتعلقاتها ومُقتنياتها، فهل ستتراجع اليونسكو فى عدم إدراج القاهرة ضمن التُراث العالمى؟، أم ماذا يحدث عقب تنفيذ هذا القرار.

 

وردا على أن القرار جاء للحفاظ عليها من السرقات، أوضح أننا إذا افترضنا حُسن النوايا فى هذا القرار فهل يكون الفك والنقل لتلك المنابر الأثرية بهذه الصور والطرق الغير علمية؟.

 

وتابع: "كلنا يعرف أن صناعة هذه المنابر صناعة نادرة جداً وتكاد أن تنقرض، وتحتاج إلى مهارة فنية عالية الدقة وصُناع مهرة مُتخصصين فى طريقة الفك ونزع الحشوات مُعقدة التركيب، لأنها تركب بطريقة العاشق والمعشوق ليس بها مسامير للربط.

 

وتوجه بحديثه إلى صناع القرار قائلًا: "من أقر هذا القرار وبدء فى تنفيذه، ألم يعى بأن هناك مُتخصصين يجب الرجوع اليهم وأنه توجد لجنة دائمة بوزارة الآثار لمُناقشة ومُراجعة تلك القرارات الخاصة بالحفاظ على الأثار، ألم يعرف ماهى مخازن وزارة الآثار وأنها غير مُهيئة تماماً للحفاظ على الآثار، .ألم يعى أن هذا القرار وغيره من القرارات الغير مدروسه الغير مُمنهجة تمس هوية كل مصري.

 

وطالب وشاحي، بضرورة طرح وإيجاد بدائل فورية فى حالة الحتمية والضرورة القصوى فى الفك، واقترح عمل مُستنسخات طبق الأصل للمنابر الأصلية الأثرية النادرة جداً، ونقل الأصل إلى متاحف خاصة مُجهزه بوسائل علمية وبطرق عرض مُناسبة تليق بالأثر ونضمن الحفاظ عليه، وليس نقلها لمخازن الآثار وما أدراك مامخازن الآثار.

 

 واختتم قائلًا: "عليكم الرجوع فوراً فى هذا القرار الخطير، فهو ليس مطلب شخصي مني أو من جماعة من الناس بل هو مطلب كل المصريين أبناء هذا الوطن".

وعبر صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" ندد الباحث الحقوقي عبد العزيز الشناوي؛ من نقل وتفكيك منابر المساجد الأثرية، واصفًا ما يحدث بالتخريب العمدي.

 

ويرى النائب والكاتب يوسف القعيد، أن فكرة التأمين أفضل من نقل المقتنيات الأثرية بمكان آخر.

 

وأشار يوسف القعيد، خلال مشاركته في اجتماع لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب،  إلى أن هناك من يأتي من آخر الدنيا لزيارة مسجد أثري بعينه أو زيارته، وفي حالة علمه بأنه تم نقل كل القطع الأثرية يحدث له حالة من الارتباك، مؤكدًا أن التأمين أفضل من النقل".

 

أما المحامي علي أيوب؛ مدير مركز ابن أيوب للدفاع عن الحقوق والحريات، قرر اتخاذ اجراءات أكثر صرامة، ورفع دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، للمطالبة ببطلان قرار مجلس الوزراء، بتفكيك المنابر والمقتنيات الإسلامية الموجودة في المساجد الأثرية والتاريخية.

وطالبت الدعوى بإعادة منبر مسجد أبو بكر بن مزهر، مع تكليف الجهة الإدارية بطلب حراسة من الجيش والشرطة على جميع المساجد الأثرية، وتركيب كاميرات مراقبة بها، تعمل على مدار 24 ساعة.

 

واختصمت الدعوى، كل من رئيس مجلس الوزراء، وزيري الآثار والأوقاف، مساعد وزير الأثار، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، رئيس المجلس الأعلى للآثار بصفتهم القانونية.

 

ذكرت الدعوي أنه حيث صدر قرار رقم 110 بتاريخ 20 2 2018 من المطعون ضده الأول بتفكيك المنابر والمقتنيات الإسلامية الموجودة في المساجد، بناء على مخاطبة سابقة من وزارة الآثار لمجلس الوزراء وبناء على الطلب؛ وافق  مجلس الوزراء على إصدار القرار الطعين.

 

وجاء في نص القرار: "بعد مخاطبة وزير الآثار والموافقة على الطلب تتولى تلك الوزارة توفير مستنسخات بديلة لهذه المقتنيات بمعرفتها، وأن يتم ذلك من خلال لجان مشتركة ومحاضر رسمية".

وبدأ تنفيذ القرار بتفكيك عدد من المنابر الأثرية بتفكيك منبر مسجد أبوبكر بن مزهر بعملية تفكيك مهينة وفي سرية تامة بدون علم الأوقاف التي تملك تلك المساجد، حيث شرعت وزارة الآثار في أعمال فك أحد أهم وأندر المنابر المملوكية، وهو منبر مدرسة القاضي أبوبكر بن مزهرـ

وتنسب المدرسة إلى زين الدين أبوبكر بن مزهر الذي كان ناظرا لديوان الإنشاء في عهد دولة المماليك الجراكسة، والتي بنيت عام 1479 ـ 1480، وتقع بحارة برجوان بحي الخرنفش في منطقة القاهرة التاريخية بالجمالية، ويعد ذلك المنبر قطعة فنية فريدة، مكتوبا عليه تاريخ الإنشاء، ويعد واحدًا من أروع القطع المملوكية على الإطلاق.

 

وتابع المحامي، أنه تم حفظ وتشوين "منبر مزهر" داخل مخازن متحف الفن الإسلامى بالقلعة، بدلًا من مخازن متحف الحضارة، وهو غير مؤهل لاستقبال قطع أثرية خشبية على هذه الدرجة العالية من الأهمية.

 

وذكرت الدعوى إن هذا القرار المعيب بمثابة هروب من الواقع والمسئولية وهو خطأ فادح لأن هذه المنابر قائمة منذ مئات السنوات ولم يستطع أحد تفكيكها.

ويشير الطاعن أنه رصد عملية بيع لضلفتي باب من منبر مملوكي في صالة سوثبيز في لندن فى أبريل 2017 وقد كان سعرهما يصل إلى مائتي ألف جنيه أسترليني، بما يعادل خمسة ملايين جنيه مصري.

 

كما أشار إلى تكرار حوادث السرقة للمساجد الأثرية حيث شهدت منطقة الدرب الأحمر سلسلة من السرقات استهدفت مساجد ومنابر أثرية نادرة، وسرقة 5 مشكاوات لسلاطين المماليك من ضمنهم السلطان برقوق والسلطان حسن من مخازن متحف الحضارة واستبدالها بأخرى غير أثرية، وتم اكتشاف المشكاوات الأصلية يتم بيعها في المملكة المتحدة والإمارات في عام 2014

.

وطالبت الدعوي جهة الإدارة وخصوصًا وزارة الأوقاف بالحفاظ على هذه المنابر من السرقة.

واختتمت الدعوى: "أن حالة الاستعجال قائمة في هذا الطعن ومتوافرة ويجب وقف هذه المهزلة التى تؤذى المنابر الإسلامية الفريدة؛ لأنه من المستحيل أن تعاد إلى أصلها وبراعة تركيبها التي كانت عليه قبل التفكيك، حيث أن جمع الحشوات بتطعيماتها وزخارفها بهذا الشكل في حد ذاته "فن أصيل" من فنون الأثر ككل".

 

وبالعودة لنص القرار 110، لسنة 2018، ما يثير الجدل والتساؤلات حقًا  خطاب مجلس الوزراء لوزير الآثار، والمتعلق بتفكيك ونقل منابر ومقتنيات المساجد الأثرية، وخاصة البند الثاني "مراعاة عدم الإعلان عن هذا الموضوع" لماذا السرية؟.

أما البند الأول فيثير المخاوف، لأنه جاء في العموم ولم يحدد أي المقتنيات أو عددها، ولم يذكر أي تفاصيل في هذا الشأن وجاء نصه: "نقل المقتنيات الأثرية من المساجد إلى وزارة الآثار حفاظا عليها من السرقة".

 

ويبدو أن هناك حلقة ما مفقودة، لماذا الآن تفرغ محتويات المساجد بعد أن ظلت صامدة مئات السنوات، ووقفت في وجه جميع أنواع الاحتلال، ألا تستطيع دولة بأجهزتها وقطاعتها أن توفر التأمين والحماية، ولينتهي بها الحال بالزوال في المخازن، ويبقى السؤال في انتظار الإجابة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان